ستارلينك تصل إلى السماء المغربية

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس

هناك أخبار تثير الفخر، وأخرى تثير الأسئلة. وخبر الاتفاق بين الخطوط الملكية المغربية وستارلينك من النوع الأول. أن تتحول الطائرة المغربية إلى فضاء متصل بالإنترنت عالي السرعة، وأن تدخل الناقلة الوطنية مرحلة جديدة من التكنولوجيا الجوية، وأن تصبح من أوائل شركات الطيران الإفريقية التي تراهن على هذا النوع من الاتصال، فذلك ليس تفصيلا صغيرا. نحن فخورون. بل ينبغي أن نفخر. فالخطوط الملكية المغربية ليست مجرد شركة تنقل المسافرين بين المطارات. إنها، في جزء من صورتها، جناح من أجنحة المغرب في العالم، وطائرته التي تحمل اسم البلاد فوق السحاب، وتدخل المدن قبل أن يدخلها كثير من الدبلوماسيين. لكن الفخر لا ينبغي أن يمنع السؤال. بل ربما يكون الفخر الحقيقي هو الذي يسمح لنا بالسؤال. ماذا عن مغاربة العالم؟ ماذا عن المواطن المغربي الذي لا يحتاج فقط إلى أنترنت سريع في السماء، بل يحتاج إلى تذكرة يمكنه تحمل ثمنها؟ ماذا عن المغربي الذي يريد أن يأتي إلى بلده في الصيف، فيجد أن تغيير تاريخ رحلة قد يتحول إلى فاتورة ثقيلة، وأن المرونة التي يفترض أن ترافق السفر العائلي تتحول أحيانا إلى امتحان للقدرة المالية؟ هنا يصبح السؤال أكبر من شركة طيران. يصبح سؤالا عن فلسفة العلاقة بين المغرب ومواطنيه في الخارج.

يمكن للطائرة أن تتصل بالأقمار الصناعية. لكن هل يستطيع المغربي في الخارج أن يتصل بسهولة بوطنه؟ هذا هو السؤال الذي يستحق أن يقال بصوت عال. قد تصبح الطائرة المغربية متصلة بشبكة فضائية تدور فوق القارات، بينما يبقى المواطن الذي ينتظر في مطار أوروبي أسير شاشة الحجز، يحسب الفارق بين سعر تذكرة اليوم وسعر تذكرة الغد، ثم يكتشف أن تغيير التاريخ قد يكلفه مئات اليوروهات. هنا تبدو المفارقة كأنها خرجت من رواية ساخرة عن المستقبل: الطائرة تتصل بالفضاء، والمواطن ينقطع عن القدرة على الوصول إلى بلده. نحن لا نعترض على التكنولوجيا. على العكس. نريد المزيد منها. نريد طائرات أكثر حداثة، وخدمات أكثر ذكاء، واتصالا أفضل، وتجربة سفر تليق بصورة المغرب. لكننا نريد أن تصل التكنولوجيا أيضا إلى فلسفة الخدمة. فالذكاء ليس فقط أن تعرف الطائرة أين توجد في السماء. الذكاء أن تعرف الشركة أيضا أين يوجد المواطن في حساباتها.

في البلدان التي تفهم معنى القوة الناعمة، تصبح شركة الطيران أكثر من شركة. إنها واجهة. إنها أول انطباع. وأحيانا تكون السفارة الأولى. المغربي الذي يصعد إلى الطائرة لا يحمل معه حقيبته فقط. يحمل معه سؤالا . هل يشعر أن الشركة الوطنية تفهم ظروفه؟ هل يجد مرونة حين يتغير موعد سفره بسبب مرض أو وفاة أو ظرف عائلي؟ هل يجد أسعارا تراعي أن السفر إلى المغرب ليس رحلة ترفيهية بالنسبة إلى كثير من الأسر، بل عودة إلى العائلة والجذور والذاكرة؟ هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع السياسة الكبيرة. 500 يورو لتغيير التاريخ… ماذا يعني ذلك؟ حين يصبح تغيير تاريخ تذكرة عبئا ماليا كبيرا، فإن المسألة لا تعود مجرد بند تجاري في شروط السفر.

إنّها تتحول إلى سؤال عن العدالة في الخدمة. صحيح أن شركات الطيران تعمل وفق اقتصاد معقد، وأن أسعار التذاكر تتأثر بالموسم والطلب والوقود والضرائب والأسطول وشبكة الرحلات. وصحيح أيضا أن الشركة الوطنية ليست مؤسسة خيرية. لكن هناك فرقا بين الاقتصاد وبين أن يشعر المواطن بأن كل مرونة في سفره لها ثمن عقابي. مغاربة العالم يحتاجون إلى نموذج أكثر إنسانية. ليس بالضرورة إلى تذاكر مجانية. ولا إلى امتيازات غير واقعية. بل إلى سياسة ذكية تجاه المواطن المغربي في الخارج. سياسة تعرف أن الأسرة المغربية في أوروبا مثلا قد تضم أطفالا، وأن السفر في الصيف ليس دائما قرارا يمكن تغييره بسهولة، وأن الظروف العائلية لا تحترم جداول شركات الطيران. الموت لا يحجز موعده مسبقا. والمرض لا ينتظر انخفاض سعر التذكرة. والأم لا تختار موعد حنين ابنها إليها وفقا لخوارزمية التسعير. وهنا تفشل اللغة التجارية وحدها.

ماذا لو أصبح «مغرب العالم» سياسة وطنية؟ عندها يمكن أن تصبح الخطوط الملكية المغربية جزءا من هذه الاستراتيجية. ليس فقط عبر نقل الناس. بل عبر بناء علاقة مستدامة معهم. لماذا لا توجد عروض مصممة فعلا للعائلات المغربية في الخارج؟ لماذا لا تكون هناك مرونة أكبر في بعض الفترات الحساسة؟ لماذا لا تتحول البيانات الضخمة إلى وسيلة لفهم احتياجات المسافر المغربي، بدلا من استخدامها فقط في التسعير؟ لماذا لا تصبح تجربة السفر نفسها جزءا من سياسة المغرب تجاه جاليته؟ هذه ليست أسئلة تقنية. هذه أسئلة سيادية. فستارلينك ممتازة… لكن الاتصال الحقيقي أعمق. قد تبدو المقارنة غريبة. لكنها ليست كذلك. ستارلينك تمنح الطائرة اتصالا بالأرض من خلال السماء. أما المغرب فيحتاج إلى أن يمنح مغاربة العالم اتصالا بالوطن من خلال الثقة. وهذا الاتصال لا تصنعه الأقمار الصناعية. تصنعه السياسات. وتصنعه المعاملة.الخطوط الملكية المغربية أمام فرصة تاريخية

وهنا يمكن للخطوط الملكية المغربية أن تفعل أكثر مما تفعل شركة طيران تقليدية. يمكنها أن تكون جزءا من إعادة بناء العلاقة بين المغرب ومغاربة العالم. فإذا كانت تستعد لعصر جديد من الاتصال الجوي، فلماذا لا تدخل أيضا عصرا جديدا من الاتصال الإنساني؟ إذا كان بإمكان الطائرة أن توفر الأنترنت في السماء، فلماذا لا توفر للمسافر تجربة أكثر ذكاء ومرونة وكرامة على الأرض؟ لماذا لا تصبح خدمة مغاربة العالم مختبرا للابتكار؟ حلول مرنة للعائلات. عروض مرتبطة بالعائلة، لا بالسائح فقط. شراكات مع المؤسسات المغربية في الخارج. هكذا تصبح الطائرة جسرا، لا مجرد وسيلة عبور. العلاقة بالوطن ليست تذكرة ذهاب وعودة. إنها عقد طويل بين الإنسان والأرض. ولذلك، نعم، نحن فخورون بالخطوط الملكية المغربية. ونريدها أقوى. ونريد طائراتها أكثر حداثة. ونريد ستارلينك في سمائها. ونريدها منافسا عالميا. لكننا نريد معها شيئا آخر: أن تكون قوية أيضا في علاقتها بمغاربة العالم. لأن الطائرة التي تحمل العلم المغربي إلى السماء ينبغي أن تحمل معه شيئا أكثر من الركاب. ينبغي أن تحمل معنى الرحمة. ليست القضية كم تبلغ سرعة الأنترنت فوق السحاب. القضية الأهم هي: كم تبلغ سرعة الشركة في الوصول إلى المواطن المغربي المسافر؟

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “ستارلينك تصل إلى السماء المغربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *