بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
مارسيليا اسم لا يليق به هذا القدر من القسوة. يكفي أن تقول مارسيليا حتى ينهض البحر من ذاكرة المتوسط، وتتحرك في الخيال مراكب صغيرة، ومقاه قديمة، وشرفات تطل على ملح العالم، ومدينة أفريقية الملامح أوروبية العنوان، كأن التاريخ نفسه قرر أن يترك على حافة فرنسا مدينة لها رائحة المرافئ وقلق العابرين. لكن المدن لا تعيش دائما داخل أسمائها. قد يكون للمدينة اسم شعري جدا، بينما ينام تحت الاسم جرح لا تراه الكاميرات. وهذا ما تقوله اليوم مارسيليا، أو على الأقل بعض شوارعها، حيث لم يعد المخدر يختبئ في جيب معتم أو في درج خلفي، بل خرج إلى الضوء، وجلس على الرصيف، وأمام الأبواب، وبالقرب من المحطة، حتى صار بعض السكان يسمعون الصراخ من الصباح إلى المساء، ويرون أجسادا تتهاوى على الأرض كما لو أن المدينة فقدت شيئا من قدرتها على التمييز بين الإنسان والخراب.
المشهد قاس، نعم. لكن القسوة الحقيقية ليست في أن نرى شخصا يستهلك الكراك في الشارع. القسوة الحقيقية أن نرى الشارع وقد صار آخر مستشفى، وآخر مأوى، وآخر غرفة انتظار، وآخر مكان يمكن أن يذهب إليه إنسان سقط من سلم الحياة ولم يجد من يمد له يدا قبل أن يصل إلى الرصيف. وهنا ينبغي أن نتوقف عن السؤال السهل: لماذا تكثر المخدرات في مارسيليا؟ فالسؤال، بهذه الصيغة، يحمل في داخله شيئا من الكليشيه. هل مارسيليا وحدها التي تعرف المخدرات؟ هل باريس بريئة؟ هل لندن مدينة عذراء؟ هل بروكسل، برلين، أمستردام، مدريد أو ميلانو لا تعرف أسواق السموم؟ وهل تختفي المخدرات عندما تعبر أبواب الأحياء الثرية؟ هنا تصبح الحكاية أكثر غرابة. لأن المخدرات لا تعرف الجغرافيا الطبقية بقدر ما تعرف اقتصاد الرغبة. هي موجودة في الحي الذي ينام فيه المشرد تحت الكرتون، وموجودة أيضا في الشقة التي لا يصل إليها ضجيج الشارع، وفي الحفلة التي لا تدخلها الشرطة، وفي السيارة الفاخرة التي لا يراها أحد، وفي غرف الفنادق التي تغلق أبوابها على أسرار أصحابها.
الفرق ليس دائما في وجود المخدر. الفرق في المكان الذي يظهر فيه. الفقير يدفع ثمن سقوطه في الشارع أمام أعين الجميع. أما الميسور فقد يستطيع أن يدفع ثمن سقوطه كي يبقى السقوط داخل جدار عازل. وهنا تتحول المخدرات من قضية جنائية إلى سؤال اجتماعي عميق: لماذا يستطيع بعض الناس أن يستهلكوا الخراب بعيدا عن أعين المجتمع، بينما يجبر آخرون على عرضه في واجهة المدينة؟ إنها ليست مسألة مخدرات فقط. إنها مسألة تفاوت. مسألة هشاشة. مسألة سكن. مسألة صحة نفسية. مسألة عزلة. مسألة اقتصاد غير رسمي يقتات من أجساد المنهكين. ومسألة مدينة كبرى تحمل على ظهرها ملايين الرغبات والإحباطات والوحدات والسرعات. الكراك نفسه ليس ظاهرة ولدت صباح أمس.
الكوكايين له تاريخ طويل، والمخدرات رافقت الإنسان منذ اكتشافه للنباتات والمواد التي تغير الوعي. استخدمت بعض المجتمعات مواد مخدرة في الطقوس الدينية، واستعملتها أخرى في الطب أو في طقوس العبور، ثم جاءت الحداثة الصناعية وحولت بعض هذه المواد من نباتات أو وصفات محلية إلى سلع عابرة للقارات. وهنا وقع الانقلاب الكبير. حين دخلت المخدرات في منطق السوق، لم تعد القضية مجرد مادة تغير المزاج. أصبحت صناعة. لها منتج. ومهرب. ووسيط. ومستهلك. وشبكة مالية. وسوق سوداء. وحسابات ربح وخسارة. وأحيانا جيوب فاسدة تستطيع أن تعيش طويلا في المناطق الرمادية بين الجريمة والاقتصاد. وهذا هو الوجه الذي ينبغي أن تخشاه الدول أكثر من صورة المدمن الملقى على الرصيف. فالمدمن هو الحلقة المرئية من سلسلة قد تكون مختبئة خلف طبقات كاملة من المال. نحن نرى اليد التي تمسك بالأنبوب. ولا نرى دائما اليد التي تمسك بالسوق. نرى الشخص الذي يترنح. ولا نرى دائما الذين يحسبون الأرباح. نرى الصراخ. ولا نسمع دائما صوت الاقتصاد السري الذي يعمل في هدوء تام.

لهذا فإن اختزال المسألة في الشرطة يشبه محاولة إطفاء ظل حريق بالماء. الشرطة ضرورية. والأمن ضروري. والشارع ليس مختبرا مفتوحا للمخدرات. ومن حق السكان أن يعيشوا في أحيائهم من دون خوف، ومن حق الأطفال أن يجدوا الحدائق والأرصفة خالية من مشاهد تؤذي طفولتهم، ومن حق أصحاب المتاجر أن يفتحوا أبوابهم من دون أن يتحول الرصيف أمامهم إلى منطقة فوضى. لكن الشرطة وحدها لا تستطيع أن تعالج ما لا تستطيع أن تسجنه. يمكن للشرطي أن يطارد البائع. لكنه لا يستطيع وحده أن يعالج الاكتئاب. يمكنه أن يصادر المادة. لكنه لا يستطيع وحده أن يعيد شخصا فقد معنى حياته. يمكنه أن يفرق تجمعا. لكنه لا يستطيع أن يبني مركزا صحيا. وهنا يصبح إغلاق مركز استقبال متخصص في الإدمان، حتى بصورة مؤقتة ولأسباب تتعلق بالسلامة، أكثر من مجرد خبر إداري. إننا حين تغلق أحد الأبواب التي يلجأ إليها المدمن، لا تختفي المشكلة. هي فقط تنتقل إلى الشارع. المخدر لا يمشي إلى الشارع. نحن الذين ندفع إليه إنسانا لا يجد مكانا آخر. وهذه الجملة وحدها تستحق أن تعلق فوق أبواب وزارات الصحة والداخلية والإسكان والشؤون الاجتماعية: حين لا تبني الدولة مكانا آمنا للهشاشة، ستجد الهشاشة مكانا في الشارع.
لكن هناك سؤالا أكثر إزعاجا. لماذا نتحدث عن المخدرات دائما كما لو أنها مشكلة الفقراء وحدهم؟ لماذا عندما تظهر في حي شعبي نقول: انهيار اجتماعي، وعندما تظهر في الوسط المترف نقول: حفلات، وسهر، وضغط مهني، وحياة صاخبة؟ هل المادة تغير اسمها حين تدخل سيارة فاخرة؟ هل الكوكايين يصبح أقل خطرا عندما يخرج من جيب يرتدي صاحبه ساعة باهظة؟ هل الإدمان يكون أقل مأساوية إذا كان المدمن يسكن في الطابق الثلاثين؟ هذه ازدواجية خطيرة. لأن المخدر لا يحترم البدلة. ولا يخاف من القصر. ولا يسأل عن الرصيد البنكي. إنه يدخل من الباب نفسه الذي تدخل منه كل أشكال الهشاشة الإنسانية: الرغبة في الهروب. الهروب من الوحدة. من الفشل. من القلق. من الفراغ. من ضغط النجاح. من ذاكرة مؤلمة. من طفولة مكسورة. من حاضر لا يحتمل. ولهذا فإن الحرب الحقيقية على المخدرات لا تبدأ دائما عند الحدود. قد تبدأ في مدرسة. وفي أسرة. وفي ملعب. وفي مركز شباب. وفي عيادة للصحة النفسية. وفي سياسة سكن. وفي ثقافة تقول للشاب إن طلب المساعدة ليس عارا. قد تبدأ أيضا في مكان شديد البساطة: في أن يجد الإنسان شخصا يستمع إليه قبل أن يجد تاجرا يبيع له شيئا يخدر صمته. والمدن الكبرى تعرف هذه الحقيقة أكثر من غيرها. كلما كبرت المدينة، كبرت معها مصانع الوحدة. ناطحات السحاب لا تمنع الوحدة. ازدحام المترو لا يعني أن الناس متصلون. ملايين البشر يمكن أن يعيشوا فوق بعضهم بعضا، ومع ذلك يكون كل واحد منهم جزيرة. وهنا يظهر المخدر كبحر أسود بين الجزر.
مارسيليا ليست استثناء. إنها ربما أكثر المدن صدقا في كشف هذا الجرح لأنها مدينة ميناء، والموانئ تاريخيا هي الأماكن التي تصل فيها السلع والناس والأحلام والممنوعات. الميناء لا يعرف البراءة الكاملة. إنه يعرف الحركة. وكل ما يتحرك في العالم يجد في الميناء طريقا. لكن تحميل مدينة كاملة مسؤولية المخدرات يشبه تحميل البحر مسؤولية كل ما يغرق فيه. البحر لا يصنع السفن. والمدينة لا تصنع وحدها الإدمان. إنها تستقبل نتائجه. وهنا يجب أن ننتقل من سؤال: كيف ننظف الشارع؟ إلى سؤال أكثر صعوبة: كيف نمنع الإنسان من السقوط إلى الشارع أصلا؟ الفرق بين السؤالين هو الفرق بين سياسة تطارد النتيجة وسياسة تحاول أن تفهم السبب. الأكثر ذكاء ليس أن تجعل المشهد القبيح يختفي من الكاميرا. الأكثر ذكاء أن تجعل الحاجة إلى المشهد تقل. لأن المدينة التي تطرد المدمن من شارع إلى شارع قد تنجح في تحسين الصورة، لكنها لا تكون قد عالجت المرض. وقد تتحول العملية إلى لعبة مرعبة: الشرطة تدفع الناس من مكان، فيظهرون في مكان آخر، ثم تأتي الشرطة مرة أخرى، فيتحرك السوق، ويتحرك المستهلك، وتتحرك المشكلة، بينما يبقى أصل الحكاية جالسا في الظل. كأن المدينة تلعب الشطرنج مع مرض لا يملك قطعة واحدة فقط.
لهذا تحتاج مارسيليا، وفرنسا، وكل مدينة أوروبية تواجه الظاهرة، إلى سياسة لا ترى المدمن مجرد ملف أمني. تحتاج إلى أمن قوي ضد شبكات الاتجار، وعلاج قوي للإدمان، ومراكز استقبال إنسانية، ومرافقة نفسية، وسكن، ووقاية، وبيانات علمية، وحضور اجتماعي في الأحياء الأكثر هشاشة. والأهم من كل ذلك: تحتاج إلى شجاعة سياسية تمنع الدولة من الوقوع في فخ الصورة. لأن السياسي يحب الصورة. الصورة تقول: اعتقلنا. والكاميرا تحب الصورة. أما العلاج فلا صورة له في الغالب. قد يستغرق سنوات. قد لا ينتج مؤتمرا صحفيا. قد ينتهي بإنسان لم يعد يظهر في الشارع، وهذا انتصار صامت لا تصفق له الكاميرات. لكن هذا هو الانتصار الحقيقي. إنقاذ طفل قبل أن يصبح مدمنا أكثر قيمة من اعتقال مدمن بعد أن تحولت حياته إلى أنقاض. ومنع شاب من دخول عالم المخدرات أكثر ذكاء من بناء عشرات السجون. واستعادة إنسان من الإدمان أكثر نبلا من الاحتفال بعدد المداهمات. المشكلة ليست أن مارسيليا صارت مدينة مخدرات. هذه العبارة نفسها خطيرة لأنها تختزل مدينة كاملة في مرض بعض شوارعها. المشكلة أن بعض المدن الحديثة بدأت تفقد قدرتها على رؤية الإنسان قبل سقوطه. وفي هذا المعنى، قد تكون مارسيليا مجرد مرآة. مرآة كبيرة جدا. من يحدق فيها سيرى فرنسا، وربما أوروبا، وربما نفسه. سيرى أن المخدرات ليست دائما قصة عن أشخاص سيئين.
أحيانا هي قصة عن سوق شديد الذكاء وجد بشرا في لحظة ضعف. وهي أيضا قصة عن دولة قد تكون قوية جدا في العقوبة، لكنها بطيئة في الوقاية. وعن مجتمع يكتشف الإدمان عندما يصبح منظرا عاما، بعدما كان يتشكل في غرف مغلقة، وفي صدور صامتة، وفي عقول لم يسألها أحد منذ زمن: ماذا يحدث لك؟ لذلك لا ينبغي أن يكون السؤال: هل مارسيليا تغرق؟ السؤال الأكثر رعبا هو: كم مدينة أخرى تغرق، لكن ماءها الأسود يجري تحت الأرض؟ لأن ما نراه في مارسيليا قد لا يكون بداية الكارثة. قد يكون فقط اللحظة التي قررت فيها الكارثة أن تظهر أمام الكاميرا. مارسيليا، المدينة التي يحمل اسمها رائحة البحر، تواجه مفارقة تكاد تكون أسطورية: بحرها مفتوح على العالم، لكن بعض أبنائها لا يجدون منفذا من أنفسهم. وهذه هي المأساة التي لا تعالجها الشرطة وحدها. لأن الإنسان حين يبحث عن المخدر، لا يبحث دائما عن المخدر. أحيانا يبحث عن باب. وحين لا يجد بابا، قد يكسر النافذة. وإذا لم يجد نافذة، قد يجلس على الرصيف. وهناك، في ذلك الرصيف، تبدأ الدولة في رؤيته. لكن ربما كان يجب عليها أن تراه قبل ذلك بكثير.
📲 Partager sur WhatsApp