بقلم د. عبد الرحمان المكاوي- باريس
هناك مفارقة في العقوبات الطويلة لا تحب القوى الكبرى النظر في مرآتها كثيرا: قد تبدأ العقوبة كسكين، ثم تتحول مع الزمن إلى مدرسة؛ وقد تدخل الدولة المستهدفة غرفة العزل وهي تظن أن العالم كله خارجها، ثم تكتشف بعد عقود أن العزلة نفسها قد علمتها كيف تبني نوافذ سرية في الجدران. إيران هي، في هذا المعنى، ليست مجرد دولة تخضع للعقوبات. إنها تجربة تاريخية في كيفية صناعة اقتصاد خارج الاقتصاد، وشبكة مالية خارج الشبكات، وطرق تجارية خارج الطرق، بل وربما نظام بقاء كامل خارج القواعد التي يفترض أن العقوبات صممت لمعاقبته. نحو سبعة وأربعين عاما من الضغط المتدرج جعلت من العقوبات الأمريكية على إيران شيئا يتجاوز السياسة الخارجية. لقد تحولت إلى بيئة تطورية. وكما تتكيف الكائنات الحية مع المناخ القاسي، تكيف الاقتصاد الإيراني مع مناخ العقوبات. وما كان في البداية التفافا اضطراريا على الحصار صار مع الوقت بنية تحتية قائمة بذاتها.
وهنا تكمن المفاجأة. قد تكون العقوبات قد أضعفت الاقتصاد الإيراني، لكنها ساعدت في الوقت نفسه على خلق اقتصاد لا تستطيع العقوبات الوصول إليه بسهولة. وهذا هو الفارق بين أن تضرب الاقتصاد وبين أن تضرب قدرته على التكيف. فالدولة التي تعيش تحت العقوبات سنوات طويلة لا تبقى الدولة نفسها. تتغير طرق تجارتها، ومصادر تمويلها، وشبكات وساطتها، وعلاقاتها المصرفية، ونخبها الاقتصادية، بل تتغير طبيعة العلاقة بين الدولة والسوق والتهريب والأمن. العقوبة هنا لا تعود مجرد أداة ضغط. تصبح مناخا سياسيا واقتصاديا جديدا. وفي المناخ الجديد تنبت نباتات لا تنمو في الأرض الطبيعية. من بينها اقتصاد الظل. في الحالة الإيرانية يمكن النظر إلى هذا الاقتصاد باعتباره ثلاث دوائر متداخلة: النفط، والشبكات المرتبطة بالمؤسسة الأمنية، والتمويل غير التقليدي الذي يمتد من الحوالة إلى العملات المشفرة. النفط هو القلب. فالدولة التي تملك موارد هائلة من الطاقة لا يمكن خنقها بسهولة طالما بقي هناك من يريد شراء الطاقة. وهنا يظهر السؤال الذي يكشف حدود العقوبة الأحادية: ماذا يحدث عندما تستطيع دولة مثل الصين أن تشتري النفط الإيراني، وأن تجد في العقوبات نفسها سببا للحصول عليه بسعر أفضل؟
هنا تنقلب المعادلة بصورة تكاد تكون ساخرة. ما تراه واشنطن منفذا لعقوبتها، قد تراه بكين نافذة تجارية. وما تعتبره الولايات المتحدة خصما عقابيا، قد يتحول عند المشتري إلى خصم على سعر السلعة. في سوق النفط، لا توجد عادة أخلاق جيوسياسية ثابتة بقدر ما توجد مصالح وحسابات ومخاطر وهوامش ربح. البرميل المحاصر ليس برميلا ميتا. إنه برميل يبحث عن طريق. وقد يجد طريقه عبر شركات وسيطة، وناقلات تغير هوياتها التجارية، ومسارات شحن ملتوية، وعمليات نقل من سفينة إلى أخرى، وشبكات مالية لا تحتاج دائما إلى المرور عبر البنوك الغربية. وهكذا يولد ما يمكن تسميته النفط الشبح. ليس لأنه غير موجود، بل لأنه موجود بطريقة لا تحب أن تراه بها أنظمة الرقابة. وهذه النقطة بالذات تكشف تحولا أكبر من إيران.
لقد تغير العالم منذ اللحظة التي كان فيها ممكنا للدولة التي تملك العملة الاحتياطية الرئيسية أن تضع العالم كله تقريبا في غرفة مالية واحدة. اليوم توجد غرف أخرى. الصين بنت بنيتها المالية. روسيا بنت قنواتها. ودول عديدة تبحث عن وسائل دفع بديلة. وشبكات التجارة نفسها بدأت تتعلم كيف تعيش مع نظام مالي متعدد الممرات. ليس معنى ذلك أن الدولار فقد مركزه. هذا استنتاج متسرع. الدولار ما زال في قلب النظام المالي العالمي، وما زالت الولايات المتحدة تملك قدرة استثنائية على مراقبة التدفقات المالية ومعاقبة البنوك والشركات والوصول إلى مفاصل أساسية في التجارة الدولية. لكن الفرق المهم هو أن احتكار الطريق لم يعد كما كان. والقوة في الاقتصاد العالمي لا تكمن فقط في امتلاك أقوى عملة، بل في قدرة الآخرين على إيجاد طريق حين يغلق الطريق الأول. هنا بالضبط تصبح إيران حالة اختبار.
الحرس الذي خرج من الظل
العقوبات لا تغير الأسواق فقط. إنها تغير توزيع القوة داخل الدولة. حين يصبح الاقتصاد الرسمي مكلفا ومقيدا، ترتفع قيمة من يستطيع العمل في المناطق الرمادية. من يعرف الميناء. من يعرف الجمارك. من يعرف الوسطاء. من يستطيع نقل المال. من يستطيع تأمين الحماية. من يستطيع عقد الصفقة في المكان الذي لا تصل إليه الرقابة. ومن يستطيع تحويل العقوبة من جدار إلى ممر. وهنا تبرز المؤسسة الأمنية الإيرانية، وعلى رأسها الحرس الثوري، ليس فقط كفاعل عسكري وسياسي، بل كفاعل اقتصادي يستفيد من البيئة التي صنعتها العقوبات. وهذه ربما واحدة من أكثر مفارقات العقوبات قسوة. الدولة الغربية تفرض العقوبة بهدف زيادة تكلفة النظام على النظام. لكن بعض العقوبات الطويلة قد تفعل شيئا آخر: تزيد قيمة الوسطاء الذين يستطيعون الالتفاف عليها. وكلما ازدادت القنوات الرسمية ضيقا، ازدادت قيمة القنوات غير الرسمية. وكلما صار السوق أكثر تعقيدا، ازدادت أرباح من يملك مفتاح التعقيد. وهكذا يمكن أن يتحول الحصار إلى آلية لإعادة توزيع الثروة من الاقتصاد المنظم إلى اقتصاد الظل. من هنا لا يكفي أن نسأل: هل العقوبات تخفض الناتج؟ السؤال الأكثر ذكاء هو: من الذي يربح من انخفاض شفافية الاقتصاد؟ لأن العقوبات قد تخفض الثروة الوطنية، لكنها لا توزع كلفة الانخفاض بالتساوي. قد يخسر المواطن العادي دخله وقدرته الشرائية. وقد تخسر الدولة جزءا من عائداتها. لكن شبكات الظل قد تربح من العمولة، ومن فرق السعر، ومن ندرة السلع، ومن تعقيد التحويلات، ومن المخاطر التي تصبح نفسها سلعة قابلة للبيع. وهنا يصبح اقتصاد الظل ليس مجرد هامش للاقتصاد. بل يصبح، في بعض الحالات، اقتصادا موازيا له قوانينه ونخبه وممراته وحراس بواباته.
من النفط إلى العملة المشفرة: حين تصبح التكنولوجيا زورقا صغيرا في بحر محاصر
ثم جاءت التكنولوجيا لتضيف طبقة جديدة. الحوالة لم تولد اليوم. لكن الاقتصاد الرقمي منح شبكات نقل القيمة أشكالا جديدة. العملات المشفرة لا تلغي قدرة الدول على الرقابة، ولا تجعل العقوبات بلا معنى كما يروج بعض الخطاب الدعائي، لكنها تفتح مسارات إضافية أمام من يريد نقل القيمة خارج القنوات التقليدية. وفي بيئة مثل البيئة الإيرانية، حيث تلتقي العقوبات بالاقتصاد غير الرسمي وشبكات الوساطة العابرة للحدود، تصبح كل تقنية جديدة سؤالا سياسيا. السؤال لم يعد فقط: هل تستطيع الولايات المتحدة منع إيران من استخدام النظام المالي العالمي؟ بل: كم نظاما ماليا يمكن أن يولد خارج النظام الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة؟ وهنا نصل إلى جوهر التحول. العالم لا ينتقل ببساطة من نظام أمريكي إلى نظام صيني. المسألة أكثر تعقيدا. العالم يتجه نحو تعدد في البنى. شبكة هنا. منصة هناك. عملة في جهة. نظام دفع في جهة أخرى. وموانئ ومصارف وشركات تأمين ووسطاء ينشئون بين هذه الجزر جسورا لا تظهر دائما على خرائط المؤسسات الغربية. إنها ليست ثورة معلنة. إنها تآكل هادئ. والتآكل أخطر أحيانا من الانهيار، لأنه لا يصنع لحظة واحدة يمكن للقوة الكبرى أن تتدخل فيها.
المشكلة ليست في العقوبة وحدها… بل في عالم لا يعترف بالعقوبة نفسها
هنا يصبح القانون الدولي هو العقدة الكبرى. العقوبة الأمريكية تستطيع أن تكون شديدة الفاعلية داخل المجال الذي تستطيع واشنطن التأثير فيه. لكن العقوبة الوطنية لا تصبح تلقائيا قانونا دوليا لمجرد أن الدولة التي أصدرتها هي الولايات المتحدة. وهذه حقيقة بسيطة، لكنها تختبئ خلف القوة الهائلة للدولار. هناك فرق بين أن تكون القاعدة أمريكية وأن تكون القاعدة دولية. وبين أن تملك واشنطن القدرة على جعل الآخرين يحترمون عقوباتها وبين أن يقتنع العالم كله بشرعيتها. حين لا توجد موافقة دولية، تدخل العقوبات منطقة سياسية شديدة الحساسية. الصين قد لا ترى نفسها ملزمة بالمنظور الأمريكي. روسيا لديها حساباتها الخاصة. ودول الجنوب العالمي لا تنظر دائما إلى العقوبات من الزاوية نفسها التي تنظر بها واشنطن أو العواصم الأوروبية. ومن هنا تتسع الفجوة بين القوة القانونية للعقوبة والقوة الواقعية لتنفيذها. وهذه الفجوة هي المكان الذي يعيش فيه اقتصاد الظل.
الدولار لا يسقط… لكنه يتعلم أن العالم يريد تأمين نفسه منه
من الأخطاء الفكرية الشائعة أن نقرأ تراجع حصة الدولار في الاحتياطيات العالمية باعتباره مقدمة حتمية لانهياره. هذا تبسيط شديد. الدولار ما زال العملة الاحتياطية الأولى، وما زالت الأسواق المالية الأمريكية عميقة وسيولة الدولار لا تجد منافسا مكتملا بسهولة. لكن هناك ظاهرة أخرى أكثر أهمية من سؤال السقوط والصعود: الدول بدأت تفكر في مخاطر الاعتماد الكامل على الدولار. وهذا وحده تحول استراتيجي. فالعملة لا تفقد قوتها فقط عندما يتوقف العالم عن استخدامها. قد تبدأ بفقدان جزء من قوتها عندما يبدأ العالم في بناء مخارج احتياطية تحسبا لاستخدامها كسلاح. هذه هي المفارقة الكبرى. كلما استخدمت القوة المالية كسلاح، تعلم الخصوم كيفية بناء الدروع. لا يعني ذلك أن السلاح فقد قوته. بل يعني أن الطرف المقابل بدأ يطور جهازا مناعيا ضده. ويمكن صياغة المسألة في جملة واحدة: تسليح الدولار لا يقتل الدولار، لكنه يدفع الآخرين إلى تعلم كيفية العيش بدونه عند الضرورة. وهذا فرق استراتيجي هائل.
الصين لا تنقذ إيران مجانا
ومن السذاجة أيضا تصوير الصين باعتبارها جمعية خيرية جيوسياسية تنقذ إيران من العقوبات. الصين لا تعمل بهذه الطريقة. بكين تشتري عندما يكون الشراء مفيدا. وتفاوض عندما تكون لديها ورقة تفاوض. وتستفيد من المخاطر التي لا يريد الآخرون تحملها. النفط الإيراني الرخيص ليس فقط موردا للطاقة. إنه أيضا نتيجة مباشرة للمخاطر السياسية التي يفرضها نظام العقوبات. وهنا تظهر واحدة من أكثر قواعد السياسة الدولية برودة: العقوبة التي ترفع المخاطر قد ترفع أيضا هامش الربح لمن يقبل المخاطر. ومن يشتري السلعة المحاصرة بسعر أقل قد يكون في نظر واشنطن جزءا من المشكلة، لكنه في حساباته الخاصة مجرد لاعب رأى فرصة في سوق شديدة المخاطر. وهذا هو السبب الذي يجعل العقوبات الأحادية أكثر صعوبة كلما ازداد العالم تعددا. ففي عالم أحادي المركز، يمكن إغلاق الباب. في عالم متعدد المراكز، قد تغلق بابا وتكتشف أن هناك ثلاثة أبواب أخرى.
أوروبا: الحليف الذي لا يستطيع دائما أن يدفع ثمن الاصطفاف
أما أوروبا، فهي تعيش معضلة مختلفة. هي أقرب سياسيا إلى الولايات المتحدة، لكنها ليست الولايات المتحدة. لها شركاتها. ومصالحها. وأسواقها. وحساباتها الداخلية. ولهذا فإن تاريخ آليات التعامل الأوروبي مع العقوبات يكشف أن الاصطفاف السياسي لا يعني دائما التطابق الاقتصادي الكامل. أوروبا تستطيع أن تكون حليفا لواشنطن، لكنها لا تريد بالضرورة أن تكون مجرد ذراع تنفيذية لكل قرار مالي أمريكي. وهنا يظهر سؤال سيكبر مع الزمن: هل تستطيع أوروبا بناء استقلال استراتيجي مالي دون أن يتحول ذلك إلى قطيعة مع واشنطن؟ حتى الآن، الإجابة ليست واضحة. لكن مجرد طرح السؤال يكشف أن العالم تغير.
الخطأ الأكبر: الاعتقاد أن العقوبة حدث وليست نظاما
العقوبة في بدايتها أداة. بعد عشر سنوات تصبح بيئة. بعد عشرين سنة قد تصبح مؤسسة. وبعد عقود يمكن أن تصبح جزءا من هوية الدولة المستهدفة وطريقة تفكيرها الاقتصادي. وهذا ما يجعل الحالة الإيرانية شديدة الأهمية. إيران لم تعد تحاول فقط أن تتجاوز العقوبات. لقد نشأت أجيال من الوسطاء والشركات والمهربين والمصارف وشبكات النقل والتجارة على معرفة كيفية تجاوزها. بمعنى آخر: العقوبات علمت خصمها فن النجاة منها. وهذه ليست جملة بلاغية فقط. إنها قاعدة استراتيجية. فالحرب الاقتصادية، مثل الحرب العسكرية، تمنح الطرف المستهدف حوافز للتكيف. وحين ينجح التكيف، تصبح الجولة التالية أكثر تكلفة. ثم تبدأ حلقة: عقوبات. التفاف. تشديد. التفاف جديد. رقابة. تقنية مضادة. شبكة مالية جديدة. ثم شبكة رقابة جديدة. وهكذا تتحول العقوبات إلى سباق تسلح مالي. لكن الفرق أن المدافع هنا لا يطلق النار. إنه يغير اسم الشركة. ويغير مسار السفينة. ويغير العملة. ويغير البنك. ويغير الميناء. ويغير العقد. إنها حرب بلا دخان، لكنها تترك وراءها مدنا كاملة من الوسطاء.
هل يعني هذا أن العقوبات فشلت؟
لا. وهنا ينبغي الحذر من الوقوع في الاستنتاج المعاكس. العقوبات يمكن أن تكون شديدة الأثر. يمكن أن تخفض الاستثمار. وتزيد تكلفة التجارة. وتضغط على العملة. وتقلص قدرة الدولة على الوصول إلى التكنولوجيا والتمويل. وتضعف النمو. وتزيد كلفة الخيارات الاستراتيجية. لكن النجاح شيء، وتحقيق الهدف السياسي شيء آخر. قد تكون العقوبات ناجحة اقتصاديا وفاشلة سياسيا. وقد تكون مؤلمة جدا للمجتمع من دون أن تغير سلوك النظام بالقدر المتوقع. وهذا هو السؤال الذي يجب أن تسأله واشنطن دائما: ما الهدف النهائي؟ إذا كان الهدف هو جعل الاقتصاد الإيراني يدفع ثمنا، فالعقوبات قادرة على ذلك. أما إذا كان الهدف هو جعل إيران تتصرف وفق إرادة الولايات المتحدة، فالمسألة أكثر تعقيدا بكثير. لأن الدول لا تقيس الألم فقط. تقيس أيضا البدائل. وكلما زادت البدائل، قل أثر الألم السياسي.
مفارقة العقوبات الكبرى
هنا نصل إلى المفارقة التي تختصر القصة كلها. الولايات المتحدة تملك أقوى سلاح مالي في العالم. لكن الاستخدام المتكرر لهذا السلاح يدفع بعض الخصوم والحلفاء وحتى المحايدين إلى البحث عن خوذات مالية. ليست المسألة أن الدولار ينهار. ولا أن النظام الأمريكي انتهى. هذه أوهام. المسألة أدق وأكثر خطورة: النظام الذي كان يعمل بكفاءة بسبب الاعتماد على مركز واحد، بدأ يتعلم كيف يعيش مع مراكز متعددة. وهذا يعني أن النفوذ الأمريكي لا يختفي. لكنه يصبح أكثر كلفة. والفرق بين القوة والنفوذ هنا مهم جدا. القوة هي أن تستطيع منع شيء. أما النفوذ فهو أن تجعل الآخرين يختارون ما تريده حتى عندما يستطيعون اختيار غيره. العقوبات تستطيع أحيانا أن تمنع. لكنها لا تستطيع دائما أن تجعل العالم يريد ما تريده واشنطن. وهنا يبدأ الحد الحقيقي للهيمنة.
رأيي الخاص كرجل قانون
إذا أردنا اختزال التجربة الإيرانية كلها في قاعدة واحدة، فيمكن صياغتها هكذا: كلما طالت العقوبة الأحادية، لم تعد تعاقب الخصم وحده؛ بل بدأت تعيد تعليم النظام الدولي كيفية الالتفاف عليها. هذا لا يعني أن العقوبات ستختفي. ولا يعني أن الدولار سيفقد عرشه غدا. ولا يعني أن إيران خرجت منتصرة من سبعة وأربعين عاما من الضغط. بل يعني شيئا أكثر برودة: أن العقوبة الطويلة لا تبقى أداة في يد من فرضها. بمرور الزمن، تدخل العقوبة في يد الخصم أيضا. يستعملها لتبرير بناء شبكة بديلة. لتوسيع العلاقات مع منافسي القوة المهيمنة. لتطوير وسائل دفع جديدة. لتعميق اقتصاد الظل. ولتكوين نخب تستطيع أن تربح من العالم الذي يفترض أن العقوبات تريد خنقه. وهنا تصبح المفارقة مكتملة. واشنطن تريد أن تجعل إيران سجينة. لكن السجين، إذا بقي في زنزانته سبعة وأربعين عاما، لا يقضي كل الوقت في طرق الباب. قد يتعلم شكل القفل. قد يدرس الحارس.ة قد يحفر نفقا. وقد يتعلم في النهاية كيف يعيش خارج المبنى كله. أما الخطر الأكبر على النظام الذي فرض العقوبات، فليس أن يخرج السجين. الخطر أن يكتشف سجناء آخرون أنهم يستطيعون بناء أنفاق مشابهة. وهنا تتحول المسألة من عقوبة على إيران إلى مسألة إعادة هندسة للنظام الدولي.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي في نهاية المطاف ليس: هل تستطيع أمريكا خنق إيران؟ الجواب: تستطيع أن تؤلمها بشدة. ولا هو هل تستطيع إيران تجاوز العقوبات؟ الجواب: لقد تعلمت قدرا كبيرا من ذلك. السؤال الأعمق هو: كم من الوقت تستطيع القوة المهيمنة أن تستخدم نظامها المالي كسلاح قبل أن يبدأ خصومها وحلفاؤها وحتى شركاؤها في بناء عالم لا يكون فيه هذا السلاح هو السلاح الوحيد؟ هذه هي المعركة الحقيقية. ليست معركة برميل نفط. ولا سفينة شبح. ولا حوالة مالية. ولا عملة مشفرة. إنها معركة على هندسة الاعتماد العالمي. ومن يملك حق إغلاق الطريق، يملك قوة هائلة. لكن من يستطيع بناء طريق جديد، يبدأ في تغيير شكل الخريطة. وقد تكون إيران، بكل تناقضاتها، واحدة من أكثر المختبرات قسوة التي يتعلم فيها العالم هذه الحقيقة. العقوبات قد تكسر اقتصادا. لكنها، إذا طال عمرها، قد تعلم العالم كيف يبني اقتصادا لا يحتاج إلى من فرضها.
📲 Partager sur WhatsApp