بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
هناك صور لا تحتاج إلى شرح، لأنّها تصل إلى العقل قبل الكلمات. وصورة لاعبي كرة قدم يلعبون وسط أنقاض غزة واحدة من تلك الصور التي تبدو، للوهلة الأولى، مجرد لقطة رياضية غريبة، قبل أن يكتشف الناظر أنها تحمل داخلها تاريخا كاملا من الموت والخراب والحياة التي ترفض أن تنطفئ. في غزة، لا تبدو كرة القدم مجرد لعبة. حين يصبح الملعب نفسه مفقودا، تتحول الأرض المدمرة إلى ملعب مؤقت، ويتحول اللعب إلى فعل بقاء رمزي. طفل يركض بين الركام لا يلغي الركام، لكنه يقول للعالم شيئا بالغ البساطة وشديد القسوة: نحن ما زلنا هنا. لهذا ربما كانت الصورة أكثر إزعاجا من خطاب سياسي طويل. فالخطاب يمكن مناقشته، وتفكيكه، واتهامه بالانحياز. أما الصورة فتفعل شيئا أكثر تعقيدا: إنها تضع العين أمام واقعة لا تستطيع اللغة دائما أن تخفف من حدتها. لا تقول الصورة بالضرورة من هو المذنب، ولا تقدم برنامجا سياسيا، لكنها تترك أمام المشاهد سؤالا لا يستطيع بسهولة أن يدفنه تحت المصطلحات: كيف يمكن للإنسان أن يلعب كرة القدم في مدينة تبدو كأن الحرب مرت عليها بممحاة من نار؟
وعندما قررت بلدية دوفيل سحب هذه الصورة من معرض فوتوغرافي، لم تعد القضية متعلقة بصورة وحدها. تحولت الصورة نفسها إلى موضوع سياسي وقانوني وثقافي. فالمنع، أو السحب، لا يمحو الصورة. أحيانا يفعل العكس تماما: يمنحها حياة ثانية، ويحولها من صورة معروضة على جدار إلى قضية معروضة في المجال العام. فالصورة التي كان يمكن أن تمر أمام زوار المعرض بصمت، أصبحت بعد سحبها محط نقاش. والصورة التي كان يمكن أن تكون واحدة بين صور الحرب، تحولت إلى صورة عن حرية التعبير نفسها. لهذا فإن حكم القضاء الذي أعاد الصورة إلى المعرض لا ينبغي النظر إليه باعتباره انتصارا لفريق سياسي على فريق سياسي آخر. قيمته الحقيقية تكمن في شيء أكثر عمقا: في تذكير السلطة المحلية بأن الثقافة ليست غرفة مغلقة تستطيع الإدارة أن تعيد ترتيب جدرانها كلما وجدت عملا فنيا غير مريح.
الديمقراطية لا تختبر قوتها عندما تعرض صورا جميلة ومريحة. إنها تختبر نفسها عندما تواجه صورة تزعجها. ذلك هو الامتحان الحقيقي. فالمدينة الديمقراطية ليست مدينة بلا خلاف. إنها مدينة تسمح للخلاف بأن يظهر من دون أن يتحول الاختلاف إلى جريمة. وهذا لا يعني أن كل صورة مقدسة، ولا أن كل معرض محصن من النقاش، ولا أن المؤسسات الثقافية فوق النقد. بل يعني شيئا أكثر تحديدا: إذا كان العمل الفني يدخل في المجال المشروع للتعبير، فلا يجوز التعامل معه كخطر لمجرد أنه يفتح جرحا سياسيا. وهنا تكمن حساسية الصورة القادمة من غزة. إنها لا تصل إلى معرض أوروبي محملة بالضوء فقط، بل تحمل معها ظلالا ثقيلة: الحرب، المدنيين، الانقسام الدولي، الذاكرة، القانون الدولي، والأسئلة الأخلاقية التي فشلت السياسة في حسمها. ولذلك يصبح النظر إليها فعلا سياسيا من حيث لا يريد المشاهد. في القرن التاسع عشر، كانت اللوحة تحتاج إلى ساعات أو أيام كي تصل إلى جمهورها. وفي القرن العشرين أصبحت الصورة الصحفية قادرة على تغيير المزاج العام. أما في القرن الحادي والعشرين فقد أصبحت الصورة نفسها ساحة معركة. الحرب الحديثة لا تدور فقط بالصواريخ والطائرات. إنها تدور أيضا على الشاشة. هناك حرب على الجغرافيا، وحرب على الرواية، وحرب على الذاكرة، وحرب على الصورة. كل طرف يريد أن يرى العالم الحرب من زاويته. لكن الخطر يبدأ حين تتحول الرغبة في حماية رواية معينة إلى رغبة في إخفاء الروايات الأخرى. لأن إخفاء الصورة لا يعني إخفاء الحقيقة. قد يعني فقط تأجيل لحظة رؤيتها.
ومن أغرب مفارقات التاريخ أن السلطات التي تحاول أحيانا حماية المجتمع من صورة مؤلمة قد تجعل الصورة أكثر شهرة مما كانت ستكون عليه لو بقيت معلقة على جدار معرض. الصورة المسحوبة تصبح خبرا. والخبر يصبح جدلا. والجدل يصبح ذاكرة. وهكذا تعود الصورة من الباب الذي حاولوا إغلاقه أمامها. «Elle reviendra»… ستعود. ليس بالضرورة إلى الجدار نفسه، ولا إلى المعرض نفسه، بل إلى المجال العام، حيث لا تستطيع السلطة أن تتحكم تماما في مسار الصورة بعد أن تصبح ملكا لذاكرة الناس. لكن المسألة الأهم ليست صورة غزة وحدها. المسألة هي: ما الذي نريده من الثقافة في زمن الحرب؟ هل نريدها مساحة للتجميل؟ أم نريدها مساحة للرؤية؟ إذا كانت الثقافة لا تعرض إلا ما يمكن احتماله، فإنها تتحول شيئا فشيئا إلى ديكور. المتاحف والمعارض والمهرجانات لا ينبغي أن تكون غرفا معقمة ضد الواقع. وظيفتها الأكثر نبلا هي أن تسمح للمجتمع بأن يرى ما يفضل أحيانا ألا يراه. الفن لا يملك دائما أجوبة. لكنه يملك قدرة نادرة على منع السؤال من الموت. والصورة التي تجمع بين كرة القدم والخراب تفعل ذلك تحديدا. إنها لا تقول إن الحرب انتهت، ولا إن السلام قريب، ولا تقدم حلا للصراع. إنها تقول شيئا أكثر بدائية: الحياة، حتى وسط الخراب، تحاول أن تجد لنفسها مساحة. وهنا تصبح كرة القدم استعارة تتجاوز الرياضة.
الملعب يحتاج إلى حدود. لكن الحرب تمحو الحدود. اللاعب يحتاج إلى مساحة يركض فيها. والقصف يحول المساحة إلى حطام. الكرة تحتاج إلى أرض. والأرض نفسها تصبح مهددة. ومع ذلك يبدأ اللعب. في هذه المفارقة شيء يشبه جوهر الإنسان: القدرة على استعادة طقس الحياة داخل المكان الذي حاول الموت أن يستولي عليه بالكامل. ربما لهذا السبب كانت الصورة مؤلمة. لأنها لا تقدم غزة باعتبارها مجرد أرقام. لا تقول عشرات الآلاف. لا تقول عدد المباني المدمرة. لا تعرض جدولا إحصائيا. تعطي الخراب وجها، والحياة حركة، والمدينة جسدا. وهذا بالضبط ما تفعله الصورة الجيدة: تعيد الإنسان إلى الرقم، والوجه إلى الإحصاء، والذاكرة إلى الخبر. لكن من الخطأ أيضا تحويل الصورة إلى وثيقة اتهام وحيدة الجانب لا تحتمل النقاش. قوة الصورة لا تأتي من أن تفرض على المشاهد حكما مسبقا، بل من أن تمنحه مادة للتفكير. ومن حق المتلقي أن يسأل عن سياقها، وعن ظروف التقاطها، وعن الرسالة التي يحملها المعرض، وعن الطريقة التي تعرض بها. لكن السؤال شيء، والمحو شيء آخر. النقد يسمح للصورة بأن تجيب. أما السحب فيحاول أحيانا أن يمنع السؤال نفسه. وهنا يتجاوز الأمر دوفيل. فالمجتمعات الأوروبية تعيش منذ سنوات داخل مناخ سياسي شديد الحساسية تجاه الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
الكلمات نفسها أصبحت قابلة للاشتعال. بعض المواقف تتهم بالتطرف، وبعض الانتقادات تتهم بالانحياز، وبعض النقاشات تنزلق بسرعة من السياسة إلى الهوية، ومن الاختلاف في الرأي إلى التشكيك في النيات. في مثل هذا المناخ، تصبح حرية التعبير أكثر حاجة إلى الحماية، لا أقل. لأن الحرية لا تحتاج إلى حماية عندما يكون الجميع متفقين. تحتاج إليها عندما يصبح الكلام مكلفا. والثقافة، في نهاية المطاف، ليست جهازا لإنتاج الإجماع. إنها جهاز المجتمع لإنتاج الأسئلة. من هنا يمكن فهم أهمية القضاء في مثل هذه القضايا. عندما تتدخل مؤسسة قضائية مستقلة لتعيد عملا فنيا إلى مكانه، فإنها لا تصدر بالضرورة حكما في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. إنها تفعل شيئا أكثر تواضعا وأهمية: ترسم حدود السلطة. وهذا جوهر دولة القانون. أن تكون للسلطة القدرة على اتخاذ القرار، ولكن تكون لها أيضا حدود لا تستطيع تجاوزها. المدينة ليست ملكا للبلدية. والمعرض ليس ملكا للسياسة. والصورة، حين تعرض في فضاء عام مشروع، لا تصبح ملكا لمن يملك المبنى. ثم هناك سؤال آخر أكثر خفاء: لماذا تخيفنا صور الحرب؟ ربما لأن الصورة تجعل الحرب قريبة. الأخبار تسمح لنا بأن نبقى بعيدين. يمكن أن نقرأ عن القصف ثم ننتقل إلى خبر الاقتصاد والرياضة والطقس. أما الصورة فتتسلل إلى الذاكرة. قد تنتهي الصفحة، لكنها لا تنتهي داخل الرأس. وهذا هو سبب القوة الهائلة للصورة الصحفية. إنها لا تحتل المكان، بل تحتل الذاكرة.
في غزة، صور الركام كثيرة إلى درجة أن الركام نفسه كاد يصبح منظرا معتادا. لكن ظهور لاعبين وسط هذا الخراب يكسر اعتياد العين. فجأة لا يعود المشاهد يرى الدمار وحده، بل يرى الحياة وهي تحاول أن تتنفس داخله. وهذه ربما هي أكثر الصور إزعاجا للحرب: ليست صورة الموت، بل صورة الحياة التي ترفض أن تمنح الموت انتصارا كاملا. لهذا لا أعتقد أن القضية الحقيقية هي هل ينبغي أن تعجبنا الصورة أم لا. القضية أن تكون الصورة موجودة. أن يراها من يريد رؤيتها. وأن يختلف معها من يريد الاختلاف. وأن يناقشها من يريد النقاش. لأن المجتمع الذي يخاف من صورة واحدة قد يكتشف، بعد سنوات، أنه لم يعد يخاف من الصور فقط، بل من الأسئلة التي يمكن أن تفتحها. وحين تخاف السلطة من السؤال، تبدأ اللغة في ارتداء الزي الرسمي. ثم يبدأ الفن في الاعتذار عن وجوده. ثم يصبح المعرض غرفة جميلة بلا نوافذ. وهناك تفقد الثقافة وظيفتها الأساسية: أن تجعل المجتمع يرى نفسه حتى في المرآة التي لا يحبها.
إن صورة لاعبي كرة القدم في غزة لا تحتاج إلى أن تكون بيانا سياسيا كي تكون إنسانية. يكفي أنها تصور أناسا يحاولون ممارسة شيء طبيعي في مكان لم يعد طبيعيا. يكفي أنها تقول إن المدينة، رغم الخراب، لم تتحول بالكامل إلى مقبرة. ويكفي أن طفلين أو شابين يركضان خلف كرة في مكان دمرته الحرب كي يصبح المشهد أكثر بلاغة من كثير من الخطب. الصورة لا تطلب منا أن نختار بين الإنسان والإنسان. تطلب فقط ألا نعتاد على الخراب. وهذه، ربما، هي رسالتها الأكثر عمقا. إن أخطر ما يمكن أن تفعله الحروب ليس فقط قتل الناس، بل تدريب الأحياء على رؤية الموت باعتباره أمرا عاديا. والفن، في أفضل حالاته، يقاوم هذا الاعتياد. يعيد الصدمة إلى العين. ويعيد السؤال إلى العقل. ويعيد الإنسان إلى مركز المشهد. لذلك ستعود الصورة. حتى لو لم تعد إلى الجدار نفسه. ستعود لأنها تحمل في داخلها سؤالا أخلاقيا لا يموت بسهولة. قد تسحب من معرض. قد تختفي من قاعة. قد تتوارى يوما خلف قرار إداري. لكنها، في عصر لا يمكن فيه إغلاق الذاكرة بزر، ستجد طريقها دائما إلى الضوء. وربما يكون هذا هو الدرس الهادئ الذي خرجت به دوفيل من قصتها القصيرة مع صورة غزة: لا تستطيع السلطة أن تمنع الناس من رؤية ما يؤلمها، لأن العين، حين ترى، تصبح شاهدا. والشاهد لا يمكن سحبه من الجدار. إنه يسكن الذاكرة.
📲 Partager sur WhatsApp