بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
كان العراق، في عين ابن حوقل، أكبر من أن يكون دولة وأصغر من أن يكون فكرة؛ كان جسدا من ماء، أو ربما كان الماء هو جسده الحقيقي، وكانت المدن فيه مجرد أسماء تطفو على ظهر نهرين كما تطفو الذكريات على جلد شيخ نائم. من تكريت إلى عبادان، ومن القادسية والكوفة وبغداد إلى تخوم حلوان، كان العراق الذي رسمه الجغرافي العربي في «صورة الأرض» كائنا مائيا يتنفس من رئتي دجلة والفرات، ثم يفتح فمه أخيرا على بحر فارس. ولم يكن البحر عند ابن حوقل نهاية العراق، بل كان أشبه ببابه الأخير، بالباب الذي يخرج منه النهر بعدما يكون قد أمضى عمره في صناعة المدن والحدائق والأسواق والمرايا. ولهذا تبدو صورة «بلد البحر» في العراق القديم أكثر من وصف جغرافي. إنها تذكير بأن العراق لم يكن، في الوعي القديم، قطعة اليابسة التي نحاول اليوم أن نحشرها داخل حدود سياسية صلبة، وإنما كان حركة ماء، وطرقا، وأسواقا، ومرافئ، وناسا يعبرون ولا يستقرون إلا لكي يعبروا مرة أخرى. كان العراق القديم أقل شبها بالخريطة التي نعلقها على جدار، وأكثر شبها بالمخطوطة التي لا تكف يد عن محوها وإعادة كتابتها.
ابن حوقل لا يرسم العراق كما يرسمه موظف في دائرة المساحة. إنّه يراه من الداخل، بعين الرحالة الذي يعرف أن الجغرافيا ليست جبالا وأنهارا فقط، بل رائحة طين، وممر سفينة، ومدينة تلمع في المساء، وماء يمد يده إلى بستان، وبستان يرد اليد إلى بيت، وبيت يفتح بابه على سوق، والسوق يفتح بابه على العالم. ولذلك فإن «صورة العراق» عنده ليست صورة بالمعنى البصري وحده؛ إنها صورة متحركة، صورة لها صوت الماء ووقع القوافل وصرير السفن. ومن هنا تبدأ المفارقة الكبرى. فالعراق الذي كان مفتوحا على البحر والممرات واللغات صار، في الأزمنة الحديثة، واحدا من أكثر البلدان تعرضا لمحاولات تقسيم الإنسان إلى خانة: عربي، كردي، تركماني، سرياني، آشوري، مسلم، مسيحي، سني، شيعي، ثم إلى سلسلة لا تنتهي من الهويات الصغيرة التي تريد كل واحدة منها أن تقول: «هذا أنا، وهذا ليس أنت».
لكن التاريخ الأقدم كان أكثر ذكاء من هذه الخانات. كان الناس يعبرون الحدود قبل أن تخترع الحدود. وكانت اللغة تسافر أسرع من الجيوش. وكان العالم الإسلامي الوسيط، على الرغم من كل تناقضاته، مجالا ثقافيا بالغ السيولة: عالم ينتقل فيه الفقيه من أربيل إلى الموصل، ومن الموصل إلى حلب، ومن حلب إلى دمشق، ومن دمشق إلى القاهرة؛ عالم تصبح فيه بغداد مكانا يقرأ فيه القادم من أقصى الشمال كتابا كتبه رجل من أقصى الشرق، ثم يعيد صياغته شاعر في الأندلس، ثم ينقله ناسخ في خراسان، ثم يأتي بعد قرون روائي كردي في القامشلي ليخترع له حياة أخرى. هذه هي الحقيقة التي تفزع القوميات حين تقرأ التاريخ بعيون الحاضر: أن الإنسان القديم كان أكثر اختلاطا مما تسمح به خرائطنا الحديثة. وأن الهوية لم تكن دائما جدارا. كانت نهرا.
وربما لهذا السبب يبدو سليم بركات، في قلب الأدب العربي الحديث، كأنّه أحد أبناء تلك الجغرافيا القديمة التي لم تكن تعرف أن النهر ينبغي أن يكون عربيا أو كرديا، وأن اللغة ينبغي أن تحمل جواز سفر. سليم بركات هو واحد من أكثر الظواهر الأدبية إثارة للدهشة في العربية المعاصرة، لا لأنه «كاتب كردي يكتب بالعربية» فحسب، فهذه العبارة، على الرغم من صحتها التعريفية، فقيرة جدا أمام ما حدث فعلا. إنها تشبه أن نقول عن برق هائل إنه «ضوء في السماء». صحيح، ولكنه لا يقول شيئا عن الرعب والجمال والطاقة. الأدق أن نقول إن بركات جعل العربية نفسها مكانا للكردي. لم يأت إلى العربية كي يتخلى عن كرديته، بل دخلها كما يدخل الغريب غابة يعرف أن الأشجار فيها ليست أشجاره، ثم أخذ يلمسها واحدة واحدة إلى أن بدأت الأشجار تنطق بلهجته. وهنا تكمن عبقريته.
لقد رفض المعادلة الكسولة التي تقول إن اللغة الأم هي بالضرورة اللغة التي يصبح فيها الكاتب أكثر صدقا مع ذاته. في تجربة بركات، تحولت العربية من لغة يمكن أن تبدو وافدة إلى وطن لغوي كامل، يستطيع داخله أن يحمل خصوصيته الكردية من دون أن يذيبها. لقد تحدث بركات نفسه عن قدرته على تحويل العربية معه إلى هوية كردية، وهي عبارة تكشف جوهر مشروعه أكثر من عشرات الدراسات النقدية. لغة كان يمكن أن تفهم تاريخيا بوصفها لغة المركز، تصبح عند الكاتب ابن الهامش أداة لمقاومة المركز. لغة يمكن أن تكون في السياسة عنوانا للآخر، تتحول في الأدب إلى بيت للذات. واللغة التي كان يمكن أن تقول للكردي: «أنت خارج البيت»، يقول لها بركات: «سأدخل بيتك وأعيد ترتيب أثاثه». وهنا لا يعود سليم بركات مجرد شاعر أو روائي؛ يصبح حادثة لغوية. حادثة تشبه أن يعثر شخص على مفتاح مدينة لم تكن المدينة تعرف أنه يملكه.
لذلك لم يكن غريبا أن يلفت بركات انتباه كبار الشعراء العرب، وفي مقدمتهم محمود درويش وأدونيس، وأن يجد في تجربتهما اعترافا مبكرا بخصوصية صوته وموقعه داخل العربية الحديثة. لكن عبارة «مفتاح اللغة العربية في جيبه» تستحق أن نتوقف عندها أكثر مما توقفنا. ماذا يعني أن يحمل شخص مفتاح لغة؟ يعني، في المعنى الأول، أنه لم يدخلها من بابها الرسمي. فالكاتب التقليدي يتعلم اللغة لكي يسكن فيها. أما بركات فيبدو كأنه اقتحم اللغة ثم أخذ يبحث داخلها عن أبواب لم يرها أصحابها. إنّه لا يستعمل العربية كما يستعملها الكاتب الذي يريد أن يكون فصيحا؛ بل يستعملها كما لو كان يريد أن يوقظ الفصحى من نومها. ولهذا تبدو لغته أحيانا كأنها خرجت من بئر عميقة في المعجم، لا من صحيفة حديثة. إنها عربية لها رائحة الورق القديم، لكنها تتحرك في جسد حديث. عربية تستدعي الجاهلي، والمتصوف، والراوي، والكاهن، والبدوي، والنحوي، لكنها لا تسمح لأي واحد منهم بأن يملكها.
وهنا يجب أن نفهم شيئا أساسيا عن مشروع بركات: هو لا يكتب «بلغة قديمة». هذه قراءة سطحية. هو يفعل شيئا أكثر خطورة: يستخدم ذاكرة العربية القديمة لكي ينتج بها حداثة لا تشبه الحداثة المستوردة. إنه لا يعيدنا إلى التراث؛ إنه يجعل التراث يعبر من خلاله إلى المستقبل. وهذا فرق هائل. الكاتب الذي يقلد التراث يلبس عباءته. أما بركات فيدخل إلى جهازه العصبي. ولهذا تتخذ جمله أحيانا شكل كائنات برية: تقفز، تتلوى، تختفي ثم تظهر، تنقض على المعنى بدل أن تسوقه إليه في عربة مكيفة. تبدو مفرداته وكأنها استخرجت من طبقات بعيدة من العربية، ثم أعيد شحنها بطاقة سردية وشعرية معاصرة. لكن من أين تأتي هذه الوحشية الجميلة في اللغة؟ من المعجم، نعم. ولكن المعجم وحده لا يصنع كاتبا. المعجم مقبرة إذا لم يجد من يوقظ موتاه. وبركات يعرف كيف ينادي الكلمات بأسمائها السرية. إنه لا يبحث عن الكلمة لكي تقول معنى جاهزا؛ يبحث عنها لكي تغير المعنى. الكلمة عنده ليست حصاة في جملة. إنها حيوان. ولذلك تبدو أحيانا مفرداته وكأن لها عضلات ومخالب وأجنحة. تستطيع الكلمة عنده أن تكون حجرا، ثم تصير طائرا، ثم تنقلب إلى سكين، ثم تتحول إلى ظل رجل مات منذ ثلاثة قرون.
وهذا ما يجعل قراءة بركات تجربة جسدية لا ذهنية فقط. نحن لا «نفهم» النص دائما. أحيانا يصيبنا النص. وهذا ربما هو أحد أسرار قوته. هناك فرق بين الأدب الذي يشرح لنا العالم والأدب الذي يجعل العالم أقل اطمئنانا. سليم بركات من النوع الثاني. إنه لا يريد أن يقول لك: «هكذا كان المكان». بل يقول: «هل أنت متأكد أنك تعرف ما المكان؟» لا يقول: «هكذا حدث التاريخ». بل يهمس: «من قال إن التاريخ حدث مرة واحدة؟» ولا يقول: «هذه هي الهوية». بل يضع الهوية أمام المرآة حتى تراها وهي تتشقق. من هنا يمكن فهم علاقته العميقة بالأسطورة. فالأسطورة عند بركات ليست زينة سردية، وليست مجرد استعارة ضخمة. إنها طريقة لمعالجة الزمن. التاريخ خط مستقيم. أما الأسطورة فهي دائرة. وفي الدائرة يستطيع الميت أن يعود، والطفل أن يكون شيخا، والمكان أن يتذكر، والنهر أن يصبح شاهدا، والحيوان أن يحمل ذاكرة قبيلة، واللغة أن تتكلم قبل الإنسان.
وهذا يقرب عالم بركات، في بعض مستوياته، من الحس الصوفي، ولكن ينبغي الحذر من إطلاق كلمة «صوفي» عليه وكأننا نملك مفتاحا نهائيا لتفسيره. الأدق أن نقول إن في كتابته نزوعا عرفانيا إلى تجاوز سطح الأشياء. الصوفي لا يرى الحجر حجرا فقط. وبركات لا يرى الكلمة كلمة فقط. الصوفي يبحث عن الباطن خلف الظاهر. وبركات يبحث عن حياة خفية تحت المعنى. الصوفي يعرف أن الاسم قد يكون ستارا. وبركات يعرف أن المعجم قد يكون كهفا. وهنا تتقاطع لغته، من بعيد، مع تراث عربي واسع يبدأ من الشعر القديم ولا ينتهي عند المتصوفة، مرورا بالجاحظ وأبي حيان التوحيدي وأبي العلاء والمتنبي والجرجاني وابن عربي وغيرهم؛ ليس بمعنى أن بركات يقلدهم، بل بمعنى أنه ورث عن الثقافة العربية فكرة بالغة الخطورة: أن اللغة ليست وعاء للفكر، بل أحد أشكال وجوده. هذه الفكرة هي التي تجعل تجربة بركات أكثر من مجرد براعة أسلوبية. فاللغة عنده لا تحمل العالم. إنها تصنعه. وإذا كان العالم مصنوعا باللغة، فإن من يغير اللغة يستطيع أن يغير ترتيب العالم داخل الوعي. وهذا ما فعله بركات بصورة جذرية.
لقد أخذ الجغرافيا الكردية، بكل ما فيها من جبال ومذابح وقرى وذاكرة شفوية وأساطير وطفولة، وأدخلها إلى العربية لا لكي تذوب فيها، بل لكي تجعل العربية نفسها تتغير. وهذا هو الجانب السياسي العميق في تجربته، حتى حين لا يكتب سياسة. إن أعظم مقاومة ثقافية قد لا تكون في أن تقول «أنا كردي»، بل في أن تجعل القارئ العربي يرى العالم من نافذة كردية دون أن يشعر أنه غادر اللغة العربية. هنا تصبح الكتابة فعلا سياسيا من دون شعار. تصبح الهوية تجربة جمالية. ويصبح الاختلاف طريقة في تركيب الجملة. وهذا أكثر عمقا من الخطاب السياسي المباشر، لأن الخطاب السياسي ينتهي حين تتغير السلطة، بينما اللغة التي غيرت طريقة النظر إلى العالم تستطيع أن تبقى قرنا كاملا. ولعل هذا ما يفسر أيضا لماذا لا يمكن فصل بركات عن سؤال المكان. القامشلي ليست عنده مجرد مدينة في شمال سوريا. إنها مختبر للذاكرة. مدينة تقف عند حافة خرائط كثيرة، ولذلك تصبح مثالية لكاتب لا يؤمن بالحدود النهائية.
هناك العربي والكردي والسرياني والأرمني والشركسي واليزيدي وغيرهم؛ وهناك تاريخ طويل من العيش المتجاور والتوتر والاختلاط والانكسارات. وفي أدبه تتجاور هذه الثقافات لا بوصفها ملفا أنثروبولوجيا، وإنما بوصفها مواد خام لخيال أدبي كوني. ولذلك ربما كان بركات، في جوهره، كاتب الحدود. لكن ليس الحدود التي تفصل. بل الحدود التي تكشف هشاشة الفصل. هو يكتب من المنطقة التي لا يعرف فيها الجبل أين ينتهي ويبدأ السهل، ولا تعرف فيها الذاكرة أين ينتهي التاريخ ويبدأ الخيال، ولا تعرف فيها اللغة أين تنتهي هوية وتبدأ أخرى. وهنا نعود إلى العراق. إلى ابن حوقل. إلى الماء. إلى ذلك العراق الذي لم يكن مغلقا كما نتصوره الآن. حين يرسم ابن حوقل العراق، نرى دجلة والفرات يتداخلان، ويتشعبان، ويتصلان بالبطائح، ويذهبان إلى البحر. لا توجد في النهر نقطة تقول: «هنا تنتهي هوية الماء». الماء لا يعرف الجوازات. النهر لا يسأل السفينة عن قوميتها قبل أن يحملها. وهذه ربما هي الصورة الأجمل لفهم علاقة العرب والأكراد في الثقافة: ليسوا جدارين متقابلين، بل تاريخين تشابكا طويلا، حتى صار الفصل بينهما في كثير من الأحيان أكثر اصطناعا من الاتصال. ابن خلكان مثال مذهل على ذلك.
أحمد بن محمد بن إبراهيم بن خلكان، صاحب «وفيات الأعيان»، ولد في أربيل سنة 608 للهجرة وتوفي في دمشق سنة681 للهجرة، وقطع في حياته مسافات علمية وثقافية بين أربيل والموصل وحلب ودمشق والقاهرة. وتوجد مصادر تنسبه إلى الأكراد الهكارية، مع وجود روايات أخرى حول نسبه، ولذلك فالأدق تاريخيا أن نقول إن نسبته الكردية حاضرة في مصادر معتبرة، لا أن نحولها إلى شعار قومي متأخر. والأهم من نسب ابن خلكان نفسه هو ما فعله. لقد كتب بالعربية واحدا من أعظم كتب التراجم في التراث الإسلامي. وما معنى هذا؟ معناه أن الرجل الذي خرج من أربيل لم يحتج إلى اختراع لغة خاصة به لكي يكون كرديا. كان يستطيع أن يجعل العربية بيتا لتاريخ المسلمين جميعا. وفي كتابه نجد العلماء والشعراء والفقهاء والملوك والوزراء والشخصيات من أقاليم وثقافات متعددة. لم يكن «وفيات الأعيان» سجلا لعرق واحد، بل خزانة للذاكرة الحضارية الإسلامية. وهذا تحديدا ما يجعل المقارنة مع بركات ذكية. ابن خلكان استخدم العربية ليحفظ ذاكرة عالم متنوع. وبركات يستخدم العربية لكي يعيد خلق ذاكرة كردية. الأول جعل العربية أرشيفا. والثاني جعلها مغامرة. الأول جمع الموتى. والثاني يجعل الموتى يتكلمون. كلاهما، بطريقة مختلفة، يبرهن على أن اللغة لا تنتمي بالضرورة إلى من يتحدث بها سياسيا. إنها تنتمي إلى من يستطيع أن يخلق فيها.
أما ابن الأثير، فالأمر يحتاج إلى حذر أكبر من التعميم الذي يجعل كل شخصية من الجزيرة أو الموصل كردية بالمعنى القومي الحديث. فالأسر والأصول والنسب في تلك العصور كانت أعقد بكثير من خرائط القوميات الحديثة، ولا يجوز تحويل الجغرافيا إلى شهادة عرقية تلقائية. هذه نقطة ضرورية لأن المقال الذي يريد أن يكون عالميا يجب أن يكون أقوى من الحماسة التي يريد الدفاع عنها. وهنا تكمن المشكلة الكبرى في السؤال الذي بدأنا منه: لماذا هذا الانقسام إذن؟ لأننا نحاول قراءة القرون الوسطى بأعين القرن العشرين والواحد والعشرين. نحن نريد من ابن خلكان أن يجيب عن سؤال «هل أنت كردي أم عربي؟» كما لو كان يحمل بطاقة هوية حديثة في جيبه. لكن الرجل كان يعيش في عالم مختلف. كان ينتسب إلى مدينة، ومذهب، وأسرة، ومهنة، وشيخ، ومدرسة، وشبكة علمية، وسلطة سياسية، ولسان ثقافي. كانت الهوية طبقات. لم تكن خانة. والعراق نفسه لم يكن «عراقا» بالمفهوم الدولتي الحديث. كان إقليما. وكانت بغداد مركزا حضاريا. وكانت الموصل عالما. وكانت أربيل عالما. وكانت الجزيرة عالما. وكانت اللغة العربية أكبر من أن تكون جنسية.
ثم جاء العصر الحديث، وجاءت الدولة القومية، وجاءت الحدود، وجاءت الخرائط التي تحتاج إلى ألوان حادة: هنا لون دولة، وهناك لون دولة أخرى. وفجأة صار ما كان متشابكا يحتاج إلى فصل. وصار الإنسان مضطرا إلى أن يشرح نفسه. «أنا هذا». «وأنت ذاك». «وهذه لغتي». «وهذه لغتك». وفي هذه اللحظة تحديدا يظهر سليم بركات بوصفه استفزازا جماليا لهذه الخريطة. لأنه يقول، عمليا: يمكن أن تكون كرديا داخل العربية. ويمكن أن تجعل العربية تتكلم بذاكرة كردية. ويمكن أن يكون وطنك في اللغة لا في الأرض. وهذه ليست استعارة رومانسية. إنها تجربة وجودية عاشها بركات بالفعل. فهو يرى في اللغة وطنا، وفي الكتابة فضاء للحرية، وفي العربية إمكانا لأن يحمل ذاته الكردية من دون أن يتخلى عن انتمائه إلى اللغة التي اختارها. وهنا تصبح فكرة «الوطن اللغوي» أكثر إثارة من كل البيانات القومية. لأن الدولة تقول للإنسان: أنت مواطن هنا. واللغة تقول له: أنت موجود حيث تستطيع أن تقول «أنا». الدولة تمنحك عنوانا. اللغة تمنحك صوتا. الدولة تحدد حدودك. اللغة تسمح لك بأن تعبرها.
ولهذا فإن سليم بركات ليس كاتبا «كرديا في العربية» وحسب. إنه أحد الكتاب الذين جعلوا العربية تتساءل عن ملكيتها لنفسها. من يملك العربية؟ العرب؟ التاريخ؟ النحو؟ المعاجم؟ أم كل من يستطيع أن يخلق فيها حياة جديدة؟ إذا كانت اللغة ملكا لمن يولد بها، فليس ثمة أدب عالمي. أما إذا كانت اللغة ملكا لمن يغامر بها، فإن سليم بركات يصبح أحد أكثر كتاب العربية انتماء إليها لأنه لم يولد في مركزها. لقد جاء من خارج البيت، فوجد أن البيت أوسع مما قال له الحراس. ثم لم يكتف بالدخول. أعاد بناء بعض غرفه. وهذا ربما هو السبب في أن قراءته مرهقة ومغرية في آن واحد. إنها تشبه السير في غابة يعرف الكاتب أسماء أشجارها القديمة، بينما نحن لا نعرف إلا أسماء الأشجار الحديثة. يقول لنا: هذه سروة. وهذه أرجوانة. وهذا طلل. وهذا عوسج. وهذه كلمة لم تسمعها منذ مائتي سنة. ثم يضعها في جملة حديثة، فتستيقظ. فتشعر أن اللغة كانت نائمة في مقبرة، وأن بركات جاء ليطرق على شواهدها. وهذه هي «ريشته» الحقيقية. ليست كثرة المفردات. الكثيرون يستطيعون ملء الصفحة بكلمات غريبة. وليست الصعوبة. الصعوبة وحدها ليست فضيلة. وليست الغرابة. الغرابة يمكن أن تكون قناعا فارغا. موهبته الحقيقية أنه يجعل الغرابة ضرورة داخلية. الجملة عنده لا تتعثر لأنها تريد أن تكون صعبة. تتعثر لأن العالم نفسه الذي تريد أن تصفه غير مستقر. الطفولة ليست عنده طفولة بسيطة. والذاكرة ليست صندوقا. والجغرافيا ليست خريطة. والإنسان ليس اسما. ولذلك لا يمكن أن تكون الجملة مستقيمة. إنها تحتاج إلى أن تلتوي كي تصل إلى الحقيقة.
ومن هنا نفهم لماذا تبدو لغته أحيانا أقرب إلى الشعر منها إلى السرد، حتى حين يكتب الرواية. إنه لا يريد للرواية أن تكون ماكينة حكايات. يريدها أن تكون جهازا لتوليد الرؤى. والرواية عنده لا تتقدم دائما بواسطة «ماذا حدث؟»، بل بواسطة «ماذا يمكن للغة أن تجعلنا نرى؟». وهنا يقترب من كبار كتاب العالم الذين جعلوا اللغة موضوعا بحد ذاتها، من جيمس جويس إلى مارسيل بروست، ومن كلود سيمون إلى غابرييل غارسيا ماركيز، ومن تجارب سردية كبرى جعلت الزمن والذاكرة واللغة تتداخل حتى يصبح الفصل بينها مستحيلا. لكن بركات لا يحتاج إلى أن يقاس بأحد. فهو أكثر إثارة حين يترك وحده. إنه لا يحتاج إلى جواز سفر غربي كي يصبح عالميا. عالميته موجودة في الطريقة التي يحول بها المحلي إلى كوني. قرية كردية يمكن أن تصبح أسطورة عن الإنسان. جبل صغير يمكن أن يتحول إلى ذاكرة للبشرية. حيوان من طفولة بعيدة يمكن أن يحمل سؤال الموت. وكلمة عربية مهجورة يمكن أن تفتح نافذة على مستقبل لم يأت بعد. هذا هو الأدب حين يتوقف عن كونه «موضوعا». إنه يصبح طريقة في الوجود.
ولهذا فإن سؤال «هل ما زال العراق بلد البحر؟» يمكن أن يتحول إلى سؤال آخر: هل ما زالت اللغة بلدا؟ ربما. بل ربما لم يعد لنا بلد حقيقي إلا هذا الذي لا يستطيع الجندي أن يحرس حدوده. فاللغة يمكن أن تكون عراقا. والعراق يمكن أن يكون لغة. والكردي يمكن أن يسكن العربية. والعربي يمكن أن يسكن في شعر كردي. وابن خلكان يمكن أن يخرج من أربيل ليصبح ذاكرة لثقافة بأكملها. وابن حوقل يمكن أن يرسم العراق كشبكة ماء تتجه نحو البحر. وسليم بركات يمكن أن يأتي بعد قرون ليحول اللغة نفسها إلى بحر. وهكذا، إذا أردنا أن نكتب التاريخ بعين أقل تعصبا وأكثر ذكاء، نبدأ بسؤال أصعب: «ماذا فعل هذا الرجل باللغة التي اختارها؟» .ابن خلكان وسع معنى اللغة العربية وجعلها خزانة للذاكرة. وسليم بركات جعل العربية أرضا مجهولة، يدخلها الكردي لا كضيف، بل كمن يكتشف فجأة أن له في هذه اللغة غرفة سرية لم يعرفها أحد. ولعل هذا هو المعنى الأجمل لعبارة مفتاح العربية في جيب بركات. المفتاح ليس ملكية. المفتاح قدرة على فتح باب. وبركات، منذ أن دخل العربية، لم يغلق الباب وراءه. تركه مفتوحا. دخلت منه كردستان. ودخلت منه الذاكرة. ودخلت منه الأسطورة. ودخل منه الجبل. ودخلت منه الريح. وربما دخل منه، أيضا، ذلك العراق القديم الذي كان ابن حوقل يراه من بعيد: عراقا لا ينتهي عند اليابسة، بل ينساب إلى البحر.
ولأن الماء لا يعرف كيف يكون قوميا، فقد ظل دجلة والفرات يعلّماننا، بصمت لا يسمعه السياسيون، أن الهوية الأكثر رسوخا هي تلك التي تستطيع أن تعبر. أما سليم بركات، فقد فعل الشيء نفسه باللغة. لم يجعل العربية سورا حول كرديته. جعلها نهرا. ولهذا ربما كان أعظم ما فعله أنه لم يقل للعربية: «أنا كردي، فاسمحي لي أن أكتب فيك». بل قال لها، دون أن يقول: «سأكتب فيك حتى تصيري، وأنت العربية، قادرة على أن تقولي كردستان من غير أن تتخلى عن عروبتك، وقادرة على أن تقولي الإنسان من غير أن تتخلى عن خصوصيتي». عند هذه النقطة لا يعود السؤال: هل العراق بلد البحر؟ بل يصبح السؤال: هل كانت اللغة العربية، منذ البداية، بحرا؟ وإذا كانت كذلك، فإن سليم بركات ليس غريبا فيها. إنّه أحد الذين اكتشفوا أن البحر لا يسأل السابح عن قوميته. إنه يسأله فقط: هل تستطيع أن تسبح؟ وبركات سبح بعيدا. حتى وصل إلى مكان لم يعد فيه ممكنا أن نرى أين تنتهي العربية وتبدأ كردستان. هناك، في ذلك المكان الذي لا تظهره الخرائط، وضع يده في جيبه. وأخرج المفتاح. ثم فتح اللغة.

الوطن في وضع فسيفسائي طاءفيا وعرقيا، وضع شاءك ومستشكل.