نداء عاجل من الجالية المغربية في ليبيا

بقلم الإعلامي حيمري البشير-كوبنهاكن

وصلني من ليبيا الشقيقة نداء يحمل كثيرا من الألم، لكنه في الوقت نفسه يحمل أملا كبيرا في أن تجد معاناة شريحة من المغاربة المقيمين بهذا البلد من يصغي إليها، ويتعامل معها بما تستحقه من اهتمام ومسؤولية. فليبيا، التي تستضيف منذ سنوات عددا مهما من أفراد الجالية المغربية، لم تكن بالنسبة إلى هؤلاء مجرد بلد للإقامة والعمل، بل كانت فضاء للعيش وبناء المستقبل، وبلدا شقيقا تقاسموا مع شعبه الكثير من تفاصيل الحياة اليومية، في السراء والضراء. غير أن الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة التي يعيشها عدد من المغاربة المقيمين في ليبيا، خاصة في ما يتعلق بسوق الشغل واستقرار فرص العمل وضمان الحقوق الاجتماعية، أصبحت تلقي بظلالها الثقيلة على الأسر المغربية، وتزيد من حجم التحديات التي تواجهها في تدبير شؤونها اليومية.

لكن المشكلة الأكثر إلحاحا اليوم تتعلق بالتعليم. فأولياء الأمور المغاربة، مثلهم مثل جميع الآباء والأمهات، ينظرون إلى تعليم أبنائهم باعتباره الاستثمار الحقيقي في المستقبل، والأمل الذي يمكن أن يحمل عنهم أعباء الحياة، ويفتح أمام أبنائهم وبناتهم أبوابا أوسع نحو الاستقرار والاندماج والاعتماد على النفس. غير أن الرسوم الدراسية المفروضة على أبناء الطلبة غير الحاملين للجنسية الليبية، بحسب ما ينقله أفراد من الجالية المغربية، أصبحت عبئا يفوق قدرة غالبية الأسر المغربية على التحمل. والمشكلة لا تتعلق بحالة فردية أو بأسرة واحدة، بل تبدو، وفق النداءات التي تصل من أفراد الجالية، ذات طابع جماعي يمس شريحة واسعة من المغاربة المقيمين في ليبيا، ممن يجدون أنفسهم أمام معادلة شديدة الصعوبة: كيف يمكن لأب أو أم يعاني أصلا من محدودية الدخل وصعوبة الحصول على عمل مستقر، أن يتحمل في الوقت نفسه تكاليف دراسة أبنائه في مختلف الأسلاك التعليمية، من التعليم الابتدائي إلى الثانوي، وصولا إلى التعليم الجامعي؟

إنها معادلة لا تحتاج إلى كثير من الشرح، بقدر ما تحتاج إلى تدخل مسؤول وحكيم. ومن هنا، تتوجه أصوات من الجالية المغربية في ليبيا بنداء عاجل إلى السيد ناصر بوريطة، وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، من أجل فتح حوار أخوي وبناء مع نظيره الليبي، والبحث عن مخرج عملي لهذه الإشكالية التي أصبحت ترهق كاهل العديد من الأسر المغربية. إن النداء ليس موجها ضد ليبيا، ولا يراد منه التشكيك في حق الدولة الليبية في تنظيم مؤسساتها التعليمية وتحديد رسومها وشروط الولوج إليها. كما أنه لا يتعارض مع احترام القوانين والأنظمة المعمول بها في البلد الشقيق. بل إن المطلوب هو إيجاد صيغة تراعي في الوقت نفسه السيادة والقوانين الليبية، والظروف الاجتماعية والاقتصادية للجالية المغربية، وتضمن للأطفال والشباب المغاربة حقهم في مواصلة تعليمهم، دون أن تتحول الرسوم الدراسية إلى حاجز يحول بينهم وبين مقاعد الدراسة. فالطفل لا ذنب له في الظروف الاقتصادية التي تعيشها أسرته، ولا ينبغي أن يكون مستقبله الدراسي رهينة لقدرة والديه على دفع رسوم تفوق إمكانياتهما. وهنا تحديدا تكمن خطورة الوضع. لأن حرمان طفل من الدراسة، أو دفع شاب إلى الانقطاع عن التعليم بسبب العجز عن أداء الرسوم، لا يعني فقط خسارة سنة دراسية أو مرحلة تعليمية، بل قد يعني ضياع فرصة من فرص المستقبل، وفتح الباب أمام جيل كامل لمواجهة المجهول.

إن التعليم ليس امتيازا، بل هو جسر نحو المستقبل، وحق أساسي في بناء الإنسان والمجتمع. ومن هذا المنطلق، فإن التدخل الدبلوماسي المغربي لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره مجرد معالجة لملف مالي أو إداري، بل باعتباره دفاعا عن مستقبل أبناء وبنات مغاربة يعيشون في بلد شقيق، ويرتبطون به اجتماعيا وإنسانيا، ويرغبون في مواصلة حياتهم ودراستهم في احترام كامل للقوانين الليبية. وقد يكون من المفيد، في هذا السياق، التفكير في حلول عملية ومرنة، من قبيل مراجعة الرسوم بالنسبة إلى أبناء الجالية ذات الدخل المحدود، أو اعتماد تخفيضات واستثناءات اجتماعية، أو وضع آلية خاصة تسمح للأسر المتعثرة بأداء الرسوم وفق شروط ميسرة، بما يحفظ حق الدولة الليبية في تنظيم قطاعها التعليمي، ويضمن في المقابل عدم انقطاع أبناء الجالية عن الدراسة.

إنها قضية يمكن حلها بالحوار، وبروح الأخوة التي تجمع المغرب وليبيا، وبإرادة مشتركة تضع مصلحة الأطفال والشباب فوق كل الاعتبارات. ومن هنا، فإن النداء الذي يصل اليوم من أفراد الجالية المغربية في ليبيا يستحق أن يجد آذانا صاغية. إنه نداء آباء وأمهات يخشون على مستقبل أبنائهم، ونداء أطفال وشباب يريدون فقط أن يواصلوا تعليمهم، ونداء جالية تأمل أن تجد في مؤسسات بلدها الأصلي سندا ودعما حين تشتد عليها الظروف. ولعل وزارة الخارجية المغربية، بما تملكه من قنوات دبلوماسية وعلاقات أخوية مع ليبيا، قادرة على فتح هذا الملف مع المسؤولين الليبيين، والبحث عن حل يرضي جميع الأطراف. فالعلاقات بين الشعوب لا تقاس فقط بالاتفاقيات والمعاهدات والمواقف السياسية، بل تقاس أيضا بقدرتها على حماية الإنسان، وصون كرامته، والدفاع عن حق أطفاله في التعلم وصناعة مستقبلهم.

وفي ليبيا، هناك اليوم أطفال مغاربة ينتظرون أن تفتح أمامهم أبواب المدارس، وشباب وشابات يحلمون بمواصلة تعليمهم، وأسر تنتظر انفراجا يخفف عنها عبئا أصبح يفوق قدرتها. إنقاذ هؤلاء من الانقطاع عن الدراسة ليس مجرد مطلب اجتماعي، بل هو استثمار في جيل كامل. ومن هنا، نوجه هذا النداء بكل احترام إلى السيد وزير الخارجية المغربي: افتحوا هذا الملف، وافتحوا حوارا أخويا مع المسؤولين الليبيين، وابحثوا عن حل عاجل ومنصف يضمن لأبناء المغاربة في ليبيا حقهم في التعليم. فقد يكون حوار واحد كفيلا بفتح باب الأمل أمام آلاف الأسر، وقد تكون مبادرة واحدة سببا في عودة الابتسامة إلى وجوه أطفال وشباب لا يطلبون سوى فرصة للجلوس على مقاعد الدراسة. التعليم أولا، لأن ضياع جيل لا يعوض، وإنقاذ مستقبل أبنائنا مسؤولية لا تحتمل الانتظار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *