الرجل الذي أعلن الحرب على السوبرماركت لأن مثانته لم تكن تؤمن بالديمقراطية

بقلم زكية لعروسي رئيسة التحرير-باريس

في الرابعة وثماني وعشرين دقيقة من صباح الأحد، كان العالم نائما، والمدينة غارقة في ذلك الصمت الذي يشبه هدنة بين الإنسان ومشكلاته. لكن في روزنبرغ، غرب هيوستن، كانت هناك مثانة تستعد لإعلان حالة الطوارئ. رجل في الستين كان يريد دخول سوبرماركت مغلق. ليس لسرقة المال. ليس لإنقاذ رهائن. ليس حتى لشراء علبة حليب نسيها أطفاله في آخر الليل. كان يريد الحمّام. وهنا، في هذه النقطة تحديدا، قرر العقل البشري أن يأخذ استراحة قصيرة. وجد الرجل الأبواب مقفلة. وكان يمكن، بالطبع، أن يبحث عن محطة وقود، أو مطعم، أو متجر آخر، أو أي مكان مفتوح في ذلك الليل الأمريكي الطويل. كان يمكنه أن ينتظر. كان يمكنه أن يسأل. كان يمكنه أن يفعل أي شيء تقريبا يفعله كائن اكتشف، خلال ستة آلاف سنة من الحضارة، أن الأبواب المغلقة لا تفتح عادة بالسيارات. لكنّه اختار الحل الذي لا يخطر إلا لعقل وصل إلى حافة الهاوية: سأقود السيارة إلى الداخل.

وهكذا، بدل أن تصبح قصة الرجل قصة حمّام، أصبحت قصة حطام. ضغط على دواسة الوقود، وانطلق نحو المدخل. في تلك اللحظة، لا بد أن شيئا ما داخل السيارة كان يتساءل: هل نحن ذاهبون إلى السوبرماركت فعلا؟ وربما كانت السيارة نفسها تتمنى لو امتلكت عقلا قانونيا. ارتطم الرجل بالمدخل، وتحوّل الباب إلى كومة من المعدن والزجاج، وتحولت الحاجة الصغيرة إلى أضرار كبيرة، وتحول الحمّام الذي كان يبحث عنه إلى تهمة جنائية. يا لها من رحلة عظيمة من المثانة إلى النيابة. لو كان دوستويفسكي موجودا، لربما احتاج إلى فصل كامل كي يشرحها. ولو كان كافكا حاضرا، لربما اكتفى بالضحك.

فكافكا يعرف أن الإنسان قد يدخل المتاهة بسبب شيء تافه، ثم يقضي حياته في تفسير لماذا دخلها.

أما هنا، فلم يحتج الرجل حتى إلى متاهة. كان يكفيه باب. باب واحد فقط. الباب المغلق، في حياة الإنسان، ليس مجرد قطعة خشب أو زجاج. إنه استفزاز فلسفي صغير. يقول لك: «ليس الآن». والإنسان لا يحب «ليس الآن». يريد كل شيء فورا: الطعام، المال، الحب، الإجابة، الحمّام. وحين لا يحصل عليه، يبدأ أحيانا في التفاوض مع الواقع بالقوة. المشكلة أن الواقع لا يتفاوض. الزجاج لا يشعر بالخوف. والباب لا يشعر بالإهانة. والسوبرماركت، على الأرجح، لم يكن يعرف أصلا أن هناك رجلا غاضبا من الخارج يخوض ضده حربا لأسباب بولية. لكن الإنسان يستطيع أن يحوّل أي شيء إلى عدو إذا كان في مزاج سيئ بما يكفي. باب مغلق يصبح مؤامرة. إشارة حمراء تصبح إهانة. طابور طويل يصبح إعلان حرب. وشخص يسير ببطء أمامك يصبح سببا كافيًا لكي تشك في مستقبل البشرية.

نحن كائنات عجيبة. نحتاج إلى أسباب ضخمة كي نفعل أشياء صغيرة، لكننا أحيانا نحتاج إلى أسباب صغيرة جدا كي نفعل أشياء كارثية. الرجل لم يكن يبحث عن الخراب. كان يبحث عن المرحاض. وهذه هي الكوميديا السوداء في أنقى صورها: أن يخرج الإنسان من بيته من أجل غاية محدودة جدا، ثم يعود من تلك الرحلة ومعه محام محتمل. لقد أراد أن يفرغ مثانته، فإذا به يملأ ملف الشرطة. أراد مكانا هادئا لقضاء حاجته، فصنع ضجيجا كافيا لإيقاظ المدينة. أراد فتح باب، ففتح على نفسه بابا آخر: باب القضية الجنائية. والأكثر سخرية أن الشرطة، بدل أن تتعامل مع الحادثة كما لو كانت نهاية العالم، تعاملت معها بشيء من الفكاهة، مذكّرة بأن الإنسان إذا اشتدت حاجته، فربما عليه أن يبحث عن متجر مفتوح بدل أن يقود سيارته عبر متجر مغلق. نصيحة تبدو بسيطة. لكن الحضارة كلها ربما ليست أكثر من محاولة مستمرة لتعليم الإنسان هذه الجملة: حين يكون الباب مغلقا، لا تصطدم به برأسك. ابحث عن باب آخر.

مع ذلك، يبدو أن الإنسان يحتاج إلى قرون من الفلسفة كي يتعلم ما تعرفه القطط بالفطرة. القطة إذا وجدت بابا مغلقا، تبحث عن نافذة. أما الإنسان، فيكتب أولا بيانا غاضبا عن حقوقه، ثم يشتري سيارة، ثم يحطم الباب. وهنا يصبح الرجل، من دون أن يقصد، فيلسوفا من نوع خاص. لقد قدّم لنا تجربة عملية في سؤال قديم جدا: ماذا يحدث عندما تتغلب الرغبة على العقل؟ الجواب كان في روزنبرغ. يحدث زجاج مكسور. ويحدث محضر شرطة. ويحدث أن تصبح دورة المياه أغلى دورة مياه في حياتك. لكن الحكاية لا تنتهي عند الضحك. لأن أكثر ما يزعج في هذه القصة أنها مألوفة، رغم غرابتها. كم مرة فعلنا نحن الشيء نفسه، لكن من دون سيارة؟ كم بابا مغلقا حاولنا اقتحامه بالكلمات؟ كم علاقة انتهت لأنّنا رفضنا الاعتراف بأنّها انتهت؟ كم قرارا خاطئا واصلنا الدفاع عنه فقط لأن الاعتراف بالخطأ كان يؤلمنا أكثر من مضاعفة الخسارة؟ كم مرة كان الحل الحقيقي هو أن ندير ظهورنا ونمشي، لكن كبرياءنا أقنعنا بأن المشي بعيدا هزيمة؟

الرجل حطم بابا لأن حاجته قالت له إن عليه أن يدخل. والإنسان، منذ أن بدأ يروي لنفسه قصة العظمة، يفعل شيئًا مشابها: يخلط بين «أريد» و«يجب»، ثم يلوم العالم حين لا يستجيب. ربما لم يكن الرجل شريرا. وربما لم يكن أحمقا. كان فقط إنسانا في لحظة سيئة، تحت ضغط حاجة جسدية، اتخذ قرارا سيئا بصورة مذهلة. وهذا، في حد ذاته، أكثر ما يجعل القصة مخيفة. لأن الجنون الكامل يمكن تمييزه بسهولة. أما القرار السيئ الذي يبدو، لصاحبه في لحظته، منطقيا تماما، فهو أخطر. في تلك اللحظة، لا يرى الإنسان السيارة وهي تحطم الواجهة. يرى فقط الحمّام خلفها. وهكذا يعمل الخطأ الكبير: لا يأتي دائما مرتديا قناع الشر. أحيانا يأتي في هيئة حل سريع. بسيط. مباشر. وغبي إلى درجة أنك لا تدرك غباءه إلا بعد أن يتوقف المحرك. عندما وصلت الشرطة، لم تكن أمامها جريمة القرن. كان أمامها رجل في الستين، متجر محطم، وسيارة، وحاجة عاجلة انتهت على الأرجح منذ زمن. كل شيء بقي إلا المنطق.

وهذا ربما هو المشهد الأكثر عبثا: رجل أراد أن يدخل الحمّام، فانتهى به الأمر خارج السوبرماركت، أمام الشرطة، محاطا بما تبقى من باب قرر أن يعاقبه على استعجاله. يمكن للمرء أن يضحك. بل ينبغي له أن يضحك. لكن بعد الضحك بقليل، ربما عليه أن يسأل نفسه السؤال الذي لا تحبه المرايا: كم بابا حطمته في حياتي لأنني لم أحتمل أن يكون مغلقا؟ عندها فقط تتحول الحكاية من نكتة عن رجل غاضب ومثانة متمرّدة إلى شيء أكثر سوادا. فالحضارة، في أحد تعريفاتها القاسية، هي قدرتنا على ألا نحطم كل باب مغلق. والعقل ليس أن تعرف كيف تقتحم الباب. العقل أن تعرف متى تقول: «حسنا… هذا الباب مغلق.» ثم تبحث عن آخر. قبل أن تتحول حاجتك إلى حطام، وحطامك إلى قضية، وقضيتك إلى نكتة يرويها الآخرون. وفي صباح اليوم التالي، ربما كان السوبرماركت سيُصلح بابه. أما الرجل، فسيحتاج إلى إصلاح شيء أكثر صعوبة: الفكرة التي قالت له، في تلك اللحظة السوداء، إن أفضل طريق إلى الحمّام يمر عبر الزجاج.

One thought on “الرجل الذي أعلن الحرب على السوبرماركت لأن مثانته لم تكن تؤمن بالديمقراطية”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *