عندما تعلن الصحراء نهاية اللعبة

قراءة فلسفية في زلزال واشنطن الدبلوماسي

بقلم زكية لعروسي رئيسة التحرير-باريس

في صمت يكتنف أروقة الصفوة السياسية، وبينما كانت رياح التاريخ تعصف بمخيمات تندوف حيث ينخر الزمن في جسد الانتظار منذ نصف قرن، ولدت لحظة فارقة لا يمكن اختزالها في بيان دبلوماسي عابر. إنها لحظة تشبه انفجار نجم بعيد في سماء السياسة الدولية، حيث يلتقي السفير الأمريكي وممثلي جبهة البوليساريو، لتتحول الكلمات إلى صاعقة تدوّي في أرجاء المعمورة: “لقد انتظر اللاجئون في مخيمات تندوف 50 سنة. إنهم يستحقون خيارات حقيقية، وليس عقدا آخر من الانتظار. إن أساس الحل مطروح على الطاولة”. هنا، في هذه الجملة القصيرة، تتكشف دراما وجودية عميقة، حيث يتحول الانتظار من قدر محتوم إلى لعنة أبدية، ويصبح “الخيار الحقيقي” ليس مجرد حلّ سياسي، بل فعل إنقاذ وجودي. لكنما الذي يعنيه هذا “الأساس المطروح على الطاولة”؟ إنه ليس مجرد اقتراح دبلوماسي، بل هو تحول أنطولوجيّ في بنية الصراع نفسه. إنّه إعلان بأن زمن “الاستفتاء” قد ولى، وأن  زمن “الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية” قد أزف. هذا التحول ليس مجرد تغيير في التكتيك السياسي، بل هو انقلاب في النظام المعرفي الذي حكم هذا النزاع لعقود. إنّه يشبه، في جوهره، تلك اللحظة الفينومينولوجية التي يتحول فيها الوعي من حالة الانتظار السلبي إلى حالة الفعل الإيجابي، حيث يصبح “اللاعب” هو من يحدد قواعد اللعبة، لا من ينتظر انتهاءها. وهنا يكمن العمق الفلسفي: إن الانتظار ليس مجرد حالة زمنية، بل هو حالة وجودية تنتج الهشاشة والضعف. ومن ينتظر خمسين عاما في مخيمات تندوف، لم يعد ينتظر حلا سياسيا فحسب، بل ينتظر الاعتراف بوجوده الإنساني ذاته. وهنا، يصبح الحل السياسي ليس مجرد اتفاق بين الدول، بل فعل اعتراف بالكرامة الإنسانية المسلوبة.

إن قرار مجلس الأمن رقم 2797، الذي اعتمد في 31 أكتوبر 2025 بأغلبية 11 صوتا، لم يكن مجرد وثيقةٍ قانونية، بل كان مرآةً للنظام العالمي الجديد. إنه يعكس تحولا عميقا في مفهوم السيادة والشرعية الدولية، حيث لم يعد مبدأ “تقريب الاستفتاء” هو الإطار الوحيد لتسوية النزاعات، بل أصبح “الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة” هو الأساس الأكثر واقعية. هذا التحول ليس مجرد انتصار دبلوماسي للمغرب، بل  هو إعلان بأن الفلسفة السياسية التي حكمت العلاقات الدولية بعد الحرب العالمية الثانية قد دخلت مرحلتها الأخيرة. إنها نهاية “عصر التقريب”، وبداية “عصر التسيير الواقعي”. وهنا، يصبح السؤال الفلسفي الأعمق: هل يمكن للعدالة أن تتحقق دون سيادة؟ أم أن السيادة هي الشرط الوجودي المسبق لأي عدالة ممكنة؟ إن قرار 2797 يجيب على هذا السؤال بوضوح: لا عدالة بدون سيادة، ولا سيادة بدون استقرار. وهكذا، يتحول الصراع من صراعٍ على الأرض إلى صراع على الشرعية، ومن صراع على الحقوق إلى صراع على الاعتراف.

والأمر الأكثر إثارة للفكر هو أن هذا التحول لم يكن مجرد نتاج للقوة العسكرية أو الضغط الدبلوماسي، بل كان نتاجا لتحول أعمق في البنية الوجودية للنظام الدولي. إنّه يشبه، في جوهره، تحولا في “إبستمولوجيا” السياسة الدولية، حيث لم يعد “الوهم” الانفصالي قادرا على الصمود أمام “الحقيقة” الجغرافية والتاريخية. إن البوليساريو، كما يرى المراقبون، لم يعد مجرد حركة تحرر وطنية، بل أصبح “كيانا وهميا” يحاول التمسك بشرعية لم تعد قائمة. وهنا، يظهر البعد التراجيدي للصراع: إن من يرفض الاعتراف بالواقع، لا يخون قضيته فحسب، بل يخون شعبه الذي ينتظر منذ خمسين عاما. إن الانتظار الطويل  ليس مجرد صبر، بل هو شكل من أشكال الموت البطيء. ومن يطالب باستمرار هذا الانتظار، إنما يطالب باستمرار الموت.

إن الاعتراف الأمريكي بالسيادة المغربية على الصحراء، الذي تأكد في دجنبر 2020 وأعيد تأكيده في رسالة الرئيس ترامب بمناسبة عيد العرش عام 2026، لم يكن مجرد قرار سياسي، بل كان إعلانا فلسفيا عن طبيعة النظام العالمي الجديد. إنه يشبه تلك اللحظة الهيغلية التي يتحول فيها “الوعي” من حالة “الالienation” إلى حالة “الاعتراف”. إن الاعتراف ليس مجرد فعل قانوني، بل هو فعل وجودي يعيد تشكيل هوية المعترَف به. وهكذا، لم يعد المغرب مجرد طرف في نزاع إقليمي، بل أصبح “الطرف المعترف به” الذي يملك شرعية السيادة. وهذا التحول له دلالات فلسفية عميقة: إنّه يعني أن الشرعية الدولية لم تعد تستمد من “الاستفتاء” وحده، بل من “الواقعية” و”القابلية للتطبيق”. إنّه انتصار الفلسفة البراغماتية على المثالية القانونية. وهنا، يبرز سؤال وجوديّ عميق: ماذا يعني أن تنتظر خمسين عاما؟ إنه ليس مجرد انتظار زمني، بل هو انتظار وجوديّ يشبه انتظار بيكيت في مسرحية “في انتظار غودو”. إنه انتظار بلا  نهاية، بلا أفق، بلا معنى. إنه انتظار ينتج اللا-معنى، وينتج الهشاشة، وينتج الموت. ومن ينتظر خمسين عاما في مخيمات تندوف، لم يعد ينتظر حلاّ سياسيا، بل ينتظر “الخيار الحقيقي” الذي يعيد له إنسانيته المسلوبة. إن “الخيار الحقيقي” ليس مجرد خيار بين الاستقلال والحكم الذاتي، بل هو خيار بين الحياة والموت، بين الوجود والعدم. وهنا، يصبح الحل السياسي ليس مجرد اتفاق بين الدول، بل فعل إنقاذ وجوديّ لإنسان سحق تحت عجلة التاريخ.

إن ما يحدث اليوم في الصحراء ليس مجرد نزاع إقليمي، بل هو مرآة للنظام العالمي الجديد. إنه يكشف عن تحول عميق في مفهوم السيادة، والشرعية، والعدالة. إنّه يشبه، في جوهره، تلك اللحظة التاريخية التي يتحول فيها العالم من “نظام ما بعد الحرب” إلى “نظام ما بعد السيادة”. إنّه إعلان بأنّ “اللّعبة” قد انتهت، وأن “اللاعبين” الجدد هم من يملكون “الخيارات الحقيقية”. ومن يرفض الاعتراف بهذه الحقيقة، إنّما يرفض الاعتراف بالواقع نفسه. إنه يشبه من يصرّ على لعب لعبة انتهت منذ زمن طويل، في حين أن العالم قد انتقل إلى لعبة جديدة تماما. وهنا، تكمن التراجيديا الكبرى: إن من ينتظر خمسين عاما، لم يعد ينتظر حلاّ سياسيا، بل ينتظر “الاعتراف” بوجوده.  ومن يرفض هذا الاعتراف، إنّما يرفض الاعتراف بإنسانيته. وهكذا، تصبح الصحراء ليس مجرد قضية سياسية، بل مختبرا فلسفيا لفهم طبيعة السلطة، والشرعية، والوجود. إنها تشبه تلك اللحظة الوجودية التي يتحول فيها “الانتظار” من حالة سلبية إلى حالة إيجابية… إنها لحظة تشبه انفجار نجم بعيد في سماء السياسة الدولية، حيث يلتقي السفير الأمريكي وممثلي البوليساريو، لتتحول الكلمات إلى صاعقة تدوّي في أرجاء المعمورة: “لقد انتظر اللاجئون في مخيمات تندوف 50 سنة. إنهم يستحقون خيارات حقيقية، وليس عقدا آخر من الانتظار.

One thought on “عندما تعلن الصحراء نهاية اللعبة”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *