سبتة وتقرير أمنستي..الجغرافيا صرخت من وراء السياج

بقلم زكية لعروسي رئيسة التحرير-باريس

لا تستطيع السياسة أن تجعل سبتة عادية، مهما بالغت في استعمال اللّغة الإدارية والسياسية. مدينة لا تحتاج إلى أن ترفع صوتها كي تذكّر بجوارها المغربي؛ يكفي أن تنظر إلى البحر. فالمسافة بين سبتة والساحل المغربي أقصر من أن تسمح للتاريخ بأن يختفي، وأقصر من أن تجعل ما يجري خلف السياج شأنا أوروبيا خالصا. هناك، حيث تبدأ الجغرافيا الإسبانية بحسب مدريد، لا تنتهي الجغرافيا المغربية في الذاكرة والتاريخ. ولذلك فإن مأساة سبتة ليست مجرد فصل جديد في كتاب الهجرة. إنها لحظة تتقاطع فيها أربعة أشياء شديدة الحساسية: إنسان يحاول العبور، ودولة تحاول حماية حدودها، وأوروبا تحاول حماية حدودها الخارجية، ومدينة ظل وضعها التاريخي والسياسي حاضرا في الوعي المغربي. وفوق هذا التقاطع كله يقف سؤال بسيط، لكنه لا يملك جوابا بسيطا: ماذا يحدث للإنسان عندما يصبح جسده هو نقطة التماس بين كل هذه الحسابات؟

في هذا المكان تحديدا جاءت منظمة العفو الدولية بما يشبه حجرا ألقي في ماء ساكن. بعد زيارة ميدانية بين 10 و15 سبتمبر،قالت المنظمة إنها قابلت أكثر من 65 مهاجرا وطالب لجوء، بينهم 31 قاصرا و26 امرأة، وجمعت 22 شهادة مباشرة نسبت إلى عسكريين ممارسات تشمل الضرب والمضايقة والإهانة وسرقة الأموال ومصادرة الهواتف وتحطيمها. وقالت إن بعض الوقائع المبلغ عنها، بالنظر إلى شدّتها، قد تشكل تعذيبا أو معاملة قاسية أو لاإنسانية أو مهينة. كما أشارت إلى شهادات عن إصابات وإلى مواد مصورة قالت إنها تعزز بعض الادعاءات. هنا يجب أن تكون اللغة دقيقة بقدر خطورة الاتهام. هذه شهادات وادعاءات وثقتها منظمة حقوقية؛ وليست، حتى الآن، أحكاماً قضائية تثبت مسؤولية أفراد بعينهم. ولذلك فإن السؤال ليس كيف ندين قبل المحكمة، بل كيف نضمن أن تصل المحكمة إلى الحقيقة.

والمهم أن وزارة الدفاع الإسبانية اختارت، في 30 سبتمبر، إحالة تقرير أمنستي إلى النيابة ومحكمة الحراسة في سبتة، كما طلبت من قيادة العمليات إجراء تحقيق لتحديد المسؤوليات الفردية المحتملة. فالدولة التي تقول إنها تحمي حدودها قبلت أن تخضع الطريقة التي تحمي بها حدودها للتحقيق. وهذا، في دولة القانون، ليس تناقضا. إنه المعنى الحقيقي للسيادة. فالحدود تحميها الدولة، لكن القانون يحمي الإنسان من الدولة أيضا. والجندي الذي يقف أمام السياج ليس خارج القانون لأنه يرتدي الزي؛ بل إن الزي يضاعف مسؤوليته، لأنّه يحمل اسم الدولة فوق كتفيه. ولذلك فإن التحقيق، أيا تكن نتيجته، يجب ألاّ ينظر إليه باعتباره هزيمة للمؤسسة العسكرية الإسبانية. إذا ثبتت بعض الوقائع، فالمساءلة تحمي المؤسسة من أن يتحول الزي إلى غطاء. وإذا لم تثبت، فإن القضاء هو الذي يملك حق قول ذلك. الحقيقة وحدها ينبغي أن تكون صاحبة الكلمة الأخيرة. لكن المسألة لا تنتهي عند هذا الحد.

ففي اليوم نفسه تقريبا الذي دخل فيه تقرير أمنستي إلى المسار القضائي، كانت مدريد تدفع بقضية سبتة إلى مستوى آخر: مستوى أوروبا. أمام إيمانويل ماكرون، قال فيليبي السادس إن ما حدث في سبتة خلال الصيف، والمتمثل بحسب وصفه في دخول «عشرات الآلاف» من الأشخاص، يمثل انتهاكا لحدود إسبانية هي أيضا حدود أوروبية، ووصفه بأنّه غير مقبول، داعيا إلى مزيد من التضامن والموارد والتعاون بين دول الاتحاد الأوروبي. الجملة تبدو أمنية. لكنها، في عمقها، جملة دبلوماسية أيضا.لأن مدريد لا تكتفي هنا بوصف سبتة بأنها حدود إسبانيا؛ إنّها تعيد تعريفها أمام شريك أوروبي رئيسي باعتبارها جزءا من الحدود الخارجية للاتحاد. وهذا التحويل في زاوية النظر ليس تفصيلا لغويا. عندما تصبح سبتة «حدود أوروبا»، تنتقل القضية من علاقة ثنائية شديدة الحساسية بين المغرب وإسبانيا إلى فضاء أوسع: بروكسل، باريس، مدريد، سياسات الهجرة، أمن الحدود، وتقاسم الأعباء داخل الاتحاد الأوروبي. لكن ثمة شيئا لا تستطيع هذه الصياغة أن تلغيه. الجغرافيا. فسبتة لا تقع في أوروبا الجغرافية، ولا يمكن فصل موقعها عن الساحل المغربي الذي يحيط بها من كل الجهات تقريبا. ولهذا فإن محاولة إدخالها بالكامل في اللغة الأوروبية للحدود لا تلغي أن للمدينة طبقة أخرى من المعنى، طبقة يعرفها المغرب جيدا ولا تحتاج إلى خطاب صاخب كي تستعيد حضورها. وهنا تظهر إحدى أكثر مفارقات الدبلوماسية المغربية هدوءا وعمقا.

ليس من الضروري أن تدخل الرباط في سجال حول كل عبارة تقال في مدريد. أحيانا يكون الصمت المدروس أكثر تعبيرا من الرد، لأن الجغرافيا لا تحتاج إلى بيان صحفي، والتاريخ لا يحتاج إلى رفع الصوت. الدبلوماسية التي تعرف قيمة أوراقها لا تستخدمها كلها في كل لحظة. والعلاقة المغربية الإسبانية، منذ التحولات الكبرى التي عرفتها في السنوات الأخيرة، لم تعد تُدار فقط بمنطق الخصومة القديمة، بل بمنطق المصالح المتشابكة: الأمن، الهجرة، التجارة، الطاقة، والاستقرار الإقليمي. لكن هذا التشابك لا يمحو الملفات الحساسة؛ إنه يجعل إدارتها أكثر تعقيدا. سبتة واحدة منها. ولهذا فإن أخطر ما يمكن فعله هو تحويلها إلى مجرد شعار. لأن الشعار يختصر القضية، بينما سبتة تحتاج إلى إبقائها مفتوحة على كل طبقاتها: التاريخية، الجغرافية، القانونية، الإنسانية والدبلوماسية.

ومن هذه الزاوية، يصبح المهاجر المغربي الذي يقف عند السياج أكثر من مجرد «رقم في أزمة حدود». إنه، من دون أن يقصد، يدخل إلى مكان تختلط فيه الأسئلة الكبرى. قد يكون يريد أوروبا. وقد يكون هاربا من الفقر. وقد يكون يبحث عن عمل. وقد يكون لا يعرف شيئا عن تاريخ المدينة. لكن جسده، بمجرد أن يصل إلى ذلك السياج، يدخل في تاريخ يعرفه الآخرون جيدا. وهنا تكمن المأساة. أن الإنسان لا يختار دائما المعنى السياسي الذي يُمنح لجسده. قد يريد فقط أن يعيش. فتتحول محاولته إلى «ضغط على الحدود». قد يكون طفلا. فيصبح «ملف هجرة». قد يكون مغربيا . فيصبح، في لحظة، واقفاً على خط تتقاطع فوقه خرائط دولتين وذاكرة بلدين وسياسات قارة كاملة. هذه هي اللحظة التي تصبح فيها اللغة نفسها مسألة أخلاقية. حين نقول «تدفقات بشرية» ننسى الوجوه. حين نقول «ضغط حدودي» ننسى الأجساد. وحين نقول «أمن» من دون أن نسأل عن حدود القوة، يصبح الإنسان مجرد متغير ثانوي في معادلة سياسية. لكن الأمن لا يمكن أن يكون نقيضا للكرامة. وحماية الحدود لا تمنح حصانة لأحد. وإذا كانت أوروبا تريد أن تكون أكثر من جغرافيا محصنة، فعليها أن تثبت أن القانون يستطيع الوصول إلى السياج، وأن الإنسان لا يفقد حقوقه عندما يصبح على الجانب الذي لا ترغب الدولة في دخوله.

أما المغرب، فربما تكمن قوته في ألا يسمح بتحويل القضية إلى انفعال. فسبتة لا تحتاج إلى أن تُستعاد كل صباح في الخطاب كي تبقى حاضرة. يكفي أن تظل في المكان الذي لا تستطيع السياسة أن تحذفها منه: في الجغرافيا، وفي الذاكرة، وفي الحسابات المغربية ـ الإسبانية، وفي كل حديث عن مستقبل الضفة الجنوبية للمتوسط. ثم إنّ الدفاع عن الإنسان المغربي عند السياج لا يحتاج إلى كثير من البلاغة. يحتاج إلى شيء أبسط وأصعب: أن يكون القانون قادرا على حمايته، وأن تكون كرامته غير قابلة للتفاوض. وهنا تلتقي المسألتان اللتان تبدوان منفصلتين: قضية المدينة وقضية الإنسان. فإذا كانت سبتة تحمل بالنسبة إلى المغرب معنى يتجاوز حاضرها الإداري، فإن المغربي الذي يقف أمامها يحمل بدوره شيئا يتجاوز وضعه كمهاجر. إنه ابن هذه الجغرافيا. والجغرافيا، في السياسة، لا تموت بسهولة. لكنّها أيضا لا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة لإلغاء الإنسان. لهذا لا ينبغي أن يكون السؤال: هل يحق لإسبانيا حماية حدودها؟ نعم، هذا من صميم وظائف الدولة. السؤال الأدق هو: كيف تحمي حدودها، وبأي ثمن إنساني، وتحت أي رقابة قانونية؟ ولا ينبغي أن يكون السؤال المغربي: كيف نرفع صوتنا أكثر؟ بل: كيف نجعل حضور قضايانا قويا إلى درجة لا يحتاج معها إلى الصراخ؟

هنا تصبح الدبلوماسية فنا من فنون الصمت المحسوب. تترك للآخر أن يتحدث عن الحدود الأوروبية. وتترك للقضاء أن يتحدث عن الانتهاكات. وتترك للوقائع أن تتراكم. ثم تحتفظ لنفسها بالسؤال الذي لا تستطيع كلّ اللغة الأوروبية أن تجيب عنه: كيف يمكن لمدينة على هذا القرب من المغرب تاريخيا وجغرافيا أن تقرأ دائما من بعيد، وكأن البحر وحده هو الذي يفصلها عن تاريخها؟ سبتة ليست مجرد سياج. السياج هو أحدث طبقة فيها فقط. تحته مدينة، وفوقه جنود، وخلفه مهاجرون، وحوله دولتان، وفوق الجميع تاريخ لم يجد بعد اللّغة النهائية التي تصفه. وربّما لهذا ستظل سبتة عصية على الاختزال. كلّما حاولت السياسة أن تجعلها مجرد «حدود»، أعادها التاريخ إلى كونها أكثر من ذلك. وكلّما حاول الأمن أن يجعل الإنسان رقما، أعادته كرامته إلى اسمه. وفي اللحظة التي يبدأ فيها القضاء تحقيقه، يصبح السؤال كله معلقا هناك، عند ذاك السياج: ليس من يملك القدرة على إغلاقه، بل من يملك القدرة على أن يجعل القانون أعلى منه.

One thought on “سبتة وتقرير أمنستي..الجغرافيا صرخت من وراء السياج”

  1. سيقول الزمن كلمته لما تخفت نار الانفعال والتعالي. ذلك أن الزمن التاريخي صوته الخاص: صوت يستفز عقل المستعمر إلى درجة تحويل كلامه الى رد فعل متشنج طالب” للحمية” من الجيران. موقف شبيه بما يحدث بين فتوة الحي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *