النفاق السياسي بين ازدواجية المواقف وحسابات المصالح

بقلم الإعلامي حيمري البشير- كوبنهاكن

إن بعض التصريحات والمواقف السياسية قد تبدو عادية في ظاهرها، لكنها تكتسب دلالات أعمق عندما تصدر عن مسؤولين يوجدون في قلب صناعة القرار الدولي. وقد أعادت أحداث سبتة، وما رافقها من مواقف سياسية أوروبية، طرح سؤال قديم ومتجدد حول ازدواجية المعايير في التعامل مع قضايا السيادة وحق الشعوب في تقرير مصيرها. من حق إسبانيا أن تدافع عن رؤيتها ومصالحها، ومن حق المغرب كذلك أن يتمسك بموقفه التاريخي والسياسي تجاه سبتة ومليلية والجزر الجعفرية وباقي الثغور التي يعتبرها جزءا من مجاله الوطني. غير أن الإشكال يبدأ عندما تتبنى دولة خطابا يقوم على احترام القانون الدولي وحق الشعوب في الحرية وتقرير المصير في قضية، ثم تتعامل بمنطق مختلف تماما مع قضية أخرى قريبة منها جغرافيا وسياسيا.

وهنا تكمن المفارقة التي تثير الكثير من التساؤلات في المغرب. فالموقف الإسباني من القضية الفلسطينية، خصوصا خلال السنوات الأخيرة، منح مدريد صورة إيجابية في جزء واسع من الرأي العام العربي. وقد استطاع رئيس الحكومة الإسبانية أن يقدم بلاده باعتبارها من الأصوات الأوروبية الأكثر انتقادا للسياسات الإسرائيلية والأكثر دعما للحقوق الفلسطينية. وهو موقف لقي ترحيبا واسعا في العالم العربي. لكن هذه الصورة الإيجابية تصطدم، في نظر قطاعات من الرأي العام المغربي، باستمرار الوجود الإسباني في سبتة ومليلية وباقي الثغور التي يطالب المغرب باستعادتها. وهنا تظهر إحدى أكثر الإشكالات حساسية في السياسة الدولية: هل يمكن للدولة أن تتبنى مبدأ تقرير المصير في مكان، بينما تستند في مكان آخر إلى اعتبارات تاريخية واستراتيجية للحفاظ على وضع قائم؟

السؤال لا يتعلق بإسبانيا وحدها، بل بمنظومة سياسية دولية كثيرا ما تتعامل مع المبادئ بمرونة تختلف باختلاف المصالح والتحالفات. أما موقف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من أحداث سبتة، فقد أثار بدوره انتقادات في الأوساط المغربية، خصوصا أن فرنسا ترتبط بالمغرب بعلاقات تاريخية واقتصادية وسياسية عميقة. وكان من الطبيعي أن ينظر جزء من الرأي العام المغربي إلى أي موقف فرنسي يميل إلى تأييد الموقف الإسباني باعتباره مؤشرا على استمرار الرؤية الأوروبية التقليدية تجاه قضية الثغور. غير أن قراءة هذه التطورات تحتاج إلى الابتعاد عن الانفعال، لأن العلاقات الدولية لا تقوم على الصداقة وحدها، كما لا تحكمها المبادئ وحدها. إنها شبكة معقدة من المصالح الاقتصادية والأمنية والاستراتيجية والجيوسياسية.

والمغرب، خلال السنوات الأخيرة، لم يعد يتعامل مع محيطه الدولي بالمنطق نفسه الذي كان سائدا قبل عقود. فقد وسع شراكاته الاقتصادية والسياسية، وعزز حضوره في القارة الإفريقية، وانفتح على قوى دولية متعددة، من الولايات المتحدة إلى الصين، مع الحفاظ على علاقات اقتصادية وسياسية مع روسيا وغيرها من القوى الدولية. كما أن التحولات التي شهدتها منطقة الساحل وغرب إفريقيا أضعفت تدريجيا بعض أدوات النفوذ الفرنسي التقليدية، وفتحت المجال أمام قوى إقليمية ودولية جديدة. وفي هذا السياق، برز المغرب باعتباره أحد الفاعلين الذين يسعون إلى توسيع حضورهم الاقتصادي والدبلوماسي في القارة. لذلك فإن الخلافات المغربية الفرنسية أو المغربية الإسبانية لا يمكن فصلها عن التحولات الكبرى التي تعرفها إفريقيا، ولا عن إعادة تشكيل موازين القوى داخل المنطقة. ومع ذلك، فإن تحويل كل خلاف سياسي إلى مواجهة مفتوحة ليس بالضرورة الخيار الأكثر عقلانية.

فالمغرب وإسبانيا جاران، وبينهما مصالح اقتصادية وأمنية وإنسانية واسعة، كما أن المغرب وفرنسا تربطهما علاقات متشابكة يصعب اختزالها في موقف سياسي واحد. المطلوب، في مثل هذه القضايا، هو وضوح المواقف واحترام حق كل طرف في الدفاع عن رؤيته، مع الحفاظ على قنوات الحوار مفتوحة. أما قضية سبتة ومليلية والجزر الجعفرية، فهي بالنسبة إلى المغاربة ليست مجرد ملف دبلوماسي عابر، بل قضية مرتبطة بالذاكرة الوطنية وبالتصور المغربي لوحدة التراب الوطني. ولذلك فإن أي زيارة رسمية أو تصريح سياسي يتعلق بهذه المناطق يثير اهتماما واسعا داخل المغرب. وقد تؤدي بعض المواقف الأوروبية إلى رفع مستوى الحساسية الشعبية تجاه القضية، لكنها في الوقت نفسه تفرض على المغرب اعتماد مقاربة هادئة وطويلة النفس، تقوم على الدبلوماسية والحضور الاقتصادي وتعزيز العلاقات الدولية، بدلا من الانجرار إلى ردود فعل عاطفية قد تخدم خصومه أكثر مما تخدم مصالحه. في النهاية، فإن السياسة الدولية لا تقاس فقط بما تقوله الدول، بل أيضا بما تفعله عندما تتعارض المبادئ مع المصالح.

وهنا يظل السؤال مفتوحا أمام أوروبا نفسها: هل يمكن الحديث عن الحرية وتقرير المصير ورفض الاحتلال باعتبارها مبادئ كونية، ثم التعامل مع قضايا أخرى بمنطق مختلف بسبب التاريخ والجغرافيا والمصالح الاستراتيجية؟ إن اتساق المواقف هو الذي يمنح السياسة مصداقيتها. أما ازدواجية المعايير، مهما كانت مبرراتها، فإنها تترك أثرا عميقا في ذاكرة الشعوب، وتدفعها إلى إعادة النظر في صداقات وتحالفات كانت تبدو، إلى وقت قريب، راسخة وغير قابلة للنقاش. وفي نهاية المطاف، قد لا تكون المشكلة في اختلاف الدول حول القضايا الكبرى، فهذا أمر طبيعي في العلاقات الدولية، وإنما في محاولة تقديم المصالح السياسية باعتبارها مبادئ ثابتة، بينما تكشف الوقائع أحيانا عن شيء مختلف تماما.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *