بقلم د. عبد الرحمان مكاوي-باريس
من الخليج إلى مضيق جبل طارق، تفرض الصواريخ الباليستية المناورة معادلة استراتيجية جديدة: لم يعد التحدي مقتصرا على إسقاط السلاح القادم، بل أصبح يتعلق بكلفة اعتراضه، وقدرة الدفاعات على الصمود، وحدود التفوق العسكري في عصر تتقلص فيه المسافة بين التكنولوجيا والردع.
مقدمة: نهاية الاطمئنان إلى التفوق المطلق
لم يعد التفوق البحري الأمريكي بعدد حاملات الطائرات، أو بحجم الأجنحة الجوية التي تحملها، أو بمدى انتشار المدمرات والغواصات المرافقة لها. ففي عالم تتكاثر فيه الصواريخ الباليستية الدقيقة، وتتحسن فيه قدرات المناورة والتوجيه النهائي، بات التفوق البحري يواجه اختباراً أكثر تعقيداً: كيف تحافظ القوة العظمى على حرية حركتها في مسارح عمليات تتطور فيها وسائل التهديد بوتيرة متسارعة؟
في قلب هذه المعادلة يبرز الصاروخ الإيراني «قاسم بصير»، الذي كشفت عنه طهران رسمياً في الرابع من مايو 2025، بوصفه نسخة مطورة من صاروخ «الحاج قاسم». وقد أعلنت إيران أن مداه يبلغ نحو 1200 كيلومتر، وأنه يجمع بين الوقود الصلب، والتوجيه الكهروبصري في المرحلة النهائية، وقدرة محسنة على المناورة ومقاومة التشويش الإلكتروني. وهي خصائص، إذا ثبتت فعاليتها العملياتية بالمستوى الذي تعلنه طهران، يمكن أن ترفع مستوى المخاطر التي تواجه منظومات الدفاع الصاروخي التقليدية. غير أن الأهمية الاستراتيجية لهذا السلاح لا تكمن في الأرقام المعلنة وحدها، ولا في الخطاب الدعائي المصاحب للكشف عنه، وإنما في السؤال الذي يطرحه على العقيدة العسكرية الغربية: ماذا يحدث عندما تتطور قدرة الخصم على إصابة أهداف ذات قيمة استراتيجية، بينما تظل كلفة الحماية من تلك الهجمات مرتفعة، وتصبح كل مواجهة اختباراً لمخزونات الصواريخ الاعتراضية والذخائر الهجومية معا؟ إنها، في جوهرها، معضلة الاقتصاد الاستراتيجي للحرب؛ حيث قد يصبح السلاح الأقل كلفة قادرا على فرض أعباء مالية وعملياتية غير متناسبة على خصم يمتلك تفوقا تكنولوجيا هائلا.
أولا: قاسم بصير.. من الصاروخ الباليستي التقليدي إلى التوجيه في المرحلة النهائية
يمثل قاسم بصير، وفق المعلومات المنشورة عن خصائصه، تطوراً في مسار البرنامج الصاروخي الإيراني، الذي يسعى إلى الجمع بين المدى العملياتي والقدرة على اختراق الدفاعات وتحسين دقة إصابة الأهداف. وتشير المعلومات المعلنة إلى أن الصاروخ يعتمد على الوقود الصلب، وهو خيار يمنح المنظومة مزايا مرتبطة بسرعة الاستعداد للإطلاق، مقارنة ببعض الأنظمة التي تتطلب إجراءات أطول لتجهيز الوقود السائل. كما أن اعتماده منصة إطلاق متحركة على الطرق يمكن أن يزيد من صعوبة اكتشافه وتحديد موقعه قبل الإطلاق، وإن كان ذلك لا يجعله بمنأى عن الاستطلاع الفضائي والجوي أو عمليات الاستهداف الاستباقي. لكن العنصر الأكثر أهمية في صورته التقنية المعلنة هو نظام التوجيه الكهروبصري أو الحراري في المرحلة النهائية من الطيران. فبدلاً من الاعتماد الحصري على الملاحة بالقصور الذاتي أو الإشارات الفضائية، يمكن للمستشعر التصويري، من حيث المبدأ، أن يساعد الرأس الحربي على تحديد الهدف ومراجعة مساره في المرحلة الأخيرة.
وتكمن أهمية هذه التقنية في تقليص الاعتماد على بعض الإشارات الخارجية التي يمكن التشويش عليها. غير أن ذلك لا يعني حصانة مطلقة من الحرب الإلكترونية، ولا يثبت أن الصاروخ قادر على إصابة كل هدف متحرك بدقة مترية أو ديسيمترية. فالأداء الفعلي يتوقف على جودة المستشعر، وظروف الرؤية، وسرعة المعالجة، والقدرة على تمييز الهدف الحقيقي من التضليل، فضلاً عن الظروف الديناميكية القاسية التي تحيط بمرحلة العودة إلى الغلاف الجوي. وهنا ينبغي التمييز بين إصابة هدف ثابت جرى تحديده مسبقا، وبين اعتراض سفينة حربية تتحرك في بيئة بحرية متغيرة. فاستهداف حاملة طائرات ليس مجرد مسألة امتلاك رأس حربي سريع؛ إنه تحدّ متكامل يتطلب معلومات حديثة عن موقع الهدف، وقدرة على تحديث الحلول التوجيهية، وموثوقية عالية في المرحلة النهائية. وبذلك، فإن قاسم بصير لا يثبت وحده انقلاب موازين الحرب البحرية، لكنه يجسد اتجاهاً تكنولوجياً يستحق المتابعة: انتقال المنافسة من زيادة المدى والقوة التدميرية إلى تحسين فرص إصابة الأهداف المحمية، وتقليص قدرة الخصم على تعطيل التوجيه.
ثانيا: حاملة الطائرات الأمريكية.. حصن متحرك أم هدف مرتفع القيمة؟
تحتل حاملة الطائرات مكانة استثنائية في الاستراتيجية الأمريكية. فهي ليست مجرد سفينة حربية، بل قاعدة جوية عائمة، ومركز قيادة متقدم، وأداة لإظهار القوة، ووسيلة لطمأنة الحلفاء والضغط على الخصوم دون الحاجة إلى إقامة قواعد برية جديدة. لكن هذه القيمة الاستراتيجية نفسها تجعل الحاملة هدفاً بالغ الأهمية. فإخراجها من مسرح العمليات، حتى من دون إغراقها، قد يفرض أثمانا سياسية وعسكرية كبيرة، ويعيد تشكيل حسابات القيادة التي تعتمد عليها لتوفير الغطاء الجوي والردع البحري. وتتكون حماية مجموعة حاملة الطائرات من شبكة متعددة الطبقات تشمل الاستطلاع والإنذار المبكر، والطائرات المقاتلة، والمدمرات المزودة بمنظومات دفاع جوي وصاروخي، والتشويش الإلكتروني، والإجراءات التكتيكية الرامية إلى تقليل فرص الاستهداف. ولذلك، فإن تقييم أي صاروخ مضاد للسفن يجب أن ينطلق من قدرته على التعامل مع هذه الشبكة بكاملها، لا من سرعته النظرية أو خصائص رأسه الحربي بمعزل عن السياق العملياتي.
كما أن الصاروخ الباليستي المجهز بمستشعر نهائي لا يتحول تلقائياً إلى سلاح مضمون ضد حاملات الطائرات. فالسفينة المتحركة تتطلب معلومات دقيقة وحديثة، بينما تواجه منظومة الاستهداف تحديات تتعلق بتحديد الموقع، وتحديث البيانات، والتمييز بين الهدف الحقيقي والوسائل الخداعية، وتحمل ظروف الطيران النهائية. أما الادعاء بأن حاملة الطائرات الأمريكية «يو إس إس جورج واشنطن» تعرضت لضربة إيرانية مباشرة في أواخر سبتمبر 2026، فلا ينبغي تقديمه بوصفه حقيقة عسكرية محسومة من دون أدلة مستقلة موثوقة. وقد ظهرت بالفعل خلال سبتمبر 2026 مواد مضللة تزعم احتراق حاملة أمريكية إثر هجوم إيراني، من دون أن تثبت وقوع الضربة التي ادعتها تلك المواد. إن التحليل الاستراتيجي الرصين لا يحتاج إلى واقعة غير مثبتة كي يدرك خطورة التطور الصاروخي؛ فالمهم هو تقييم القدرة الناشئة، وشروط استخدامها، والقيود التي تحد من فعاليتها، والسيناريوهات التي يمكن أن تغير بموجبها حسابات الخصم.
ثالثا: معضلة الاستنزاف.. عندما تصبح كلفة الدفاع جزءا من المعركة
تتجاوز خطورة الصواريخ المتطورة قدرتها المحتملة على إحداث أضرار مباشرة. إنها تفرض على الخصم استهلاك الموارد، وتعديل خططه، وتخصيص مزيد من الوسائل لحماية الأصول عالية القيمة. ففي الحرب الحديثة، لا تُقاس الفعالية العسكرية بثمن السلاح المهاجم وحده، بل كذلك بما يفرضه على الطرف المقابل من نفقات دفاعية، واستنزاف للمخزون، وتغيير في انتشار القوات، وتعطيل للعمليات. ومع ذلك، فإن مقارنة سعر صاروخ هجومي بتكلفة صاروخ اعتراضي لا تكفي وحدها لإثبات التفوق الاقتصادي للمهاجم. فالمعادلة تتأثر بنسبة نجاح الاعتراض، واحتمال إصابة الهدف، وكلفة تشغيل منظومات الإنذار والاستطلاع، والقدرة على إعادة التزود بالذخائر، فضلاً عن القيمة الاستراتيجية للأصل المحمي.
إن الدفاع عن حاملة طائرات لا يهدف فقط إلى منع خسارة مادية؛ بل إلى الحفاظ على حرية الحركة البحرية، واستمرار العمليات الجوية، ومصداقية الردع الأمريكي أمام الحلفاء والخصوم. ومن ثم قد يكون استخدام ذخيرة اعتراضية باهظة الثمن خياراً عقلانياً إذا كان البديل هو تعريض أصل استراتيجي للخطر. لكن المشكلة تظهر عندما تتكرر الهجمات، وتتعدد اتجاهاتها، وتتزامن الصواريخ الباليستية مع صواريخ كروز والطائرات المسيّرة. ففي هذه الحالة، لا يعود السؤال مقتصراً على قدرة منظومة دفاعية واحدة على اعتراض هدف محدد، بل يمتد إلى قدرة الشبكة الدفاعية بأكملها على الاستمرار في العمل تحت الضغط. وهنا تتضح أهمية مفهوم الاستنزاف: قد لا يحتاج المهاجم إلى تحقيق اختراق حاسم في كل مرة، بل إلى فرض حالة مستمرة من التأهب، واستنزاف المخزونات، ورفع كلفة العمليات، وتقييد حرية الحركة. إنها حرب على الموارد والوقت والإرادة، بقدر ما هي حرب على الأهداف العسكرية.
رابعا: محور الصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية.. بين التقارب الاستراتيجي وحدود الإثبات
لا يمكن فهم تطور البرنامج الصاروخي الإيراني بمعزل عن البيئة الدولية التي تسمح بتبادل الخبرات، والحصول على مكونات مزدوجة الاستخدام، والاستفادة من دروس الحروب المعاصرة. وفي هذا السياق، شاع استخدام مصطلح «CRINK» للإشارة إلى الصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية، باعتبارها دولا تتقاطع مصالحها في مواجهة جوانب من الضغط الغربي، وتتعاون بدرجات متفاوتة في مجالات عسكرية وتقنية واقتصادية. غير أن وجود تقارب استراتيجي بين هذه الدول لا يعني أن كل سلاح إيراني هو نتاج نقل مباشر للتكنولوجيا من الدول الثلاث الأخرى. فإثبات الأصل التقني يتطلب أدلة تتعلق بالتصميم، وسلاسل الإمداد، والوثائق، والتعاون الصناعي، وليس مجرد التشابه الخارجي بين الصواريخ أو تزامن التطورات العسكرية.
الصين: قوة صناعية وشبكة إمداد ذات أبعاد استراتيجية
تمتلك الصين قاعدة صناعية وتكنولوجية واسعة، وتمنحها مكانتها في سلاسل الإمداد العالمية قدرة على التأثير في البيئة التقنية التي تعمل فيها البرامج العسكرية الخاضعة للعقوبات. ويمكن للمكونات الإلكترونية، والمواد المتخصصة، ومعدات التصنيع مزدوجة الاستخدام أن تشكل عناصر مهمة في تطوير الصناعات الدفاعية. لكن ينبغي الفصل بين وجود مخاوف غربية من انتقال مكونات أو تقنيات إلى إيران، وبين الادعاء بأن بكين نقلت منظومة توجيه محددة أو قدمت دعماً مباشراً لتطوير قاسم بصير. فهذه مسألة تحتاج إلى توثيق مستقل ومحدد.
كوريا الشمالية: خبرة صاروخية ومسارات محتملة للتبادل
تمتلك كوريا الشمالية خبرة طويلة في تطوير الصواريخ الباليستية، كما أن تعاونها العسكري مع روسيا أصبح موضع اهتمام دولي متزايد. وتفتح هذه العلاقات المجال أمام تساؤلات مشروعة حول تبادل الخبرات والمكونات والتقنيات. وقد أشارت تقارير وتحليلات إلى مخاوف من انتقال التكنولوجيا العسكرية بين أطراف هذا التقارب. غير أن القول إن قاسم بصير مشتق مباشرة من تصميم كوري شمالي محدد، أو إن نموذجا بمدى ثلاثة آلاف كيلومتر قد دخل مرحلة تطوير مؤكدة على أساس ذلك التصميم، يتطلب أدلة علنية أكثر صلابة من مجرد الاستنتاج.
روسيا: دروس الحرب والتعاون العسكري
أظهرت الحرب في أوكرانيا كيف أصبحت الطائرات المسيّرة، والصواريخ، والحرب الإلكترونية، والاستطلاع، وإدارة المخزونات عناصر مترابطة في الصراع المعاصر. كما كشفت عن أهمية القدرة على التكيف السريع مع أنظمة الدفاع الغربية. وفي هذا السياق، تكتسب العلاقات العسكرية الروسية الإيرانية أهمية واضحة، ولا سيما في ضوء استخدام روسيا طائرات مسيّرة إيرانية التصميم أو المنشأ في الحرب. لكن الاستنتاج بأن موسكو نقلت تقنيات محددة أسهمت مباشرة في إنتاج قاسم بصير يجب أن يبقى رهناً بأدلة مستقلة. إن القراءة الأكثر اتزانا لمحور CRINK لا تقوم على افتراض وجود غرفة عمليات موحدة تتحكم في كل برنامج تسليح، بل على إدراك أن تقاطع المصالح، وتبادل الخبرات، والتكيف مع العقوبات، والتعاون الصناعي، قد تنتج مجتمعة بيئة تساعد على تسريع التطور العسكري لدى أطرافه. وهذه، في حد ذاتها، معطيات تستحق اهتمام صناع القرار الغربيين، من دون الحاجة إلى تحويل الفرضيات غير المثبتة إلى وقائع نهائية.
خامسا: إيران والخليج.. الردع عبر رفع كلفة التدخل
تستند الاستراتيجية الإيرانية، في أحد أبعادها الأساسية، إلى بناء قدرات تسمح بتهديد المصالح العسكرية الأمريكية والإقليمية من دون الحاجة إلى منافسة واشنطن في حجم الأساطيل أو القوة الجوية التقليدية. فإيران لا تحتاج إلى امتلاك حاملة طائرات مماثلة للحاملات الأمريكية كي تجعل العمل العسكري ضدها أكثر تعقيدا. يكفيها، من حيث المبدأ، أن تطور مزيجاً من الصواريخ والطائرات المسيّرة، والمنظومات الساحلية، والقدرات البحرية غير المتماثلة، بما يرفع الكلفة المتوقعة لأي تدخل عسكري. لكن هذا الردع ليس مضمون النتائج. فامتلاك الأسلحة لا يعني بالضرورة القدرة على استخدامها بكفاءة، كما أن تهديد القوات الأمريكية قد يدفع واشنطن إلى تعزيز الانتشار العسكري، وتوسيع التحالفات، وتطوير وسائل هجومية مضادة.
وعليه، فإن العلاقة بين التطور الصاروخي والردع ليست خطا مستقيما. فقد يؤدي تحسين القدرة على الإيذاء إلى تقليل شهية الخصم للحرب، لكنه قد يؤدي أيضا إلى سباق تسلح، أو إلى ضغوط متبادلة تزيد احتمالات سوء التقدير. وهنا تكمن المفارقة الإيرانية: كلما سعت طهران إلى تعزيز قدرتها على منع الهجوم، ازدادت أهمية إدارة الإشارات العسكرية والسياسية التي ترسلها إلى جيرانها والولايات المتحدة. فالردع الذي لا تصاحبه قنوات اتصال واضحة قد يتحول إلى عامل إضافي في تصعيد الأزمات.
سادسا: المغرب ومضيق جبل طارق.. الأمن البحري في عالم تتغير فيه التهديدات
إذا كانت أهمية قاسم بصير تتجاوز حدود الخليج، فإن الدرس الذي ينبغي استخلاصه بالنسبة إلى المغرب لا يتعلق بافتراض انتقال وشيك لهذا الصاروخ إلى شمال أفريقيا، بل بضرورة قراءة التحولات في الحرب البحرية والصاروخية ضمن رؤية أوسع للأمن القومي. يمثل مضيق جبل طارق نقطة التقاء استراتيجية بين المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط. وهو ممر حيوي لحركة التجارة والطاقة، ومجال تتقاطع فيه مصالح الدول المطلة عليه مع مصالح القوى البحرية الكبرى. أما المغرب، بحكم موقعه الجغرافي وإطلالته على واجهتين بحريتين، فيتحمل مسؤولية استراتيجية في حماية مصالحه البحرية وتأمين استمرارية الملاحة والتجارة. وفي بيئة تتطور فيها الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة وأدوات الاستطلاع، تصبح اليقظة البحرية أكثر اتساعاً من مجرد مراقبة السفن أو حماية الموانئ. فهي تشمل فهم التهديدات الجوية والبحرية، وتعزيز الوعي بالمجال البحري، وتحسين تبادل المعلومات، وتطوير قدرات الاستجابة للأزمات، وتوسيع التعاون مع الشركاء.
ومن هذا المنطلق، تكتسب الشراكة المغربية الإسبانية، إلى جانب التعاون مع الشركاء الأوروبيين وحلف شمال الأطلسي في المجالات المناسبة، أهمية خاصة في حماية المصالح المشتركة ومواجهة التهديدات العابرة للحدود. لكن التقدير الاستراتيجي الرصين يقتضي التمييز بين المخاطر العامة والسيناريوهات المحددة. فلا تتوافر، بمجرد الإعلان عن صاروخ إيراني جديد، أدلة كافية للقول إن هذا السلاح سينتقل إلى الجزائر أو إلى جبهة البوليساريو. ومثل هذا الادعاء يحتاج إلى معلومات موثوقة عن عمليات النقل، والقدرات اللوجستية، والبنية التحتية اللازمة للتشغيل، والجهة المستفيدة.
ومع ذلك، فإن غياب الدليل على انتقال سلاح بعينه لا يلغي الحاجة إلى الاستعداد للتحولات العسكرية الإقليمية. فالتخطيط الدفاعي لا يقوم على انتظار تحقق التهديد، بل على تقدير احتمالاته، ومراقبة مؤشرات تطوره، وتحديد ما يلزم لحماية المصالح الوطنية في مختلف السيناريوهات. وبالنسبة إلى المغرب، يعني ذلك تعزيز القدرة على الرصد والتحليل، وتطوير الوعي بالمجال البحري، والاستثمار في الكفاءات التقنية والصناعات الدفاعية ذات الصلة، وتوسيع التعاون الاستخباراتي والبحري وفق مقتضيات السيادة الوطنية والقانون الدولي. كما يعني أن الأمن البحري لم يعد مسألة عسكرية محضة؛ فهو يرتبط بحماية التجارة والطاقة والموانئ والبنى التحتية الحيوية، وبالقدرة على الحفاظ على استقرار المجال البحري الذي تعتمد عليه التنمية الاقتصادية المغربية.
سابعا: من سباق الصواريخ إلى سباق المعرفة
إن الدلالة الأعمق لقاسم بصير لا تختزل في مدى يبلغ 1200 كيلومتر، ولا في سرعة معلنة، ولا في مستشعر حراري يوجه الرأس الحربي خلال المرحلة النهائية. إنها تكمن في التحول المستمر الذي تعرفه طبيعة المنافسة العسكرية. فالقوة في القرن الحادي والعشرين لم تعد مجرد حصيلة للمنصات الضخمة والذخائر المتطورة؛ إنها أيضا حصيلة القدرة على دمج المعلومات، واختصار زمن القرار، وتطوير وسائل الاستشعار، وحماية شبكات القيادة والسيطرة، وإنتاج بدائل أقل كلفة وأكثر مرونة.
وفي هذا السياق، لا يكفي الاستثمار في منظومات الاعتراض وحدها. إذ يتعين على الدول أن تنظر إلى الدفاع بوصفه منظومة متكاملة تشمل الإنذار المبكر، والاستطلاع، وتحليل البيانات، والقيادة والسيطرة، والمرونة اللوجستية، والقدرة على استعادة الجاهزية بعد الهجمات. فالتفوق العسكري ليس بعدد الصواريخ التي تستطيع الدولة إطلاقها أو اعتراضها في لحظة واحدة، بل بقدرتها على الاستمرار في أداء وظائفها الاستراتيجية عندما تتعرض لضغط طويل الأمد. ومن هنا، فإن التحدي الذي تطرحه الصواريخ الباليستية المناورة لا يقتصر على الولايات المتحدة أو إيران. إنه جزء من تحول عالمي يدفع القوى الكبرى والمتوسطة إلى إعادة النظر في العلاقة بين الردع، والتكنولوجيا، وكلفة الحرب، واستدامة القدرات الدفاعية.
خاتمة: لا انتصار بالأرقام وحدها
إن قاسم بصير، بصرف النظر عن المبالغة المحتملة في بعض خصائصه المعلنة، يسلط الضوء على اتجاه استراتيجي لا يجوز الاستهانة به: سعي القوى الأقل امتلاكا للموارد التقليدية إلى تطوير أسلحة تفرض على خصومها الأعلى تفوقا أعباء أكبر، وتحد من حرية تحركهم، وتزيد كلفة قراراتهم العسكرية. لكن لا ينبغي، في المقابل، تحويل هذا التطور إلى إعلان مبكر عن نهاية التفوق البحري الأمريكي. فحاملة الطائرات ليست هدفا معزولاً، والدفاع الصاروخي ليس منظومة واحدة، والقدرة على إصابة هدف في اختبار معلن لا تعادل القدرة على تدمير سفينة متحركة تحميها شبكة متكاملة من وسائل الاستطلاع والاعتراض والخداع. إن المعركة الحقيقية تدور حول قدرة كل طرف على التكيف، وتوفير المعلومات، وحماية موارده، واستدامة عملياته، وإقناع خصمه بأن كلفة التصعيد أعلى من عائده المتوقع.
وبالنسبة إلى المغرب، فإن الدرس الأهم ليس الانجرار وراء سيناريوهات غير مثبتة، بل بناء يقظة استراتيجية تستوعب التحولات في الخليج والبحر الأبيض المتوسط والأطلسي، وتربط الأمن البحري بالتكنولوجيا والاستخبارات والشراكات الدولية. ففي عالم تتغير فيه أدوات الردع بوتيرة متسارعة، لا تُصان السيادة بالشعارات، ولا تُحمى المصالح بالتقديرات المتسرعة، بل بالمعرفة الدقيقة، والاستعداد المتواصل، والشراكات المتوازنة، والقدرة على التمييز بين الخطر المحتمل والواقعة المثبتة. ذلك هو جوهر الردع الحديث: ألا تملك السلاح فحسب، بل أن تفهم حدوده، وتدرك كلفته، وتستبق أثره، وتحول المعرفة إلى قدرة على حماية المصالح الوطنية.
