الحركة النسوية للثالث عشر من أكتوبر تقول لكنّ: لا تفعلن شيئا

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس

هناك فكرة بسيطة، بسيطة إلى حدّ يثير الغثيان: أنك، أيتها الإنسانة العادية، غير مرئية. لا أحد يراك. لا أحد يعرف أنك هنا. تعملين، تنتجين، تطبخين، تنظّفين، تُربّي، تدفعين الضرائب، وتبتسمين في الصور. ثم، في لحظة معينة، تتوقفين فقط. عن كل شيء. لا إضراب، لا صراخ، لا شعارات. فقط، توقف. لا شيء آخر. هذا ما تطلبه، ببراءة مخيفة، حركة “World with Women” من النساء في الثالث عشر من أكتوبر: أن لا تفعلن شيئا. “لا شيء” هنا ليست فراغا. “لا شيء” هنا هي القنبلة الأكثر عنفا التي يمكن تصورها. لأن“لا شيء” هذا، في الحقيقة، هو كل شيء. المفارقة ليست في الطلب. المفارقة في ردّ الفعل المتوقع. “الرجل سيشعر بالذعر”. “المدارس ستغلق”. “المستشفيات ستتوقف”. “المجتمع سينهار”. هذه ليست توقعات متواضعة. هذه، لو تأملتها، شهادة اعتراف. اعتراف بأن النظام، بأكمله، بأكمله، يعمل على ساقين لا يراها أحد. امرأة تطبخ. امرأة تُسكت طفلا في منتصف الليّل. امرأة تتذكر موعد الطبيب. امرأة تبتسم لمدير غاضب. امرأة تدفع الفاتورة. امرأة… امرأة،  امرأة. ثم، فجأة، يقرر النظام أن ينظر إلى ساقيه. ويرى أنهما خشبيتان. يرتجل المشي. يتعثر. يقع. هذا هو الفزع. ليس فزعا من التوقف، بل فزعا من الاكتشاف: أنت لم تكن تقف على أرض صلبة. كنت تقف على أنفاس نصف البشرية.

في أكتوبر 1975، في إيسلندا، توقف تسعون في المائة من النساء عن العمل. عن العمل داخل البيت وخارجه. لا “إضراب” بالمعنى النقابي الضيق، بل “يوم عطلة” بالمعنى الوجودي الأوسع. يوم لم تذهب فيه النساء إلى مصانع السمك، ولا إلى المدارس، ولا إلى المطبخ. تروي إحدى ناشطات “الجوارب الحمراء” الحكاية بضحكة: “كنا نحب خنازيرنا الذكوريين، أردنا فقط تغييرهم قليلا” . لكن ما حدث لم يكن “قليلا”. ما حدث أن الرجال، الذين كانوا يعتقدون أنفسهم مركز الكون، وجدوا أنفسهم في بيوت فارغة، وأطفال يبكون، وعشاء لم يُطبخ، ووظائف لم تُنجز. “الجمعة الطويلة”، كما سُمّي ذلك اليوم . خمس سنوات بعد ذلك، انتخبت إيسلندا أول امرأة رئيسة في العالم بالتصويت الشعبي المباشر . ليس لأن الرجال “تحسنوا”، بل لأنهم رأوا، ولو ليوم واحد، ما يحدث حين لا يرون أحدا.

ثم، في 2018، توقف خمسة ملايين في إسبانيا. ليس توقفا  كاملا، بل “توقفا جزئيا لمدة ساعتين”، كما تقول وكالات الأنباء، لكن العدد نفسه كان كافيًا لتحطيم الروتين اليومي. “إذا توقفنا، توقف العالم”، كان الشعار . وفي الواقع، توقف: 8000 صحافية توقفن عن العمل، فلم يصدر “إل باييس”. القطارات توقفت، والشوارع امتلأت بالبنفسجي، وأصبح “الفمنزم” ليس كلمة سباب بل كلمة هوية . الصحافية آنا روزا كوينتانا، التي أوقفت برنامجها التلفزيوني، قالت إن ذلك اليوم “فتح مرحلة جديدة في التاريخ” . لم يكن الهدف طرد الرجال. كان الهدف جعلهم يرون. الرؤية، هنا، هي العقوبة.

لكن ماذا بعد الرؤية؟ هنا يكمن السؤال الذي لا يجرؤ أحد على طرحه. ماذا لو رأى الرجال، ثم عادوا إلى ما كانوا عليه؟ ماذا لو توقفت النساء، ثم انتهى اليوم، ثم عادت الأمور إلى “طبيعتها”؟ الجواب: أن “الطبيعة” نفسها لم تعد طبيعية. لأن اللحظة التي يرى فيها المستغل أن المستغل، لو توقف، ينكشف كل شيء، تصبح اللحظة التي لا يمكن التراجع عنها. ليس لأن التغيير قانوني، بل لأن الكذب أصبح مستحيلا. كنت تعتقد أنك تعمل من أجل نفسك. الآن تعرف أنك تعمل لأن هناك من يحمل عنك. كنت تعتقد أن النساء “يساعدن”. الآن تعرف أن النساء تحملن. الفرق بين “المساعدة” و”الحمل” هو الفرق بين البقاء والسقوط.

هنا، يجب أن نتوقف عند ما يسميه بيير بورديو “العنف الرمزي”. العنف الذي لا يُرى. عنف أن يجعلك النظام تعتقد أنك حر، بينما أنت تفعل بالضبط ما يريده. امرأة تعمل، لكن أجرها أقل. ثم يقال لها إن هذا “بسبب اختياراتها”، “بسبب التخصصات”، “بسبب الأمومة”. امرأة تطبخ، ثم يقال لها إن هذا “حبه”. امرأة تتذكر مواعيد الجميع، ثم يقال لها إن هذا “طبيعتها”. حتى تصبح “الطبيعة” سجنًا أنيقًا، مفتوح الأبواب، لكن لا أحد يخرج منه. لأن “الطبيعة” ليست شيئا. “الطبيعة” هي إيديولوجيا مُتنكّرة. إيديولوجيا تقول: “لا يمكن تغيير ما هو طبيعي“. لكن التاريخ، كما ترى، مليء بأشياء كانت “طبيعية” ثم لم تعد.

فلسفيا، ما تفعله النساء يوم 13 أكتوبر هو نوع من “إبوكي” (Epoché) هوسرلية. تعليق الحكم. تعليق الوجود. أن تقول: “حسنا. لنفترض، للحظة، أنني لست هنا كامراةة كزوجة وكأمّ. ماذا سيحدث؟” هذا ليس انسحابا من الواقع، بل تجربة فكرية في الواقع. الواقع، كما تعرف، ليس واقعا إلا إذا أمكن اختباره. والنساء، يوم 13 أكتوبر، يختبرن الواقع. لا ليثبتن أنهن موجودات. هذا معروف. بل ليثبتن أن وجودهن ليس “مسألة بديهية”. لأنه فقط عندما  يغيب الشيء، يعرف حجمه. الهواء، لا تراه. حتى تختنق. لذلك، السؤال ليس: هل سينجح اليوم؟ السؤال: ماذا بعد أن ينجح؟ لأن النجاح، هنا، ليس في عدد المتوقفات. النجاح في عدد الرجال الذين، في ذلك اليوم، سيتوقفون هم أيضا. لا لكي “يحلوا محل” النساء، بل لكي يفهموا أن لا “محل” للنساء يمكن أن يُحَلّ. “الحل” كلمة خاطئة. “الحل” تعني أن الشيء قابل للاستبدال. لكن ما يحدث في 13 أكتوبر ليس استبدالا. إنّه انكشاف. انكشاف أن “استبدال” النساء ليس خيارا مطروحا. لم يكن مطروحا أبدا. كان وهما. وهما عاش عليه الرجال، ووهما “ساهمت” النساء، لسبب أو لآخر، في صيانته. ليس لأن النساء تكذب، بل لأن الكذب كان أرخص. الآن، صار الكذب مكلّفا. والثمن، في السياسة والاقتصاد، هو كل شيء.

تبقى إيسلندا. 90% توقفوا يوما واحدا. خمس سنوات بعد ذلك، امرأة في القصر الرئاسي. عشرون سنة بعد ذلك، تقارير تقول إنها أكثر دول العالم مساواة. ليس لأن الإيسلنديين “أفضل” من غيرهم. بل لأنهم، في ذلك اليوم، رأوا. والرؤية، كما تعرف، ليست دائما شفاء. أحيانا تكون طعنة. لكن الطعنة، إن كان الجرح مفتوحا، أفضل من التخدير. يوم 13  أكتوبر ليس دعوة إلى “العدالة”. إنه دعوة إلى “الانكشاف”. أن ينكشف النظام. أن ينكشف الوهم. أن تنكشف الساقان الخشبيتان. والسؤال الوحيد: من سينظر؟ ومن سيقدر، بعد ذلك، على أن ينظر بعيدا؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *