شهد شاهد من أهلها: حين يخون الذئب الذئب

بارديلا وزمور

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس

السياسة ليست مسرحا. السياسة هي تلك اللحظة التي تكتشف فيها أن المسرح نفسه قد انهار، وأن الممثلين يصرخون في وجه بعضهم البعض، لا لأنهم نسوا النص، بل لأن النص لم يعد موجودا. في 27 سبتمبر 2026، نشر موقع «ميديابارت» الاستقصائي الفرنسي تحقيقا يزعم أن جوردان بارديلا، رئيس حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف، كتب وهو في السابعة عشرة أو الثامنة عشرة من عمره رسائل قال فيها إن «البنوك كلها مملوكة لليهود»، وإن «الصهيونيين هم الذين يقودون البنوك»، وإن إسرائيل تسعى إلى «نظام عالمي جديد». بارديلا نفى. قال إنها «تفاصيل مزيفة»، و«عملية استخباراتية»، و«محاولة اغتيال سياسي». لكن ميديابارت أصرت: «نحن متأكدون بنسبة 200%»، وقالت إنها وثقت الرسائل تقنيا وبشريا، وإنها ستعرض أدلتها أمام القضاء إن لزم الأمر.

ثم جاء إريك زمور، زعيم حزب «الاستعادة» المنافس، ليقول الجملة التي لا يمكن محوها: «هل أصدقه؟ لا، ليس حقا. لكنني لا أتدخل في الحروب الداخلية داخل التجمع الوطني، إنهم يدبرون أمرهم بأنفسهم جيدا». هذه الجملة هي أصل كل شيء. ليست مجرد تعليق سياسي. إنها شهادة جنائية. شهادة من شاهد يعرف المكان. من رجل يقف على الضفة الأخرى من النهر نفسه، ويرى ما لا يراه الآخرون. زمور لا يدافع عن بارديلا. لا يهاجمه أيضا. إنه فقط «لا يصدقه». وهذا «لا يصدقه» هو الفأس التي يغرسها في جذع شجرة اليمين المتطرف، بهدوء، دون أن يتحرك ساكن. ثم يمضي.

المسرحية سريالية. رجلان يتنافسان على القاعدة الانتخابية نفسها. الناخب الغاضب نفسه. الحلم المسموم نفسه. أحدهما شاب، وسيم، لامع، يرتدي بدلة أنيقة، ويقف إلى جانب مارين لوبان كالوريث المنتظر. الآخر مثقف، مثير للجدل، متمرس في لعبة الاستفزاز، يرى نفسه الفيلسوف الذي يجب أن يقود، لا التلميذ الذي يجب أن ينتظر. وحين تفتح قضية قديمة، ملف دام من 2013، فيه كلمات عن اليهود والبنوك وسيطرة مزعومة على العالم، يقف زمور على الحياد. لا يدافع. لا يهاجم. فقط يهمس: «لا أصدقه». وهذه الهمسة، في لعبة السياسة، أعلى من أي صيحة. بارديلا يريد أن يقول: «كنت شابا. أخطأت». لكنه لا يقول ذلك. يقول: «لم أكتب. أنتم تكذبون». وهذا الفرق بين التوبة والإنكار هو الفرق بين السياسي الذي يريد أن يصدق، والسياسي الذي يريد فقط أن ينجو. والفرق بين الاثنين، في النهاية، ليس في الرسائل القديمة. الفرق في الحاضر. فيمن يقف الآن، في 2026، ليصدق من؟ ومن يقف ليصدق من لا يصدقه؟

المفارقة الكبرى أن حزبا بني على كراهية اليهود، حزب أسسه جان ماري لوبان، الرجل الذي وصف غرف الغاز بأنها «نقطة تفصيلية» في التاريخ، حزب كان من بين أعضائه المؤسسين قدامى محاربين في «فافن إس إس»، هذا الحزب نفسه يقدم اليوم نفسه «درعا» لليهود. مارين لوبان شاركت في مسيرة ضد معاداة السامية في 2023. بارديلا ذهب إلى إسرائيل في 2025، والتقى بناجين من هجوم 7 أكتوبر، وتحدث في القدس ضد معاداة السامية. وزير الشؤون اليهودية الإسرائيلي، أميشاي تشيكلي، خرج ليدافع عنه، ووصفه بأنه «أحد أوضح الأصوات في أوروبا ضد حماس». إسرائيل تدافع عن رجل يتهم بمعاداة السامية. التاريخ يسخر من الجميع.

لكن زمور لا يدافع. لماذا؟ لأنه يعرف شيئا لا يعرفه الآخرون. يعرف أن بارديلا ليس «نازيا» بالمعنى الكلاسيكي. لا أحد في هذا العالم اليوم نازي بالمعنى الكلاسيكي. النازية الجديدة ليست شوارع وعنفا وشارات. النازية الجديدة هي رسائل خاصة في تطبيق «ماسنجر»، وضحكات في غرف مغلقة، ولغة «تحليلية» عن «المجموعات» و«السيطرة» و«المصالح». إنها معاداة سامية أنيقة، معاداة سامية ترتدي بدلة، وتتحدث بلغة الاقتصاد والجغرافيا السياسية. معاداة سامية تقول: «أنا لا أكره اليهود. أنا فقط ألاحظ». وهذه الملاحظة هي أخطر ما في الوجود.

والفلسفة هنا ضرورة. لأن السؤال ليس: هل كتب بارديلا تلك الرسائل؟ السؤال هو: هل نصدق أنه كتبها؟ وهل نصدق أنه «تاب»؟ وهل نصدق أن الحزب «تغير»؟ هذه هي الأسئلة التي يهرب منها الجميع. مارين لوبان تقول إنها «واثقة تماما» من بارديلا، وإن كل ما يحدث هو «حرب شاملة». بارديلا يقول إنه تعرض لـ«محاولة اغتيال سياسي». لكن أحدا لا يجيب عن السؤال الحقيقي: كيف يمكن لحزب بني على أساس كراهية اليهود أن يصبح «درعا» لليهود؟ كيف يمكن لجوردان بارديلا، الذي عمل مساعدا برلمانيا لجان فرانسوا جالك، الرجل الذي نفى المحرقة، أن يكون الآن «صوتا واضحا» ضد معاداة السامية؟ هذا تناقض وجودي. تناقض لا يحل بالبيانات الصحفية.

زمور، بذكائه الملتوي، يعرف هذا. لهذا لا يدافع. لأنه يرى في بارديلا منافسا، ويريده أن يسقط. لكنه لا يريد أن يسقط بيده. يريد أن يسقط بيد «ميديابارت». يريد أن يسقط بيد التاريخ. يريد أن يسقط بيد نفسه. زمور لا يريد أن يكون الجلاد. يريد أن يكون المتفرج. لأن المتفرج، في السياسة، هو الوحيد الذي لا يلام. وهنا يتجلى «الاستفزاز الإسباني» بمعناه العميق. الاستفزاز الإسباني ليس عنفا. إنه مكر. هو أن تدفع خصمك إلى حافة الهاوية دون أن تلمسه. هو أن تزرع الشك في أذهان الناخبين دون أن تقول شيئا مباشرا. زمور لا يقول «بارديلا كاذب». يقول «لا أصدقه». لا يقول «بارديلا معاد للسامية». يقول «لا أتدخل في حروبهم الداخلية». وهذه الجملة الأخيرة أقسى من أي اتهام. لأنها تقول للناخب: «حتى حلفاؤه لا يثقون به». هذا هو التحايل العميق. هذا هو الذكاء الذي يقتل دون أن يترك أثرا.

يبقى سؤال واحد معلقا في الهواء، ثقيلا كحجر في بئر لا قرار له. من الذي يخاف منه زمور حقا؟ هل يخاف من بارديلا؟ أم يخاف من أن يصدق الناخبون أن بارديلا تغير، ثم يمنحونه أصواتا لا يستحقها؟ وهل معاداة السامية في 2026 ليست مجرد «رسائل قديمة»، بل بنية كاملة، ونظاما كاملا، ولغة كاملة، تستخدمها أحزاب «معتدلة» لتقول: «نحن لسنا عنصريين. نحن فقط واقعيون»؟ وهل يمكن لحزب أن يتوب عن كراهية زرعها في قلوب ملايين الناس، ثم يطلب منهم أن يثقوا به مرة أخرى؟بارديلا يريد أن يقول: «كنت شابا. أخطأت». لكنه لا يقول ذلك. يقول: «لم أكتب. أنتم تكذبون». وهذا الفرق بين التوبة والإنكار هو الفرق بين السياسي الذي يريد أن يصدق، والسياسي الذي يريد فقط أن ينجو. والفرق بين الاثنين، في النهاية، ليس في الرسائل القديمة. الفرق في الحاضر. فيمن يقف الآن، في 2026، ليصدق من؟ ومن يقف ليصدق من لا يصدقه؟ زمور لا يصدق. لكنه لا يريد أن يصدق أحد زمور أيضا. يريد فقط أن يزرع الشك. وهذا الشك هو المحصول الوحيد الذي ينمو جيدا في تربة السياسة الفرنسية اليوم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *