بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
في البدء كانت الرغبة، لا الجوع. فالجوع حاجة بيولوجية تخبر الجسم بأنه يحتاج إلى الغذاء، أما الرغبة فقد تتجاوز هذه الحاجة، لتصبح استجابة لإغراء حاضر أو وسيلة لتخفيف التوتر والملل. وبين الإثنين تقع منطقة معقدة يتداخل فيها الدماغ مع المشاعر والوقت والقدرة على التحكم في السلوك. من هنا تبدأ العلاقة بين اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه (TDAH) وبعض أنماط الأكل المضطرب. فالمسألة لا تتعلق بضعف الإرادة بقدر ما تتعلق بصعوبة تنظيم الانتباه، وكبح الاندفاع، وتأجيل المكافأة. وقد يجد بعض المصابين بهذا الاضطراب صعوبة في مقاومة إغراء حاضر، حتى عندما يعرفون أن الاستجابة له لن تخدم مصالحهم على المدى البعيد.
المشكلة ليست دائما في معرفة ما ينبغي فعله، بل في القدرة على فعله في اللحظة المناسبة. يجد هذا التناقض تعبيرا واضحا في علاقتنا بالزمن. فالقرار الغذائي لا يتحدد بالجوع وحده، بل يتأثر أيضا بقدرتنا على استحضار المستقبل عند مواجهة رغبة آنية. قد يعرف الإنسان أنه سيشعر بالندم بعد الإفراط في الأكل، لكن هذه المعرفة لا تكون دائما كافية للتغلب على المكافأة المتاحة أمامه الآن. بالنسبة إلى بعض الأشخاص الذين لديهم اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، قد تكون المكافأة الفورية أكثر جاذبية، وقد يبدو تأجيلها أكثر صعوبة. لكن ذلك لا يعني أنهم يعيشون خارج المستقبل أو أنهم عاجزون عن ضبط سلوكهم؛ بل يعني أن بعض العمليات التنفيذية التي تساعد على تحويل النوايا إلى أفعال قد تتطلب منهم جهدا أكبر. هنا يصبح الطعام أكثر من مجرد غذاء. فقد يتحول إلى وسيلة سريعة لتنظيم الانفعالات أو تخفيف التوتر أو مقاومة الملل. وتكمن أهمية هذه الوظيفة في أن الراحة التي يوفرها الطعام قد تكون مؤقتة، بينما تبقى المشكلة الأصلية من دون معالجة.
حين يتداخل الانتباه مع الجوع
في دراسة شملت 548 طفلا، بينهم 396 لديهم اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، رصد الباحثون ارتفاعا في الاستجابة للمثيرات الغذائية لدى الأطفال المصابين، أي الميل إلى الأكل استجابة لجاذبية الطعام أو توافره، حتى عندما لا يكون الجوع وحده هو المحرك. ومن الآليات المحتملة هنا اضطراب تنظيم الوجبات. فقد ينشغل الطفل بنشاط ما وينسى تناول الطعام، ثم يصل إلى مرحلة من الجوع الشديد يصبح معها ضبط الأكل أصعب. وفي حالات أخرى، قد يؤدي الاندفاع إلى الاستجابة للطعام بمجرد ظهوره، من دون التوقف لتقييم الحاجة الفعلية إليه. هذه الآليات مختلفة، وإن كانت قد تتداخل لدى الشخص نفسه. ولهذا فإن تفسير السلوك الغذائي من خلال الإرادة وحدها يتجاهل دور الانتباه والجوع والبيئة والحالة الانفعالية. كما أن العلاقة ليست حتمية: ليس كل شخص لديه اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه يعاني من الأكل المفرط، وليس كل من يفقد السيطرة على الطعام لديه هذا الاضطراب.

هل نأكل من أجل اللذة أم من أجل الراحة؟
يتيح لنا هذا السؤال الانتقال من السلوك الظاهر إلى وظيفته النفسية. فقد لا يكون الدافع إلى الأكل هو البحث عن مزيد من المتعة، بل الرغبة في التخلص من انزعاج يصعب احتماله. عندما يصبح الطعام وسيلة متكررة لتخفيف القلق أو الملل أو الضغط النفسي، يمكن أن تتشكل دائرة من الراحة المؤقتة يعقبها شعور بالذنب، ثم عودة إلى السلوك نفسه عند مواجهة الانزعاج مجددا. ولا يعني ذلك أن كل أكل خارج أوقات الجوع يحمل دلالة نفسية عميقة. فالسلوك الغذائي يتأثر بعوامل كثيرة، منها العادات والنوم والحرمان الغذائي والظروف الاجتماعية. لكن فهم وظيفة الأكل لدى كل شخص قد يساعد على تحديد ما يحتاج إليه فعليا، بدلا من الاكتفاء بمطالبته بالتوقف.
وفي دراسة شملت أكثر من ألف طفل ومراهق لديهم اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، ارتبطت صعوبات الكف السلوكي والتحكم الانفعالي بسلوكيات غذائية شبيهة ببعض السمات المرتبطة بالإدمان. كما أظهرت دراسة أخرى أن نسبة من البالغين المصابين بالاضطراب ويعانون من السمنة استوفت معايير بحثية لإدمان الطعام، مقارنة بنسبة أقل لدى غير المصابين في العينة المدروسة. لكن هذه النتائج لا تثبت أن اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه يسبب إدمان الطعام. كما أن مفهوم إدمان الطعام نفسه ما زال موضع نقاش علمي، ولا ينبغي الخلط بينه وبين نوبات الأكل بنهم أو الأكل العاطفي أو الإفراط العابر. ما تدعمه هذه النتائج هو ضرورة النظر إلى السلوك الغذائي باعتباره ظاهرة متعددة العوامل، لا مجرد اختبار للأخلاق أو قوة الشخصية.
مفارقة مجتمع يكافئ الاندفاع ثم يدين صاحبه
تزداد المسألة تعقيدا في بيئة تجعل الطعام متاحا باستمرار، وتستخدم الإعلانات والمحفزات البصرية لتشجيع الاستهلاك، ثم تختزل صعوبة المقاومة في غياب الانضباط. نحن نعيش في ثقافة تكافئ السرعة والإشباع الفوري، لكنها تطالب الفرد في الوقت نفسه بالتخطيط والصبر وضبط النفس. وهذه المفارقة لا تفسر وحدها السلوك الغذائي المضطرب، لكنها تذكّرنا بأن القدرة على الاختيار لا تتشكل بمعزل عن البيئة. فالإنسان لا يتخذ قراراته في فراغ. تتأثر قراراته بما يحيط به، وبحالته النفسية، وبمدى سهولة الوصول إلى المكافأة، وبالموارد الذهنية المتاحة لديه في تلك اللحظة. لذلك فإن تحميل الفرد كامل المسؤولية، من دون النظر إلى هذه العوامل، ليس تفسيرا كافيا ولا استراتيجية فعالة للتغيير.
كيف نستعيد القدرة على الاختيار؟
إذا كانت المشكلة متعددة العوامل، فلا يمكن أن يكون الحل مجرد المنع أو مطالبة الشخص بمزيد من الإرادة. قد يساعد انتظام الوجبات على تجنب الوصول إلى مستويات شديدة من الجوع، كما يمكن أن يسهم تنظيم البيئة الغذائية وتقليل القرارات المرتجلة في تسهيل الاختيار. وقد يكون تعلم بدائل للتعامل مع التوتر والملل مفيدا عندما يؤدي الأكل وظيفة انفعالية. أما إذا كانت صعوبات الانتباه والاندفاع تؤثر بوضوح في الحياة اليومية، فقد يساعد التقييم المتخصص على تحديد طبيعة المشكلة، والنظر في خيارات الدعم النفسي والغذائي وعلاج اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه عند الحاجة. الهدف ليس إلغاء الرغبة، بل خلق مسافة بينها وبين الاستجابة لها. أن يشعر الإنسان برغبة في الأكل، من دون أن يصبح تنفيذ هذه الرغبة أمرا تلقائيا. وأن يستطيع التفكير في المستقبل من دون أن يضطر إلى خوض معركة داخلية مرهقة عند كل وجبة.
وهنا يعود سؤال الزمن، لكن بصيغة أكثر واقعية: كيف نجعل الخيارات المفيدة أسهل في الحاضر، بدلا من مطالبة الإنسان بالاعتماد على مستقبل بعيد لا يستطيع استحضار فوائده في كل لحظة؟ ربما يبدأ التغيير حين نتوقف عن السؤال: «لماذا لا يملك ما يكفي من الإرادة؟»، ونبدأ بالسؤال: «ما الذي يجعل التحكم في هذا السلوك صعبا، وما الذي يمكن أن يساعده؟». فالفهم لا يلغي المسؤولية، بل يجعلها قابلة للممارسة. والتعاطف لا يعني الاستسلام للمشكلة، بل البحث عن حلول لا تقوم على الخجل واللوم. إن فهم العلاقة بين اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه والسلوك الغذائي ليس محاولة لتبرير الإفراط في الأكل، بل لفهم الآليات التي قد تجعله أصعب على بعض الأشخاص، حتى ننتقل من إدانة السلوك إلى معالجة أسبابه.
