تحليل استراتيجي بقلم د. عبد الرحمن مكّاوي-باريس
اليمن ليس ساحة حرب فحسب، بل منظومة تاريخية واجتماعية لا يمكن فهم موازين القوة فيها من الجو وحده. لفهم القوة التي راكمتها جماعة الحوثيين في اليمن، لا يكفي تعداد الصواريخ والطائرات المسيّرة، أو اختزال المشهد في الدعم الإيراني، أو تفسير الصراع باعتباره مواجهة مذهبية بين السنة والشيعة. فهذه المقاربات، على أهميتها، لا تفسر وحدها كيف تمكنت جماعة نشأت في أقصى شمال اليمن من السيطرة على العاصمة صنعاء، وبناء سلطة أمر واقع، والصمود أمام حملات عسكرية متعاقبة، ثم توسيع قدرتها على التأثير في أمن البحر الأحمر والممرات البحرية الدولية.
المفتاح الحقيقي لفهم الظاهرة الحوثية يكمن في تفاعل خمسة عناصر: جغرافيا جبلية شديدة التعقيد، وبنية قبلية لا تزال تؤثر في توزيع القوة، وانهيار مؤسسات الدولة، وتحول أيديولوجي أعاد صياغة الحركة، وشبكات دعم خارجية عززت قدراتها العسكرية والسياسية. إن الحوثيين ليسوا مجرد قوة مسلحة تختبئ في الجبال، ولا مجرد امتداد إيراني يتحرك وفق أوامر خارجية، ولا تعبيرا عن الزيدية اليمنية بأكملها. إنهم حركة محلية ذات جذور يمنية، استطاعت بناء مشروع سياسي وعسكري خاص بها، ثم الاستفادة من التحولات الإقليمية ومن الدعم الخارجي ومن الانقسامات التي مزقت خصومها. وهنا تكمن المفارقة الاستراتيجية: قد تستطيع القوة الجوية تدمير أهداف عسكرية، لكنها لا تستطيع وحدها إعادة بناء الدولة، أو تفكيك شبكات الولاء المحلية، أو إنتاج شرعية سياسية بديلة.
أولا: الجغرافيا.. حين تتحول جبال صعدة إلى عامل قوة
تبدأ الحكاية من صعدة، في أقصى شمال اليمن، حيث تشكل الجبال والوديان والطرق المحدودة جزءًا أساسيًا من البيئة التي نشأت فيها الحركة الحوثية. فالتضاريس اليمنية ليست خلفية طبيعية محايدة للصراع؛ إنها عنصر مؤثر في تكاليف السيطرة، وحركة القوات، واستمرار المقاومة، وصعوبة فرض سلطة مركزية متماسكة على مناطق متباعدة. وقد وثّقت مجموعة الأزمات الدولية، في تقريرها The Huthis: From Saada to Sanaa الصادر في 10 يونيو 2014، جذور الحركة في شمال اليمن، وتوسع نفوذها من صعدة باتجاه صنعاء، في سياق انهيار التوازنات السياسية والعسكرية.
لكن اختزال صعدة في صورة «قلعة جبلية منيعة» لا يكفي لتفسير التجربة. فالتضاريس تمنح المدافع مزايا، لكنها لا تنتج وحدها حركة سياسية قادرة على البقاء. وتصبح الجبال عامل قوة حقيقيًا عندما تتقاطع مع معرفة محلية بالمجتمع والطرق، وشبكات اجتماعية توفر للحركة التجنيد والاتصال والقدرة على الاستمرار. والأهم أن السيطرة على المجال لا تعني بالضرورة السيطرة المتجانسة على المجتمع. فحتى المناطق التي تبدو خاضعة لسلطة واحدة قد تحتفظ بتوازنات محلية وولاءات متفاوتة، تتغير وفق المصالح والضغوط والعلاقات بين الجماعات. لذلك، فإن المقاربة التي تتعامل مع صعدة باعتبارها هدفًا جغرافيًا فحسب تُغفل طبيعة المسألة. فالتحدي لا يتعلق بإخضاع مساحة جبلية فقط، بل بفهم البنية الاجتماعية والسياسية التي تمنح السيطرة المسلحة قدرتها على الاستمرار. الجغرافيا ترفع تكلفة الحرب، لكنها لا تفسر وحدها من ينتصر فيها.
ثانيا: الديموغرافيا.. الأقلية لا تحكم بالأعداد وحدها
يقدَّر عدد سكان اليمن بعشرات الملايين، لكن لا توجد إحصاءات مذهبية حديثة وموثوقة تسمح بالتعامل مع نسب الزيدية أو الحوثيين باعتبارها أرقاما محسومة. كما أن الزيدية ليست مرادفا للحوثيين، ولا يمكن اعتبار جميع الزيديين مؤيدين للحركة أو منخرطين في مشروعها السياسي. فالزيدية تقليد ديني إسلامي متجذر في شمال اليمن، وله تاريخ طويل سبق ظهور الحركة الحوثية المعاصرة بقرون. أما الحوثيون، أو حركة أنصار الله، فقد تطوروا من حركة إحياء ديني وسياسي في بيئة زيدية إلى تنظيم يمتلك قيادة مركزية وقدرات عسكرية ومؤسسات حكم وأدوات تعبئة خاصة به. وتشير مجموعة الأزمات الدولية إلى أن الحركة كانت، قبل انتفاضة 2011، محدودة النفوذ خارج معاقلها الشمالية، قبل أن تتغير موازين القوة بصورة متسارعة. كيف تمكنت الحركة، إذن، من توسيع نفوذها خارج قاعدتها الاجتماعية الأصلية؟
الجواب لا يكمن في العدد وحده، بل في القدرة على بناء التحالفات، واستثمار انقسامات الخصوم، والتوسع داخل مؤسسات الدولة، وتقديم نفسها بوصفها قوة منظمة في لحظات الاضطراب. وقد شكل تحالف الحوثيين مع الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح وشبكات عسكرية موالية له عاملا مهما في التحولات التي سبقت السيطرة على صنعاء عام 2014. ولم يكن هذا التحالف تعبيرا عن تطابق أيديولوجي، بل تقاطعا ظرفيا بين مصالح سياسية وعسكرية متباينة. وتوضح التسلسلات التاريخية التي نشرتها رويترز أن تقدم الحوثيين إلى العاصمة ارتبط بمساندة صالح وحلفائه، قبل أن ينقلب الطرفان لاحقا إلى مواجهة مفتوحة. وهذا درس يتجاوز الحالة اليمنية: في الدول التي تضعف فيها المؤسسات، قد تصبح السيطرة على مراكز القوة داخل الجيش والإدارة والأمن أكثر تأثيرا من الحجم الديموغرافي للقاعدة الاجتماعية لأي حركة. لكن لا يصح تحويل ذلك إلى معادلة ثابتة أو نسب قطعية عن حجم تأييد الحوثيين داخل المجتمع الزيدي أو الجيش اليمني. فالتأييد، والخضوع، والتحالف المؤقت، والامتثال تحت الضغط، حالات مختلفة لا يمكن جمعها في رقم واحد.
ثالثا: القبيلة.. البنية التي لا يمكن اختزالها في الطاعة أو الولاء
يخطئ من ينظر إلى المجتمع القبلي اليمني باعتباره كتلة واحدة تتحرك بأوامر شيخ واحد، كما يخطئ من يفترض أن الانتماء القبلي يعني تلقائيًا الولاء للحوثيين أو لأي طرف آخر. فالقبيلة في اليمن ليست مجرد رابطة نسب؛ إنها، في سياقات متعددة، إطار للتفاوض الاجتماعي، وتسوية النزاعات، والحماية المتبادلة، وإدارة الموارد، والتعبير عن المصالح المحلية. وتتداخل هذه الوظائف مع الدولة والأحزاب والاقتصاد والسلاح، من دون أن تحل القبيلة محل الدولة بصورة كاملة أو متجانسة. وتقدم الباحثة ماريكه برانت، في كتابها Tribes and Politics in Yemen: A History of the Houthi Conflict الصادر عام 2017، تحليلًا مهمًا للجذور المحلية للصراع في صعدة، وتبين كيف تفاعلت التحولات السياسية والاجتماعية منذ ستينيات القرن الماضي مع التنافس على الموارد والنفوذ ومواقع السلطة.
ومن هنا، لا يمكن فهم العلاقة بين الحوثيين والقبائل الشمالية باعتبارها تحالفا مذهبيا خالصا. فبعض التحالفات يرتبط بالمصلحة المحلية، وبعضها بالخلاف مع خصوم مشتركين، وبعضها بتوازنات القوة، فيما قد ينشأ بعضها الآخر تحت الضغط أو نتيجة غياب بدائل مؤسسية فعالة. كما أن ولاء القبائل ليس بالضرورة دائما أو مطلقا. فقد تتغير المواقف عندما تتبدل موازين القوة أو تتضرر المصالح أو تتراكم النزاعات مع السلطة المسيطرة. لكن وصف الولاء القبلي بأنه «قابل للبيع» وحده يبقى اختزالًا مضللًا؛ إذ قد يكون القرار القبلي مرتبطًا بالكرامة المحلية، أو الأمن، أو تاريخ الخصومات، أو حماية المجتمع، أو حسابات البقاء. ولا يمكن فهم هذه العوامل من خارج سياقها الاجتماعي والتاريخي.
لقد استطاع الحوثيون توظيف هذه التعقيدات لبناء شبكة نفوذ تتجاوز حدود الانتماء المذهبي. غير أن هذا النفوذ لا يعني أن المجتمع القبلي بأكمله أصبح كتلة متجانسة خلف الحركة، أو أن السكان الذين يعيشون تحت سلطتها يؤيدونها بالضرورة. القبيلة ليست مجرد رافعة للحوثيين؛ إنها أيضا مجال للتفاوض والتنافس، وقد تكون مصدر قوة للسلطة أو نقطة ضعفها.
رابعا: الإيديولوجيا.. من الإحياء الزيدي إلى المشروع السياسي المسلح
لا يمكن فهم الحوثيين من دون التمييز بين الزيدية التقليدية، والحركة الحوثية، وشبكات التأثير الإيرانية. فالزيدية تنتمي إلى التراث الإسلامي الشيعي، لكنها تختلف في عدد من أصولها الفقهية والعقدية عن الاثني عشرية الإيرانية. وقد تشكلت تاريخيا داخل البيئة اليمنية، وتفاعلت مع المذهب الشافعي ومع تقاليد السياسة والمجتمع في البلاد. أما الحركة الحوثية المعاصرة، فقد بدأت ضمن سياق إحياء ديني وثقافي وسياسي في شمال اليمن، ثم تطورت، مع الحروب التي اندلعت منذ عام 2004، إلى حركة مسلحة ذات مشروع سياسي أكثر مركزية. وتوضح مجموعة الأزمات الدولية أن جذور الحركة ارتبطت بالدفاع عن التقاليد الدينية والثقافية الزيدية في مواجهة ما اعتبره أنصارها تمددا سلفيا وضغوطا خارجية، قبل أن يتسع خطابها السياسي، خصوصًا في سياق التحولات الإقليمية التي أعقبت غزو العراق عام 2003. ومع مرور الوقت، برزت في خطاب الحوثيين عناصر مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل، واستُخدمت الشعارات السياسية والتعبئة الدينية لتعزيز التماسك الداخلي وتقديم الصراع باعتباره جزءا من مواجهة إقليمية أوسع. لكن وصف هذا التحول بأنه مجرد نقل حرفي للتجربة الإيرانية لا يفسر الصورة كاملة. فالتأثير الإيراني مهم، خصوصا في المجال العسكري والتقني والسياسي، إلا أن الحركة احتفظت بجذور محلية وبمصالح تنظيمية يمنية وبحسابات خاصة بها.
ومن الضروري كذلك التمييز بين التقارب الأيديولوجي والتبعية التنظيمية. فقد تتبنى حركة شعارات مشابهة لحليف خارجي، وتتلقى منه دعما عسكريا أو تقنيا، من دون أن يعني ذلك أن جميع قراراتها تصدر من الخارج أو أن مصالح الطرفين متطابقة في كل الملفات. وفي المقابل، فإن التقليل من دور الدعم الخارجي سيكون خطأ مماثلا؛ لأن القدرات العسكرية التي راكمها الحوثيون، ولا سيما في مجال الصواريخ والطائرات المسيّرة والتهديد البحري، لا يمكن تحليلها بمعزل عن شبكة علاقاتهم الإقليمية. إن التفسير الأكثر تماسكًا هو الذي يرى الحركة بوصفها فاعلا محليا يمتلك مشروعه الخاص، لكنه يستفيد من شراكات خارجية تعزز قدرته على التأثير، وتربط الصراع اليمني بتوازنات إقليمية أوسع.
خامسا: إيران وحزب الله.. الدعم الخارجي
يمثل الدعم الإيراني أحد الأبعاد الأساسية في التحليل الاستراتيجي للحوثيين، لكن فهمه يتطلب الفصل بين طبيعة المساندة، وحجمها، ومجالاتها، وحدود تأثيرها في القرار الحوثي. فالدعم العسكري والتقني وتبادل الخبرات والارتباطات الإقليمية يمكن أن يرفع قدرة جماعة مسلحة على تطوير أسلحتها وتوسيع نطاق عملياتها، ولا سيما عندما تواجه خصوما يمتلكون تفوقا جويا وتقنيا. لكن الاستنتاج بأن الحوثيين مجرد أداة تنفذ أوامر طهران يتجاهل التاريخ المحلي للحركة، والظروف التي نشأت فيها، ومصالح قيادتها، وطبيعة الصراع اليمني الداخلي. والأدق هو النظر إلى العلاقة باعتبارها شراكة استراتيجية غير متكافئة، تتقاطع فيها المصالح المحلية والإقليمية. فإيران تستفيد من امتلاك شريك قادر على التأثير في محيط البحر الأحمر والضغط على خصومها، بينما يستفيد الحوثيون من الدعم الخارجي في تعزيز قدراتهم العسكرية والسياسية.
أما العلاقة مع حزب الله، فينبغي تناولها استنادا إلى الأدلة المتعلقة بالتدريب والدعم والخبرات، مع تجنب تقديم أرقام محددة عن وجود مستشارين أو وحدات بعينها ما لم تُنسب إلى وثيقة أممية أو مصدر موثوق يمكن التحقق منه. فالتحليل الجاد لا يحتاج إلى تضخيم حجم الدعم الخارجي؛ إذ تكفي حقيقة أن الدعم التقني والعسكري، حين يقترن بقاعدة محلية وشبكات نفوذ ومؤسسات ضعيفة، يمكن أن يغير ميزان القوة بصورة ملموسة. وفي المقابل، لا ينبغي إغفال قدرة الحوثيين على اتخاذ قرارات تتصل بحساباتهم الخاصة، أو افتراض أن كل عملية عسكرية ينفذونها هي انعكاس مباشر لتوجيه خارجي. فالعلاقة بين الشركاء المسلحين أكثر تعقيدا من علاقة القيادة المباشرة بالتنفيذ.
سادسا: الجيش السابق وصالح..
من أبرز دروس الصعود الحوثي أن السيطرة على العاصمة لم تكن نتاج القوة الذاتية للحركة وحدها. فقد أسهمت الانقسامات داخل المؤسسة العسكرية والسياسية، وشبكات الولاء التي بناها النظام السابق، والتحالف المؤقت مع علي عبد الله صالح، في تغيير موازين القوة عام 2014. وهنا تظهر أهمية ما يمكن تسميته «رأس المال المؤسسي»: فالجماعة المسلحة قد تمتلك الدافع والقاعدة الاجتماعية والقدرة على التعبئة، لكنها تكتسب نفوذا مختلفا عندما تستفيد من خبرات عسكرية سابقة، أو من انهيار سلاسل القيادة، أو من انقسام مؤسسات الدولة بين مراكز قوى متنافسة. وقد أتاح التحالف مع صالح للحوثيين الاستفادة من تقاطع مصالح مع شبكات عسكرية وسياسية كانت لها خبرة طويلة في إدارة الدولة. لكن هذا التحالف لم يكن دائما، وانتهى بمواجهة بين الطرفين عام 2017 قُتل خلالها صالح.
وتكشف هذه التجربة عن أن التحالفات في الحروب الأهلية لا تقوم دائمًا على الثقة أو التقارب الفكري؛ فقد تنشأ من حسابات مؤقتة، ثم تتفكك عندما تتعارض المصالح أو تتغير موازين القوة. كما توضح أن انهيار الدولة لا يترك فراغا محايدا، بل يفتح المجال أمام الشبكات الأكثر تنظيما للاستيلاء على الموارد والمؤسسات وأدوات الإكراه. ومن ثم، فإن فهم القوة الحوثية يقتضي دراسة ما امتلكته الحركة من قدرات، وما ورثته أو استوعبته من مؤسسات الدولة، وما أتاحه لها ضعف خصومها من فرص. فالصعود العسكري لا يحدث في فراغ، بل في بيئة تتفاعل فيها القوة الذاتية مع أخطاء الخصم وتفكك النظام السياسي.
سابعا: لماذا لا تكفي القوة الجوية لحسم الصراع؟
تمنح القوة الجوية الدول المتفوقة قدرة على ضرب أهداف عسكرية، وتعطيل بعض المنشآت، ورفع تكلفة العمليات على الخصم. لكنها لا تضمن وحدها إنهاء حركة مسلحة تمتلك قاعدة محلية، وشبكات اجتماعية، وقدرة على التكيف، ومؤسسات حكم في المناطق التي تسيطر عليها. فالحوثيون ليسوا مجرد مجموعة من الأهداف الثابتة؛ إنهم تنظيم سياسي وعسكري يعمل داخل مجتمع متضرر من الحرب، وفي دولة تعاني انقساما مؤسسيا عميقا. ولذلك، فإن تدمير بعض القدرات لا يعني بالضرورة إنهاء مصادر التجنيد أو التمويل أو النفوذ. ويضاف إلى ذلك أن القدرات الصاروخية والمسيّرة والتهديدات التي تطال الملاحة البحرية تتيح للجماعة التأثير خارج المناطق التي تسيطر عليها مباشرة. وهذا يخلق معضلة استراتيجية: فقد تتعرض قدراتها لضربات مؤثرة، لكنها تحتفظ بوسائل محدودة نسبيًا تستطيع من خلالها فرض تكاليف أمنية واقتصادية على خصومها.
وقد أظهرت التقارير الحديثة عن تطور قدرات الحوثيين أن الجماعة تحولت من تمرد محلي إلى قوة قادرة على التأثير في أمن المنطقة والممرات البحرية. غير أن حجم هذا التطور وحدوده يجب أن يُقيّما وفق الوقائع المتاحة، لا عبر افتراض أن الحركة أصبحت قوة لا يمكن ردعها أو هزيمتها. المشكلة، إذن، ليست أن القوة الجوية عديمة الفائدة، بل أنها أداة محدودة عندما تُستخدم منفردة لتحقيق هدف سياسي شامل. فالضربات العسكرية قد تقلص القدرات، لكنها لا تنتج بمفردها تسوية سياسية، ولا تبني مؤسسات شرعية، ولا تعالج الانقسامات التي ساعدت الجماعة على الصعود. كما أن أي استراتيجية عسكرية لا تراعي حماية المدنيين والآثار الإنسانية قد تؤدي إلى نتائج عكسية، من خلال تعميق المظالم أو توسيع دوائر التعبئة أو إضعاف فرص التسوية. يمكن للطيران أن يغيّر ميزان المعركة، لكنه لا يستطيع وحده أن يصنع نظاما سياسيا قابلا للحياة.
ثامنا: ما وراء الحرب.. أزمة الدولة اليمنية
من الخطأ أن يُقرأ صعود الحوثيين باعتباره قصة جماعة نجحت وحدها في بناء قوتها، من دون النظر إلى إخفاقات الدولة اليمنية والتحولات التي أصابت النظام السياسي منذ عقود. فقد أسهمت الاختلالات المؤسسية، والتفاوتات الاقتصادية، وشبكات المحسوبية، والتنافس بين مراكز القوة، وضعف بناء مؤسسات وطنية جامعة، في خلق بيئة أصبحت فيها الجماعات المنظمة أكثر قدرة على استثمار الأزمات. وتشير دراسة برانت إلى أن الصراع في صعدة لا يمكن فهمه فقط من خلال التنافس الإقليمي أو الانقسام المذهبي، بل يجب ربطه أيضًا بالتحولات الاجتماعية والسياسية التي أعقبت ثورة 1962، وبالعلاقات بين الدولة والقبائل والنخب المحلية.
وهذا لا يعفي الحوثيين من مسؤولية ممارساتهم أو من تقييم طبيعة سلطتهم، لكنه يضع صعودهم في سياقه الكامل. فالتفسير الذي يحمّل العامل الخارجي وحده مسؤولية الأزمة يتجاهل جذورها المحلية، بينما التفسير الذي يركز على البنية اليمنية وحدها يتجاهل تأثير الدعم الإقليمي والتكنولوجيا العسكرية وشبكات النفوذ العابرة للحدود. إن الدولة الضعيفة تتيح للجماعات المسلحة توسيع نفوذها، والجماعات المسلحة بدورها قد تعمق ضعف الدولة، في حلقة متبادلة تجعل استعادة المؤسسات أكثر صعوبة مع مرور الوقت. ولذلك، فإن أي مقاربة جادة لمستقبل اليمن ينبغي أن تتجاوز سؤال كيفية إضعاف الحوثيين عسكريًا إلى سؤال أوسع: كيف يمكن بناء مؤسسات شرعية وقادرة، وتوفير ضمانات للمشاركة السياسية، ومعالجة المظالم المحلية، ومنع احتكار القوة خارج إطار الدولة؟
تاسعا: نحو مقاربة استراتيجية تتجاوز منطق القصف والشراء
إذا كان صعود الحوثيين نتيجة تفاعل الجغرافيا والقبيلة والأيديولوجيا وضعف المؤسسات والدعم الخارجي، فإن مواجهتهم لا يمكن أن تعتمد على أداة واحدة، ولا على افتراض أن المجتمع المحلي كتلة يمكن استمالتها بالمال أو إخضاعها بالقوة. إن تقليص مصادر الدعم العسكري الخارجي يتطلب عملًا دبلوماسيا واستخباراتيا وقانونيا منضبطا، وتعاونا دوليا يستند إلى أدلة موثوقة، مع مراعاة القانون الدولي وحماية المدنيين. كما أن الحد من التهديدات التي تواجه الملاحة البحرية يتطلب تنسيقا إقليميا ودوليا، إلى جانب معالجة أسباب التصعيد وفتح مسارات سياسية قابلة للاستمرار.
أما على المستوى الداخلي اليمني، فإن بناء بديل سياسي مقنع يظل عنصرا أساسيا. فلا يكفي أن يعارض المجتمع سلطة الحوثيين كي يقبل تلقائيا بخصومها؛ بل ينبغي أن يرى مؤسسات أكثر نزاهة، وأمنا أكثر استقرارا، وفرصا اقتصادية أفضل، وتمثيلا سياسيا لا يقوم على الإقصاء أو الانتقام. ويقتضي التعامل مع القبائل فهم تنوعها ومصالحها وخصوصياتها، وإشراك المجتمعات المحلية في ترتيبات الحكم والأمن، بدل اختزالها في حسابات مالية أو افتراض أن ولاءها قابل للشراء بصورة دائمة. فالتحالفات التي تُبنى على الإكراه أو المنفعة المؤقتة قد تنهار عندما تتغير الظروف، أما التسويات التي تستند إلى مصالح مشروعة وضمانات مؤسسية فلديها فرصة أكبر للاستمرار.
كما أن استعادة الدولة لا تتحقق بمجرد استبدال سلطة مسلحة بأخرى، بل تتطلب بناء قواعد للمساءلة، وإصلاح المؤسسات، وإعادة دمج القوى المحلية في إطار سياسي جامع. ومن هنا، فإن الاستراتيجية الأكثر واقعية ليست البحث عن ضربة حاسمة واحدة، بل بناء مسار متكامل يجمع بين احتواء التهديدات العسكرية، وتقليص الدعم الخارجي غير المشروع، وتوسيع البدائل السياسية، وتعزيز مؤسسات الدولة، ومعالجة الظروف التي تجعل العنف وسيلة مستمرة للمنافسة على السلطة.
خاتمة
إن الحوثيين ليسوا نتاج الجبال وحدها، ولا القبيلة وحدها، ولا إيران وحدها. إنهم نتاج تفاعل معقد بين بيئة جغرافية صعبة، وبنية اجتماعية متشابكة، وتحولات أيديولوجية وسياسية، ومؤسسات دولة ضعفت وانقسمت، ودعم خارجي عزز قدراتهم. وهذا التفاعل هو ما يجعل التعامل مع الجماعة أكثر تعقيدًا من مجرد حملة عسكرية. فالقوة الجوية قد تلحق أضرارا بقدراتها، والضغط الدبلوماسي قد يحد من بعض مصادر دعمها، لكن أي تقدم مستدام يتطلب معالجة البيئة السياسية والاجتماعية التي أتاحت لها التوسع. أما المجتمع القبلي اليمني، فلا ينبغي النظر إليه بوصفه كتلة تابعة للحوثيين، أو احتياطيا بشريا يمكن استمالته بالمال، بل باعتباره جزءًا من نسيج وطني متنوع، له مصالحه ومظالمه وتطلعاته، ولا يمكن فصل استقرار اليمن عن إشراكه في بناء مؤسسات شرعية. والأمر نفسه ينطبق على الزيدية: فهي تراث ديني واجتماعي أوسع من الحركة الحوثية، ولا يجوز الخلط بين الانتماء المذهبي والتأييد السياسي أو المسؤولية عن الممارسات المسلحة.
إن الرهان الحقيقي ليس في إثبات أن الحوثيين أقوى مما يعتقد، ولا في تصويرهم خصما لا يمكن هزيمته، بل في فهم مصادر قوتهم وحدودها، والتمييز بين ما يمكن معالجته عسكريا وما يحتاج إلى سياسة ومؤسسات وتسوية. فالحرب قد تدمر مخازن السلاح، لكنها لا تبني دولة. والضغط الخارجي قد يحد من قدرات جماعة مسلحة، لكنه لا ينتج وحده شرعية سياسية بديلة. أما التسوية المستدامة، فتبدأ عندما تصبح مؤسسات الدولة أكثر قدرة على حماية المجتمع من أن يكون رهينة للسلاح والولاءات المتنافسة. في اليمن، لا يكفي أن نعرف أين يقف الحوثيون، بل ينبغي أن نفهم كيف وصلوا إلى هناك، وما الذي يبقيهم، وما الذي يمكن أن يجعل استمرار سلطتهم أقل ضرورة في نظر المجتمع. عندها فقط ينتقل التحليل من وصف الحرب إلى فهم شروط إنهائها.
