بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
في تلك الليلة، تعلّمت ثلاجات فرنسا أن تُحمّى.ليس هذا مجازا. في بلدة لا هاي-دوبي بمنطقة المانش، فتح مدير متجر أنترمارشي جيريمي بيزيو باب غرفة التبريد عند السادسة صباحا، فوجد مقياس الحرارة يشير إلى خمسين درجة. وقف أمام ثلاثين مترا مكعبا من اللبن واللحوم والمواد المجمدة وهي تتعفن، وقال جملة واحدة: «القلب ينكسر». خمسون مترا مكعبا من البضائع، مائة ألف يورو من الخسائر، تتحول في صمت فجر واحد إلى نفايات. وفي الألزاس، خسر متجر إنترمارشي ومتجر سوبر يو معا مئتين وسبعين ألف يورو. وعلى المستوى الوطني، وجدت ثلاث مائة متجر من أنترمارشي ونيتو نفسها تحت أصبع واحد لا يُرى، ضغط زر «إذابة الجليد القسرية»، فرفع الحرارة إلى خمسين درجة، ست ساعات متواصلة. لا صواريخ. لا دبابات. لا عملاء. فقط حاسوب واحد، وثغرة برمجية قديمة، ونظام تحكم أنتجته شركة دنماركية وتوقفت عن تحديثه منذ سنوات.
هذه هي الحقيقة العارية لـ«السيادة الغذائية» الفرنسية في فجر الثاني عشر من أكتوبر 2026: إنها معلّقة على شريحة تحكم عن بعد، من إنتاج شركة دانفوس الدنماركية، بلغت «نهاية عمرها الافتراضي» منذ زمن. الرئيس الفرنسي يتحدث عن «السيادة الأوروبية» منذ سنوات. الجيش الفرنسي يملك الردع النووي. فرنسا عضو دائم في مجلس الأمن. ثم يأتي شخص مجهول، في مكان مجهول، فيحوّل طعام الفرنسيين إلى نفايات في ساعتين. هنا يكمن رعب فلسفي يبعث القشعريرة في الظهر. فرنسا لا تخاف عدوا محددا. إنها تخاف «غياب العدو» نفسه. النيابة العامة في باريس فتحت تحقيقا. الوكالة الوطنية لأمن الأنظمة المعلوماتية تدخلت. رئيس الوزراء لوكورني «يتابع الملف شخصيا». لكن لا أحد يعلن المسؤولية. لا طلب فدية. لا بيان سياسي. لا جماعة هاكرز ترفع العلم الفرنسي على الشبكة المظلمة. المحققون يواجهون فراغا: هجوم نقي إلى حد ميتافيزيقي، لا يريد مالا، ولا بيانات، ولا هدفا قابلا للتحديد. إنّه فقط يثبت شيئا واحدا: كل ما يمكن فتحه، يمكن إغلاقه. كل ما يمكن تبريده، يمكن تسخينه. وأنتم، يا فرنسيين، سلّمتم أمنكم الغذائي لهذا الشيء.
لنواجه عمق المسألة بصدق. المجتمع الحديث يخلط بين «الراحة» و«الأمن»، وبين «الاتصال» و«القوة». المتاجر الفرنسية، لتوفير كلفة اليد العاملة، نقلت مراقبة حرارة سلسلة التبريد من العامل البشري إلى المستشعرات المتصلة بالأنترنت، إلى نظام دانفوس السحابي، إلى حلول التحكم عن بعد «المعقولة في إدارة الطاقة». هذا اختيار عقلاني واقتصادي وحديث. وهذا الاختيار بالذات هو ما حوّل ثغرة أمنية في خادم دنماركي إلى كارثة جماعية في ثلاث مئة متجر فرنسي. قال خبير الأمن كين مونرو جملة قاسية: «هذه مسألة نظافة أساسية في الأمن السيبراني. أفسدها، وستحصل على كومة من الطعام المجمد المتعفن». ووجد مسح أجرته رويترز عبر أداة شودان أن ما لا يقل عن أربعة آلاف وخمس مئة منفذ دانفوس ظل مرئيا على الإنترنت حتى الثلاثاء التالي للهجوم. وقالت شركة أونيف الفرنسية للمسح الرقمي إن نسبة ضئيلة فقط من الأجهزة تشغّل أحدث نسخة من البرمجيات. هذا ليس ذكاء المهاجم. هذا نسيان المدافع. أو بالأحرى، النسيان الجماعي للنظام كله.
في العمق، يكشف هذا الهجوم حقيقة لا تريد فرنسا، ولا الغرب الحديث كلّه، الاعتراف بها: السيادة ليست تصريحا، بل ممارسة. يمكنك أن تلقي خطابا عن «الاستقلال الاستراتيجي» في قصر الإليزيه، لكن سيادتك يعاد تعريفها في الثالثة فجرا بثغرة برمجية لم تُرقّع. قالت دانفوس بوضوح إن الأجهزة المتأثرة «بلغت نهاية عمرها الافتراضي، ولم تعد تتلقى تحديثات برمجية أو أمنية». لكن لا أحد حدّثها. لأن التحديث يكلف مالا. لأن «الأمر كان يعمل دائما». لأن «هذا لن يحدث». ثم حميت الثلاجة. كتبت المفوّضة الفرنسية للغذاء هانسون على وسائل التواصل: «إساءة استخدام الغذاء أصبحت واقعا. الأمن الغذائي يحتاج إلى اهتمام أكبر في كل الأبعاد». قال صوابا. لكنه ربما لم يدرك أن الهدف الحقيقي لهذا الهجوم ليس الطعام. بل اليقين. ذلك الافتراض الذي نؤمن به جميعا في صمت، ولم نقله يوما بصوت عال: أننا نعيش في عالم مفهوم، مُدار، محمي. الفرنسيون يثقون في أن ثلاجاتهم ستبقى باردة، كما يثقون في أن حدودهم ستُحرس، وشبكاتهم ستُغذّي، ومستشفياتهم ستشتغل. ثم تأتي شيفرة برمجية فتحوّل هذه الثقة إلى نكتة.
وصف ريتو فيدرمير، محرر الأمن السيبراني في القناة السويسرية SRF، الهجوم بأنه «عملية حرب هجينة»، هدفها «إقلاق السكان، وربما إحداث موجات شراء مذعورة». قد يكون الحكم صحيحا. لكن الاحتمال الأكثر إقلاقا هو أن هذا ليس حربا أصلا. قد يكون مجرد «عبث طفل». شاب اكتشف ثغرة متاحة علنا، فضغط زرّا، لينظر ماذا سيحدث. وفرنسا، القوة النووية، وجدت نفسها عاجزة أمام هذا الزر. ثلاث مئة متجر أفرغت رفوفها. عشرات الأطنان من الطعام ذهبت إلى القمامة. وزراء دولة يعقدون اجتماع أزمة. لأن «طفلا» وجد الأمر مسليا. هذا هو العالم الذي وجدت فرنسا نفسها فيه. عالم انهار فيه منطق الردع. لا يمكننا أن نردّ على ثغرة برمجية بسلاح نووي. لا يمكننا أن نوقف أمرا عن بعد بحاملة طائرات. لا يمكننا أن نتفاوض مع عدو «بلا هوية». جنرالات فرنسا درسوا طوال عمرهم كيف يواجهون الدبابات السوفيتية على ضفاف الراين. والواقع أن عدوهم في هاتف ذكي قديم، وفي نظام موروث لشركة دنماركية، وفي سطر برمجي لا يريد أحد أن يدفع ثمن حذفه.
قال تييري كوتيار، رئيس أنترمارشي، جملة تستحق أن تنقش على مكتب كل وزير فرنسي: «نتحدث اليوم عن ثلاجات. غدا، عن ماذا؟». سؤال جيد. الثلاجة يمكن أن تذوب. لكن ماذا لو كان الهدف التالي شبكة الكهرباء؟ أو بنك دم المستشفيات؟ أو دائرة تبريد محطة نووية؟ أشار ضابط الدرك ألبان فوتييه، الذي يحقق في المانش، إلى هذا الاتجاه بوضوح: «من لحظة اتصال أشيائنا بالأنترنت، يمكننا اعتبارها هدفا محتملا». وذكر أجهزة التنفس ومضخات التسريب. «الأمن السيبراني لم يُؤخذ في الحسبان في كل مكان». «حُمّى» ثلاجات فرنسا إنذار. لكن الإنذار يعني أنك ستستيقظ. أما فرنسا، أو الحضارة الحديثة كلها التي تعتبر «الراحة» أمنا، فتبدو نائمة. نواصل تسليم البنية التحتية الحيوية لأرخص المتعاقدين. نواصل تشغيل برمجيات لم تُحدَّث. نواصل الإيمان بأن ما «لن يحدث» لن يحدث. ثم تحمى الثلاجة. تتحدث فرنسا عن «السيادة الغذائية» منذ سنوات. والآن عرفت الجواب: سيادتها، أي نسخة؟

من آفات سطوة الرقمنة: لل تفكر ، لا تميز بين الإنساني اوغيره، تشتغل بمنطق كوني، وإن اختلف عقلها لا تكترث بما يستشعره الإنسان. حصل التعفن أم لا ، هي لا تكثرت ، الإنسان وحده من يميز بين الأشياء.
لا مفر من الاعتماد على حواس الإنسان في مجالات تقتضي ذلك، عوض أواني التقنية.