كيف يقطع جرذ ثوب الكرامة الطبية الفرنسية؟

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس

الجرذ الذي ركض في ممر عمليات CHU في غوادلوب لم يعضّ كابلا كهربائيا، بل عضّ جرحا في كذبة وطنية… حين تقول الحكومة الفرنسية “لم يعد لدينا شحم”، فهي تقول في الحقيقة: “جُرذ في غرفة العمليات أمر يجب أن تتعوّدوا عليه.” حدث الأمر في أكتوبر 2026. المكان: المركز الاستشفائي الجامعي في بوانت-أ-بيتر، غوادلوب. جرذ ظهر في قسم العمليات. أحدهم رفسه، فانزلق تحت باب يؤدي إلى غرفة العمليات. امرأة تصرخ، وتضحك في الوقت نفسه. عشرون موظفا مارست “حق الانسحاب”. نصف غرف العمليات توقفت. غرفتا طوارئ فقط بقيتا تعملان لإنقاذ الحالات الحرجة. هذا خبر. لكنه ليس الحكاية. الحكاية أن حملات مكافحة القوارض كانت قد نُفّذت في 2 و9 أكتوبر، والثالثة في 12، والرابعة مبرمجة في 14. ماذا يعني  هذا؟ يعني أن المستشفى كان يعرف. كان يخوض حربا خاسرة سلفا، حربا بالمبيدات ضد تعفّن بنيوي. الجرذ ليس “دخيلا”، بل مقيم. إنه جزء من النظام. جزء يُنكره البيان الرسمي، تكشفه فيديو، يُرفس بقدم، ثم ينجح في النهاية في التسلل إلى غرفة العمليات. هذا يذكّرنا بمفارقة طبية قديمة: العرَض ليس المرض. الجرذ هو العرَض. فما المرض؟

المرض هو: نسبة الفقر في غوادلوب ضعف نظيرتها في فرنسا القارية – 34.21% مقابل 14.5%. المرض هو: النقابات في CHU تحذّر منذ سبتمبر 2025 من أن خدمات التمريض “في أزمة”. المرض هو: في ظل مشروع CHU الجديد المقرر تشغيله نهاية 2026، لا الموظفون تلقّوا تدريبا، ولا حصلوا على المعدات الموعودة. المرض هو: الاقتصاد الفرنسي سجّل في 2026 نموا بين 0.4% و0.5%، أي نحو ثلث نظيره لدى الجيران، والحكومة نفسها تعترف: “لم يعد لدينا شحم”. شحم. يا لها من كلمة حيّة. حين “لا يبقى لديك شحم”، هل تقلّص وتيرة مكافحة القوارض في غرف العمليات، أم تُقلّص عمال النظافة في الممرات؟ حين “لا يبقى لديك شحم”، هل تجمّد إعادة تقييم المعاشات، أم تجمّد توظيف تقنيي المستشفيات؟ حين “لا يبقى لديك شحم”، من يملك الشحم لا يلاحظ أي فرق. هو يذهب إلى العيادة الخاصة، إلى الطب في الخارج، إلى أماكن لا تدخلها الجرذان.

هذه معادلة محاسبية لن تكتبها الحكومة الفرنسية في بيانها الصحفي: ميزانية مكافحة القوارض في CHU بوانت-أ-بيتر + ملاك عمال النظافة + الصيانة الوقائية = فيديو جرذ واحد. فيديو جرذ واحد = حق انسحاب عشرين موظفا = إغلاق غرف العمليات = خطر على الأرواح. محاسبيا، هذه صفقة سيئة. سياسيا، هذه صفقة مثالية. لأن الجرذ قال نيابة عن الحكومة ما لا تجرؤ على قوله: طبكم العام يساوي هذا الثمن بالضبط. الآن، لنُبعد الكاميرا, قارئي العزيز, من غوادلوب إلى باريس، من غرفة العمليات إلى الجمعية الوطنية. الحكومة الفرنسية تُعدّ ميزانية 2027. وزارة المالية أعلنت: هدف العجز لن يتحقق، النمو “انخفض إلى النصف”، والوزير يقول إن تمرير الميزانية “ضرورة مطلقة” في أسرع وقت. ترجمة ذلك إلى لغة يفهمها الناس: سيكون هناك تقشف. السؤال فقط: من سيُقطع منه؟

لن يُقطع من الدفاع. لن يُقطع من فوائد الدين. لن يُقطع من أصحاب “الشحم”. سيُقطع من المستشفيات. من المعاشات. من رواتب الموظفين. من الأماكن التي استنفدت شحمها منذ زمن. غوادلوب ليست شذوذا في فرنسا. غوادلوب هي مستقبل فرنسا، وصلت مبكراً. حين يصبح التقشف قاعدة، وحين تصبح عبارة “لم يعد لدينا شحم” عقيدة رسمية، وحين تعتاد الردّ على الانهيار البنيوي بـ”تدخّل” تلو الآخر… سيدخل الجرذ من النافذة، لأن الباب تعفّن. لكن في الحكاية طبقة أخرى. إنها الضحكة.

في الفيديو، المرأة تصرخ، وتضحك. إنها ضحكة اليأس. ضحكة  من غرق في العبث إلى حدّ لم يعد أمامه سوى الضحك. إنها ضحكة كامو في “أسطورة سيزيف”: حين تدرك أن وضعك بلا معنى، وخيارك الوحيد هو كيف تواجهه. إنها ضحكة المتروكين. أما أهل فرنسا القارية فلن يضحكوا. سيرتاعون. سيتشاركون الفيديو. سيقولون “فظيع”. ثم ينتقلون إلى الفيديو التالي. لأن غوادلوب على أربعة آلاف ميل، والجرذ لا يجيد السباحة. لكن الجرذ يجيد الطيران. الجرذ يسافر مع موجات التقشف، مع سكين الميزانية، مع السردية الرسمية “لم يعد لدينا شحم”، حتى يصل إلى مرسيليا، ليون، باريس. مستشفيات باريس العامة تنهار أصلا. أوقات الانتظار تطول. الأسرّة تُغلق. الموظفون يحترقون. غوادلوب وصلت إلى هناك أولا. هذا كل ما في الأمر. فرنسا تضغط على غوادلوب. غوادلوب تضغط على الجرذ في غرفة العمليات. الجرذ يضغط على الممرضة. الممرضة تنسحب. المريض ينتظر. إنها سلسلة توصيل مثالية. الجرذ هو طرفها الأخير. وبدايتها في باريس، برلين، بروكسل، في تلك المكاتب التي تقول: “لم يعد لدينا شحم”.

إن انهيار الأطراف ينتقل إلى المركز. ما تفعله فرنسا في غوادلوب – استبدال “الإصلاح البنيوي” بـ”التدخل”، و”الاستثمار” بـ”التنظيف البيولوجي”،  و”الكرامة” بـ”حق الانسحاب” – سيُستخدم في النهاية في الداخل. ميزانية 2027 قيد الإعداد. المعاشات ستقلَّص. رواتب الموظفين ستجمَّد. ميزانية الصحة ستُحسَّن. وعندها، سيكون في مستشفى بضواحي باريس جرذ. ثم سيضحك أحدهم. ثم سيصرخ أحدهم. ثم سينسحب أحدهم. ثم سنقول: غوادلوب أخبرتنا منذ زمن. لكننا لن نسمع. لأننا لا نسمع أبداً. نشاهد الفيديو، نرتاع، ثم نمضي. أين الجرذ الآن؟ لقد دخل من الباب. إنه في غرفة العمليات. إنه ينتظر في مستقبلنا المشترك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *