بقلم د. عبد الفتاح نعوم-المغرب
وجود وزارة يعني، في مجال السياسات العامة، وجود مشكلة، والمشكلة ليست اضطرابًا، بل حاجة وجمهورًا وطلبًا. وبالتالي، فإن وجود وزارة لتدبير مجال معين يعني أن ثمة مشكلة، كما أن رفع اليد عن مجال بعينه هو أيضًا سياسة عمومية، لأن الضرورة قد تلزم الدولة برفع وصايتها عن مجال وفرضها على آخر. ولذلك، أوجز توماس داي السياسة العامة في تعريفه البليغ باعتبارها «كل ما تفعله الدولة وما لا تفعله». وتبعا لذلك، فإن الدول التي لديها نفط تُنشئ وزارات خاصة به، كما أن لبعض الدول وزارات مرتبطة بقضايا تعنيها في وقت من الأوقات، مثلما هو الشأن بالنسبة إلى وزارة فرنسية قديمة خاصة بأوقات الفراغ، ووزارة لليوغا في الهند، ووزارة للعزلة في بريطانيا، ووزارة لمكافحة تراجع تعداد السكان في اليابان، ووزارة للسعادة في الإمارات، وهكذا…
ونحن في المغرب، كانت لدينا وزارة خاصة بموريتانيا، واختفت باختفاء المشكلة. وقد تقلدها، مع نشأتها، أمير الترارزة فال ولد العمير، الذي ما يزال أشهر شارع في أكدال يخلّد اسمه إلى اليوم. وكانت لدينا وزارة لحقوق الإنسان، واختفت حينما لم تعد هناك مشكلة، ووزارة للداخلية والإعلام، واختفت حينما شبّ الإعلام عن طوق الداخلية، ثم اختفت نهائيًا حينما لم يعد الإعلام في حاجة إلى وصاية وزارية، تبعًا لمقتضيات الدمقرطة ومؤشراتها العالمية. وقد بدأ هذا مع حكومة العثماني الثانية. ولدينا وزير منتدب لدى وزير الدفاع لحل مشكلة وضع المؤسسة العسكرية تحت وصاية الحكم المدني.
كل هذا جيد، لكن الذي ليس منطقيا هو إفراد وزارة للذكاء الاصطناعي، ونحن ما زلنا نستهلكه فقط، وغالبًا بصورة غير سليمة، وإحداث وزارة منتدبة لتطوير الإدارة، برغم أن ذلك يعني جميع الوزارات، وانتداب وزراء لدى وزارات من قبيل الثقافة والتربية الوطنية، بشكل يوحي بأن الأغلبية، التي جرى ترقيعها بالتقدم والاشتراكية بعدما رقّع هو بالكاد فريقه البرلماني، اتفقت على الحصص أولًا، ثم قدّم كل حزب لائحة الاستوزار، وكان آخر ما جرى التفكير فيه هو الوزارات التي ستُسند إلى كل وزير مقترح. ولذلك، جاءت هندسة هذه الحكومة على هذه الشاكلة. ولولا وجود شخصيات من عيار لقجع والميداوي وحسن طارق، لكانت الحكومة مجرد ترقيات لموظفين إلى رتبة وزراء. ولولا وجود وزراء مسيّسين مثيرين للجدل، مثل وهبي، أو وزيرة «جوج فرنك»، لكان غياب الحماس وافتقاد ما ينشّط البطولة أمرا متوقعا بقوة. بل إن القول إن الأمر برمته أشبه بتعديل وزاري له وجاهته في هذا المضمار، إن لم يكن إبعاد المنصوري للمهاجري مرتبطًا بدفاعه عن تشكيلة وزارية لا تكون مجرد تعديل وزاري.
في تقديري المتواضع، ما زالت هذه الحكومة لم تبرح إشارات بلاغ الديوان الملكي، برغم تنصيب جلالته لها، لا سيما إشارات الفقرتين الأخيرتين: «الجدية» و«ضمان حسن سير المؤسسات». ذلك أن مجرد التعيين والتنصيب ومنح الثقة في البرلمان لا ينبغي أن تبعث على الاطمئنان، بصرف النظر عما يُرجَّح أنه جرى في الفترة الفاصلة بين إعلان الأغلبية وتعيين الحكومة أمام الملك، من اقتراحات كانت ستفجّر أحزابًا وتسيء إلى صورة البلد، الذي يحمد الله على أن له ملكًا يضمن حسن سير مؤسساته.
وعليه، فإن التشكيلات الحكومية، مهما جرت غربلتها، قد تبقى هشة وضعيفة، لأننا أمام مشهد حزبي معطوب، وثقافة حزبية مصلحجية مهيمنة داخل الأحزاب، تتخذ شكل «الشِّللية» و«المحاسيب»، وتمنع الأحزاب من تبيئة الكوادر وتقلّدها زمام المبادرة. ثم هناك ثقافة انتخابية معطوبة، تنتخب، طبيعيًا قبل أن تنتخب وضعيًا، النخب المزيفة فقط. ولذلك، تسقط الأغلبيات في أتون الضعف والترقيع. فضلا عن أن مجرد التموقع في السلطة يحوّل لغة السياسة كلها نحو الريع ومغانم المناصب. ولذلك، حتى المعارضات لا تفعل أكثر من المشاركة في طقس عبور تداولي فحسب، يجعل الحناجر تصدح، والعين على القادم، بمقدار ما «منين يدوز المخيط يتبعو الشريط»…
