بقلم زكية لعروسي, مديرة جريدة الورقاء-باريس
هناك رسائل تُقرأ مرة، ثم تنام في أرشيف الزمن. وهناك رسائل لا تنتهي عند آخر سطر، لأنّها في الحقيقة لم تكن مكتوبة بالحبر، بل بمصير الأمم. من بين آلاف الرسائل التي تبادلتها الملوك والإمبراطوريات، بقيت رسالة واحدة تتحدى المؤرخين والأدباء معا؛ لأنّها، مهما اختلفوا في ألفاظها، لم يختلفوا في أثرها. إنها الرسالة المنسوبة إلى الخليفة العباسي هارون الرشيد في جوابه على الإمبراطور البيزنطي نَقْفُورْ الأول. ولعلّها من أعجب مفارقات التاريخ: فالنّص الذي لا يتجاوز أسطرا معدودة، أنجب من الدّراسات ما لم تنجبه خطب طويلة، وأثار من الأسئلة ما لم تثره معارك كاملة. هل كتبها هارون كما نقرؤها اليوم؟ أم أنّ الرّواة، وهم ينقلونها عبر القرون، ألبسوها ثوب البلاغة، وزادوا فيها من حرارة الأدب ما لم يكن في أصلها؟
هنا يبدأ التاريخ…وينتهي الأدب. وتبدأ الحقيقة…وتولد الأسطورة. تروي المصادر الإسلامية أن نَقْفُورْ، بعد أن تولّى عرش القسطنطينية، بعث إلى هارون رسالة يتحدّاه فيها، معلنا انتهاء سياسة الإمبراطورة إيريني، ورافضا مواصلة ما كانت تؤدّيه من أموال للخلافة العباسية. أما جواب هارون، فقد حفظته الروايات بصيغ متعددة، أشهرها:
«بسم الله الرحمن الرحيم. من هارون أمير المؤمنين إلى نَقْفُورْ كلب الروم. قد قرأت كتابك، والجواب ما تراه دون ما تسمعه.»
ومنذ قرون، استقرت عبارة «كلب الروم» في الوعي الشعبي، حتى أصبحت جزءا من الصورة الذهنية لهارون الرشيد. لكن هل قالها فعلا؟ هذا هو السؤال الذي يفصل بين المؤرخ والأديب. فالمؤرخ لا يبحث عمّا يعجبه، بل عمّا تثبته المصادر. واليوم، يميل عدد من الباحثين إلى أن أصل المراسلات ثابت، وأن الحملة العسكرية التي أعقبتها لا خلاف عليها تقريبا، لكنهم يتوقفون عند الألفاظ نفسها. فعبارة «كلب الروم» لا ترد بالصيغة ذاتها في جميع الروايات المبكرة، ويرى بعض الدّارسين أنّها ربما كانت إضافة بلاغية من مؤرخ أو ناسخ أو أديب أراد أن يجعل الرسالة أكثر وقعا في النفوس.
غير أن السؤال الأعمق ليس: هل قالها؟ بل: هل احتاج إلى قولها أصلا؟ لقد فعل التاريخ ما لم تستطع العبارات أن تفعله. فبعد الرسائل، خرج هارون الرشيد على رأس جيشه، وعبر الأناضول حتى بلغ هرقلة، المدينة التي سيصفها ابن خلدون باسم إقليّة، ويصف فتحها بأنه «فتح الفتوح». هناك، عند الأسوار الحجرية، فقدت الكلمات سلطتها. لم تعد البلاغة هي التي تتحدث. بل الوقائع. في بعض الأحيان، لا تكون أقوى رسالة هي تلك التي تكتب، بل تلك التي تتحول إلى جيش. ولهذا بقيت عبارة واحدة خالدة، سواء أكانت نصّا أصيلا أم تلخيصا بليغا لما حدث: «والجواب ما تراه دون ما تسمعه.»
هذه ليست جملة. إنّها فلسفة كاملة في إدارة القوة. الكلمات، في السياسة، تعلن المواقف. أما الأفعال، فهي التي تمنح الكلمات معناها. ولو لم يخرج هارون إلى حملته، لتحوّلت الرسالة إلى سطر منسي في كتاب قديم. لكن الجيش هو الذي شرح الرسالة. والفتح هو الذي وقّعها. ولهذا فإنّ الباحث المعاصر، حين يقرأ هذه الرّواية، لا ينبغي أن يقع في فخين متناقضين: فخ التصديق المطلق لكلّ لفظ، وفخ الإنكار المطلق لكلّ رواية. فالتراث ليس سجلاّ صوتيا، بل ذاكرة بشرية، والذّاكرة لا تنقل الوقائع فقط، بل تنقل أيضا الطريقة التي أرادت بها الحضارات أن تتذكر نفسها. وهنا تكمن عبقرية هذه الرسالة.
سواء ثبتت عبارة «كلب الروم» حرفيا أم لم تثبت، فإن التاريخ لا يقيس العبارات بعدد حروفها، بل بما أحدثته من أثر. فما بقي في ذاكرة المسلمين والبيزنطيين لم يكن الشتيمة، وإنّما الحقيقة التي أعقبتها: حملة كبرى، ومدينة سقطت، وإمبراطور طلب الصلح، وحدث وصفه ابن خلدون بأنّه «فتح الفتوح». ولعلّ هذا هو الدّرس الذي يتجاوز القرن الثاني الهجري إلى كل الأزمنة. قد يختلف الناس في صياغة الرسائل. لكنّهم لا يختلفون طويلا أمام الوقائع. فالحبر قد يبهت. أمّا التاريخ، فلا يوقّعه إلاّ المنتصرون… ثم يعيد المؤرّخون قراءته، سطرا بعد سطر، بحثا عن الحدّ الفاصل بين الحقيقة التي وقعت، والرواية التي جعلتها خالدة.
📲 Partager sur WhatsApp
جميل وعميق. وقوف على سلطة الكلمة.، لما يتعلق الأمر بصراع القوى.