أنغولا والصراع داخل الحركة الشعبية لتحرير

بقلم: دون بيدرو سامبايو كاتب رأي بالتعاون مع فوكوس ميديتيرانيو

تشكل أنغولا واحدة من أكثر النماذج السياسية استمرارية في إفريقيا، إذ تواصل الحركة الشعبية لتحرير أنغولا (MPLA) احتكار السلطة منذ استقلال البلاد عام 1975، من دون أن تشهد الدولة أي تداول حزبي على الحكم حتى اليوم. وتمثل هذه الاستمرارية الإطار الأساسي لفهم طبيعة النظام السياسي الأنجولي، وآليات إدارة الدولة، وصراعات الخلافة داخل الحزب الحاكم. ولم يعد النقاش السياسي في أنغولا يقتصر على العلاقة بين السلطة والمعارضة، بل بات يتركز بصورة متزايدة على التوازنات الداخلية داخل الحركة الشعبية لتحرير أنغولا نفسها، باعتبارها المؤسسة التي تحدد الوصول إلى السلطة السياسية وإدارة أجهزة الدولة.

حكم جواو لورينسو وإعادة تشكيل موازين السلطة

تولى جواو لورينسو رئاسة الجمهورية عام 2017 في سياق انتقال داخلي للسلطة داخل الحركة الشعبية لتحرير أنغولا. ومنذ بداية ولايته ارتبط اسمه بعملية إعادة تنظيم مؤسسات الدولة، وبحملة واسعة لمكافحة الفساد أسفرت عن محاكمة واعتقال وإبعاد شخصيات نافذة كانت تنتمي إلى مركز النفوذ السياسي والاقتصادي في المرحلة السابقة. وقد انقسمت القراءات حول هذه الإجراءات؛ فبينما اعتبرها البعض محاولة لإعادة بناء مؤسسات الدولة وتعزيز الحوكمة، رأى آخرون أنها تعبر عن إعادة توزيع لمراكز النفوذ داخل المنظومة السياسية نفسها، أكثر من كونها تحولا جذريا في بنية الحكم.

الاحتجاجات والأمن والحقوق الأساسية

وثقت منظمات دولية، من بينها منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، خلال السنوات الأخيرة حالات متعددة لاستخدام مفرط للقوة من قبل الأجهزة الأمنية أثناء التعامل مع الاحتجاجات الشعبية، شملت استخدام الذخيرة الحية والغاز المسيل للدموع وأعمال الضرب بحق المتظاهرين. وفي عدد من الاحتجاجات المرتبطة بارتفاع تكاليف المعيشة وأزمات النقل والظروف الاقتصادية، سقط قتلى وجرحى، ونفذت حملات اعتقال واسعة، فيما أشارت تقارير دولية ووسائل إعلام إلى وقوع أحداث شهدت أكثر من عشرين قتيلا في بعض التظاهرات. كما دعت اللجنة الأسقفية لأنغولا وساو تومي في مناسبات مختلفة إلى احترام الحقوق الأساسية، وضبط استخدام القوة، واعتماد الحوار السياسي وسيلة لمعالجة الأزمات الاجتماعية.

الإعلام وصراع الروايات

يتسم المشهد الإعلامي في أنغولا بازدواجية بين الإعلام الرسمي والإعلام الخاص. فصحيفة جورنال دي أنغولا تمثل الإعلام الحكومي، بينما تؤدي الصحافة المستقلة دورا في تقديم روايات بديلة للأحداث السياسية والاجتماعية، وإن كانت تعمل ضمن ظروف مهنية وسياسية أكثر تعقيدا. ويعكس هذا التعدد الإعلامي صراعا أوسع حول تفسير الوقائع السياسية، وشرعية السلطة، وطبيعة إدارة الدولة.

الاقتصاد والبنية الاجتماعية

تشير بيانات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي إلى أن الاقتصاد الأنجولي لا يزال يعتمد بدرجة كبيرة على قطاع النفط، في وقت تواجه فيه البلاد مستويات مرتفعة من الفقر والبطالة، إلى جانب تحديات عميقة تتعلق بتنويع الاقتصاد وتحقيق التنمية المستدامة. وتؤثر هذه الاختلالات الاقتصادية بصورة مباشرة في تصاعد الاحتجاجات الاجتماعية وفي طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع.

الصراع داخل الحركة الشعبية لتحرير أنغولا ودور هيجينو كارنيرو

يعد هيجينو كارنيرو جنرالا متقاعدا وأحد القيادات البارزة داخل الحركة الشعبية لتحرير أنغولا، وقد شغل مناصب عسكرية وسياسية وإدارية مهمة، بينها حقائب وزارية ومناصب في إدارة عدد من الولايات. وتأتي رغبته في قيادة الحزب ضمن سياق التنافس الداخلي حول خلافة القيادة ومستقبل الحزب الحاكم، وهي منافسة تعكس المكانة المحورية للحركة الشعبية لتحرير أنغولا باعتبارها البوابة الرئيسية للوصول إلى السلطة السياسية في البلاد.

خاتمة

لا يزال النظام السياسي في أنغولا قائما على استمرارية الحركة الشعبية لتحرير أنغولا في الحكم منذ عام 1975، حيث تتحدد موازين السلطة بدرجة أكبر من خلال الصراعات الداخلية داخل الحزب الحاكم، أكثر مما تتحدد عبر المنافسة بين الأحزاب. وتبقى تجربة حكم جواو لورينسو محل تفسيرات متباينة؛ إذ يراها مؤيدوه مشروعا لإعادة بناء مؤسسات الدولة ومحاربة الفساد، بينما يعتبرها منتقدوه إعادة ترتيب لمراكز النفوذ، في ظل استمرار التحديات المرتبطة بالحريات العامة والأوضاع الاقتصادية والاحتقان الاجتماعي. وفي ظل هذا المشهد، تستمر السياسة الأنجولية في التشكل عبر تفاعل دائم بين الدولة والحزب الحاكم والمجتمع المدني ووسائل الإعلام الرسمية والمستقلة، وسط تنافس مستمر حول تفسير الواقع السياسي والاجتماعي ورسم مستقبل البلاد.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *