أوكرانيا: حين تبدأ الحروب في ابتلاع جنرالاتها

بقلم زكية لعروسي, مديرة جريدة الورقاء-باريس

ليست أخطر الحروب تلك التي تتقدّم فيها الدبابات.بل تلك التي تبدأ فيها الجبهات بالتكوّن داخل الخرائط نفسها. حين يصبح الصمت بين القادة أعلى صوتا من المدافع، وحين يتحول الخلاف الإداري إلى صدعٍ استراتيجي، يدرك المؤرخ أن الحرب دخلت مرحلة جديدة؛ مرحلة يقاس فيها الخطر بدرجة التآكل الذي يصيب روح الدولة. إن إقالة وزير دفاع في زمن السلم حدث سياسي. أما إقالته في قلب حرب مفتوحة، فيما تتعثر المفاوضات ويطول الاستنزاف، فهي ليست مجرد تعديل وزاري، بل إشارة تستحق القراءة. فالسلطة لا تغيّر وجوهها في أوقات النار إلا لأنها تبحث عن لغة جديدة لإدارة النار.

كل حرب تبدأ برصاصة. لكنها لا تستمر بالرصاص وحده. إنها تستمر بالإدارة، وبالاقتصاد، وبالثقة، وبالقدرة على إبقاء المؤسسات متماسكة رغم ضغط الزمن. وحين تظهر الخلافات إلى العلن بين القيادة السياسية والعسكرية، أو داخل المؤسسة العسكرية نفسها، فإن السؤال لا يعود: من المخطئ؟ بل يصبح: هل ما زالت الدولة قادرة على تحويل اختلافاتها إلى قوة، أم أن الخلاف بدأ يستهلك طاقتها؟ الحرب مخلوق غريب. في أيامها الأولى تصنع الأبطال. ثم تبدأ، ببطء، في اختبارهم. وبعد سنوات، قد تتحول إلى طاحونة لا تفرّق بين المنتصر والمهزوم، ولا بين السياسي والجنرال. إنّها تأكل الوقت أولا، ثم الموارد، ثم الأعصاب، وأخيرا اليقين. ولهذا كانت الحروب الطويلة أخطر من المعارك الخاطفة. فالاستنزاف لا ينهك الجيوش فقط. إنّه يرهق القرار نفسه.

منذ الإلياذة، لم تكن المعارك مجرد مواجهة بين جيشين، بل بين رؤيتين للقدر. كان أخيل ينتصر بقوة السيف، وكان أوديسيوس ينتصر بالحيلة، لكن كليهما كان يعرف أن الخلاف داخل الصف قد يكون أفتك من رماح العدو. لم يتغير الإنسان كثيرا منذ ذلك الزمن. تبدلت الطائرات المسيّرة مكان العربات الحربية، وحلّت الأقمار الصناعية محلّ العرّافين، لكن السؤال بقي كما هو: كيف تحافظ دولة على وحدتها بينما تستنزف كل يوم؟ السياسة، في زمن الحرب، تشبه قيادة سفينة وسط إعصار. كل تغيير في الطاقم قد يكون ضرورة. وقد يكون مخاطرة. وقد يكون الإثنين معا. ولا يستطيع المراقب الجاد أن يحكم من خارج المشهد إن كان القرار تعبيرا عن مراجعة استراتيجية، أم محاولة لإعادة توزيع المسؤوليات، أم نتيجة لخلافات تراكمت تحت ضغط الحرب. لكن المؤكد أن مثل هذه التحولات تترك أثرا في صورة القيادة، داخليا وخارجيا، وأن الخصوم والحلفاء يراقبونها بالقدر نفسه من الاهتمام.

أمّا المفاوضات… فهي أكثر الكائنات غرابة في الحروب. تولد وهي تعرف أنها قد تموت. وتجلس على الطاولة فيما المدافع لا تزال تتكلم. إنها تشبه جسرا يبنيه طرفان فوق نهر مشتعل. كلّ كلمة فيه أثقل من الرصاص. وكل صمت قد يكون بيانا. ولهذا فإن تعثر التفاوض لا يعني بالضرورة استحالته، كما أن مجرد انعقاده لا يعني اقتراب السلام. فالتاريخ مليء بمفاوضات طويلة لم تُثمر إلا بعد أن تغيّرت موازين القوة أو الإرادات السياسية. الحرب الأوكرانية لم تعد حدثا إقليميا. لقد تحولت إلى مختبر عالمي. فيها تختبر الأسلحة، والعقوبات، والاقتصادات، والإعلام، والتحالفات، وحتى قدرة الديمقراطيات والأنظمة السلطوية على تحمّل الصراعات الطويلة. إنها حرب على الأرض… وحرب على الزمن… وحرب على الرواية أيضا. كل طرف يحاول أن يربح الميدان، لكنه يحاول كذلك أن يربح التاريخ قبل أن يكتب.

وربّما لهذا السبب تبدو كل إقالة، وكل تصريح، وكل خلاف، أكبر من حجمها الظاهر. ففي الحروب الطويلة تصبح التفاصيل جبهات. والكلمات ذخيرة. والصمت قرارا سياسيا. ليس السؤال اليوم من سيربح المعركة التالية. بل من سيحتفظ بقدرته على اتخاذ القرار بعد ألف يوم أخرى من الحرب. فالانتصار العسكري قد يصنع في الميدان. أمّا الصمود التاريخي، فيُصنع داخل المؤسسات، حيث لا تسمع أصوات المدافع، لكن تحسم أحيانا مصائر الأمم.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *