بقلم الإعلامي حيمري البشير, كوبنهاكن- الدنمارك
ما يجري في غزة، وما شهدته وتشهده مناطق أخرى في لبنان، يفرض على الضمير الإنساني أن يتوقف مليا أمام حجم المأساة الإنسانية التي يدفع ثمنها المدنيون، من أطفال ونساء وشيوخ، وسط دمار ونزوح ومعاناة لا ينبغي أن تصبح مشهدا عاديا في عالم يدّعي الدفاع عن حقوق الإنسان. ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: أين الضمير العالمي؟ وأين المبادئ التي تتغنى بها القوى الكبرى حين يتعلق الأمر بالعدالة والكرامة الإنسانية؟ إن ازدواجية المعايير تفقد الخطاب الحقوقي مصداقيته، وتعمّق الشعور بالظلم لدى الشعوب. ولا يقل خطورة عن المأساة نفسها ما يرافقها من معارك إعلامية، إذ تتحول بعض المنابر إلى ساحات للاستقطاب، فتغيب أحيانا الصورة الكاملة، ويختلط الخبر بالرواية، ويصبح المدنيون مجرد أرقام في نشرات الأخبار.
إن الإعلام الحقيقي رسالته كشف الحقيقة، لا انتقاؤها، ونقل الوقائع بميزان الإنصاف، لا بميزان المصالح. إن استمرار القتل، والتجويع، والتشريد، وغياب المساءلة، لا يصنع سلامًا، بل يزرع بذور اليأس والكراهية، ويهيئ البيئة لدوامات جديدة من العنف والتطرف، يدفع ثمنها الجميع بلا استثناء. فالعدل ليس انتصارا لطرف على آخر، بل هو الضمانة الوحيدة لأمن الجميع. أما الأمة العربية والإسلامية، فإن ما تمر به يفرض عليها مراجعة صادقة للنفس، وتعزيز وحدتها وتضامنها، والتمسك بقيم العدل والرحمة والمسؤولية. قال تعالى: ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. إن النهوض بالأمة يبدأ بإصلاح أحوالها، والتمسك بقيم دينها في العدل والأمانة والوحدة والعمل. كما أن المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتق القادة تقتضي مواقف تتناسب مع حجم التحديات، وتغلّب مصالح الشعوب على الخلافات، وتسعى إلى حماية الإنسان وصون كرامته، والعمل الجاد من أجل وقف الحروب وإحياء مسار السلام العادل.

وإذا كانت بعض التصريحات الدولية الأخيرة قد حملت انتقادات للسياسات العسكرية الإسرائيلية، فإن أي موقف يدفع نحو خفض التصعيد، ووقف استهداف المدنيين، واحترام القانون الدولي، يظل خطوة تستحق البناء عليها، لا لأنها تصدر عن هذه الجهة أو تلك، بل لأن قيمة المواقف هي بقدرتها على حماية الأرواح وتقريب السلام. إن العالم اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الشعارات، بل إلى إرادة سياسية صادقة تنهي دوامة الدم، وتعيد الاعتبار للعدالة والقانون الدولي، وتؤكد أن حياة الإنسان ليست أقل قيمة باختلاف جنسيته أو دينه أو هويته. سيبقى صوت الحق أقوى من ضجيج السلاح، وستبقى العدالة مطلبا لا يسقط بالتقادم، مهما طال ليل الظلم.
📲 Partager sur WhatsApp