بقلم الإعلامي حيمري البشير,كوبنهاغن- الدنمارك
ليست قوة الأمم فيما تمتلكه من الجيوش والاقتصاد فحسب، وإنما فيما تستطيع أن تزرعه في وجدان الشعوب من احترام وإعجاب بحضارتها وتاريخها. والمغرب، بما راكمه عبر القرون من إرث حضاري عريق، كان من أوائل الدول التي أدركت أن القوة الناعمة هي الامتداد الحقيقي للتاريخ، وأن الثقافة أبلغ من السياسة في ترسيخ صورة الأمم في ذاكرة الإنسانية. ومن بين أبرز الشواهد التي تجسد هذه الرؤية الحضارية، الجناح المغربي في منتزه إبكوت ضمن عالم والت ديزني بالولايات المتحدة الأمريكية، ذلك المعلم الذي يعد تحفة معمارية استثنائية تنقل الزائر، منذ اللحظة الأولى، إلى قلب المدن المغربية العريقة، حيث يلتقي عبق التاريخ بروعة الفن الأصيل.

لقد جاء إنجاز هذا المشروع في عهد المغفور له جلالة الملك الحسن الثاني، طيب الله ثراه، الذي آمن بأن الحضارة المغربية تستحق أن تكون حاضرة في أكبر فضاءات العالم الثقافية والسياحية. فكان الجناح المغربي أكثر من مجرد فضاء للعرض؛ بل نافذة حضارية تنطق بلسان المغرب، وتروي للأجيال قصة أمة صنعت مجدها بالعلم والعمران والفنون والتسامح. وما إن يعبر الزائر بوابة الجناح حتى يشعر وكأنه انتقل من القارة الأمريكية إلى إحدى حواضر المملكة المغربية. الأزقة الضيقة، والساحات المزينة بالزليج الفاسي، والأقواس الأندلسية، والنقوش الجبسية الدقيقة، والأبواب الخشبية المنحوتة، والنوافير التقليدية، والحدائق الغناء التي تستحضر رياضات فاس ومراكش ومكناس، كلها عناصر تجعل المكان قطعة أصيلة من المغرب، نقلت بحرفية عالية إلى الضفة الأخرى من المحيط الأطلسي.

ويزداد هذا المشهد بهاء بالمسجد الذي يجسد روعة العمارة الإسلامية المغربية، وبالأسواق التقليدية التي تعرض إبداعات الصناع المغاربة، وبالمطعم الذي يقدم المطبخ المغربي الأصيل، حيث تمتزج نكهات الكسكس والطاجين والشاي بالنعناع في لوحة ثقافية متكاملة، تمنح الزائر تجربة لا تقتصر على المشاهدة، بل تمتد إلى معايشة تفاصيل الحياة المغربية بكل أصالتها. ولم يكن اختيار المغرب لهذا الحضور العالمي صدفة، بل كان امتدادًا لعلاقات تاريخية متينة بين المملكة المغربية والولايات المتحدة الأمريكية، وهي علاقات تعود جذورها إلى القرن الثامن عشر، حين كان المغرب أول دولة اعترفت باستقلال الولايات المتحدة سنة 1777، لتتشكل منذ ذلك التاريخ واحدة من أقدم العلاقات الدبلوماسية المستمرة في التاريخ الحديث.

لقد استطاع الجناح المغربي أن يقدم صورة مشرقة عن المملكة، بعيدة عن الصور النمطية، فعرف ملايين الزوار بعراقة الحضارة المغربية، وبالتنوع الثقافي الذي يجمع بين العمق الأمازيغي، والإرث العربي الإسلامي، والتأثير الأندلسي والإفريقي، في نموذج حضاري متفرد صنع شخصية المغرب عبر القرون. ولذلك لم يعد الجناح المغربي مجرد محطة سياحية داخل منتزه عالمي، بل أصبح مدرسة مفتوحة للدبلوماسية الثقافية، ومنبرًا للتعريف بتاريخ المغرب وقيمه الإنسانية، ورسالة حضارية تؤكد أن الأمم العريقة تخلد نفسها بما تتركه في ذاكرة الشعوب من أثر جميل.

وقد أعادت مشاركة المنتخب الوطني المغربي في المنافسات التي احتضنتها الولايات المتحدة تسليط الضوء على عمق العلاقات المغربية الأمريكية، حيث حظي المغرب بتعاطف وتقدير واضحين من الجماهير الأمريكية، وهو ما يعكس الرصيد الإيجابي الذي راكمته المملكة عبر عقود من الحضور الثقافي والإنساني داخل المجتمع الأمريكي. وفي السياق ذاته، تستمر العلاقات الثنائية في التطور على مختلف المستويات، بما فيها التعاون السياسي والاستراتيجي. كما تواصل الولايات المتحدة تأكيد دعمها لمبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب باعتبارها أساسًا جادًا وذي مصداقية لتسوية قضية الصحراء، وهو موقف ينسجم مع توجهات السياسة الأمريكية خلال السنوات الأخيرة، ويعكس متانة الشراكة بين البلدين.
إن الجناح المغربي في عالم والت ديزني ليس مجرد بناء من الحجر والزليج، بل هو وثيقة حضارية ناطقة، وشاهد حي على عبقرية الإنسان المغربي، وعلى رؤية ملك آمن بأن الحضارة لا تعرف الحدود، وأن الأمم التي تصون تاريخها وتعرضه للعالم بثقة، هي الأمم التي تكسب احترام المستقبل. رحم الله جلالة المغفور له الحسن الثاني، الذي ترك بصمات خالدة في مسار الدبلوماسية الثقافية المغربية، وجعل من الجناح المغربي في الولايات المتحدة منارةً تُعرّف الملايين بعظمة المغرب، وتدعوهم إلى اكتشاف وطن يمتد تاريخه لقرون، ويواصل اليوم، تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، تعزيز حضوره الحضاري والثقافي على الساحة الدولية.
📲 Partager sur WhatsApp