الفصل الرابع: الاتفاقيات الأربع عشرة…الشراكة المغربية الفرنسية من إعلان سياسي إلى منظومة نفوذ اقتصادي وأمني وتكنولوجي؟

بقلم زكية لعروسي, مديرة جريدة الورقاء-باريس

في العلاقات الدولية، لا تكمن أهمية الاتفاقيات دائما في عددها أو في العناوين التي تحملها، بل في قدرتها على خلق منظومات تعاون طويلة الأمد تغير طبيعة العلاقة بين الدول. ومن هذا المنظور، فإن الاتفاقيات الأربع عشرة التي وقعتها المملكة المغربية والجمهورية الفرنسية خلال الاجتماع رفيع المستوى بالرباط تمثل أكثر من مجرد إطار للتعاون القطاعي؛ إنها تعكس محاولة لبناء هندسة استراتيجية متكاملة تجمع بين الاقتصاد والأمن والتكنولوجيا والتنمية. فالدول لا تصنع التحالفات في القرن الحادي والعشرين فقط عبر المعاهدات العسكرية أو البيانات السياسية الكبرى، بل عبر تشبيك المصالح اليومية: شبكات النقل، والطاقة، والرقمنة، والتعليم، والبحث العلمي، والصناعة، وإدارة الموارد الحيوية. وهذا بالضبط ما تكشفه طبيعة الاتفاقيات المغربية الفرنسية الجديدة؛ فهي لا تبني جسراً واحداً بين البلدين، بل شبكة واسعة من الجسور تجعل العلاقة أكثر مقاومة للتقلبات السياسية وأكثر ارتباطا بالمصالح المتبادلة.

أولا: من العلاقة السياسية إلى الاعتماد الاستراتيجي المتبادل

الميزة الأساسية لهذه الاتفاقيات أنها تنقل العلاقة بين الرباط وباريس من مستوى التقارب السياسي إلى مستوى الترابط الاستراتيجي. فالتحالفات الحديثة لا تقوم فقط على توافق المواقف، بل على خلق مصالح مشتركة تجعل استمرار التعاون ضرورة بالنسبة للطرفين. عندما تتعاون دولتان في:

– الأمن والدفاع،

– البنية التحتية،

– الماء،

– البحث العلمي،

– الرقمنة،

– الثقافة،

– النقل،

فإن العلاقة تصبح أكثر عمقا من مجرد علاقة دبلوماسية بين حكومتين. إنμها تتحول إلى منظومة تشارك فيها المؤسسات، والجامعات، والشركات، والإدارات، والمجتمع الاقتصادي. وهذا النوع من العلاقات يكون عادة أكثر استقرارا، لأنه لا يعتمد فقط على إرادة سياسية ظرفية، بل على شبكة واسعة من المصالح.

ثانيا: النقل والبنية التحتية… الجغرافيا تتحول إلى قوة اقتصادية

من أبرز الملفات التي تعكس البعد الاستراتيجي للشراكة ملف النقل والبنية التحتية. ففي عالم أصبحت فيه سلاسل الإمداد العالمية عنصرا حاسما في القوة الاقتصادية، لم تعد الموانئ والسكك الحديدية والمطارات مجرد منشآت تقنية، بل أصبحت أدوات للنفوذ الجيو-اقتصادي. والمغرب أدرك مبكرا أهمية هذا التحول. فمشاريع مثل:

– تطوير الموانئ،

– توسيع شبكات القطارات،

– تحسين الربط بين المدن،

– تعزيز النقل الجوي،

ليست مجرد مشاريع داخلية، بل جزء من رؤية تجعل المملكة منصة بين القارات. والتعاون الفرنسي في هذا المجال يعكس إدراكا بأن المغرب يمكن أن يلعب دورا مركزيا في ربط أوروبا بالأسواق الإفريقية. فحين تصبح الرباط مركزا للنقل واللوجستيك، فإنها تتحول إلى نقطة عبور استراتيجية في الاقتصاد العالمي.

ثالثا: الماء والبيئة… الأمن الجديد للدول

من أهم دلالات الاتفاقيات المتعلقة بالماء والبيئة أنها تعكس انتقال العلاقات الدولية إلى مرحلة جديدة، حيث أصبحت الموارد الطبيعية جزءا من الأمن القومي. فالماء، في ظل التغيرات المناخية والجفاف المتزايد، لم يعد ملفا تقنيا فقط، بل أصبح قضية استراتيجية. والمغرب، الذي واجه خلال السنوات الأخيرة تحديات مرتبطة بالإجهاد المائي، يدرك أن إدارة الموارد المائية ستكون من أهم محددات التنمية في العقود المقبلة. لذلك فإن التعاون في:

– تدبير الموارد المائية،

– الهندسة الترابية،

– التكيف المناخي،

– التقنيات الحديثة،

يمثل استثمارا في أمن المستقبل. كما أن هذه الشراكة تمنح فرنسا فرصة لتعزيز حضورها في أحد المجالات التي ستكون حاسمة عالميا: اقتصاد التكيف مع المناخ.

رابعا: الرقمنة… معركة السيادة في القرن الحادي والعشرين

لم يعد النفوذ الدولي يقاس فقط بالطائرات والسفن والأسلحة، بل أيضا بالبيانات والتكنولوجيا والقدرة الرقمية. ولهذا فإن اتفاقيات التعاون في مجال التحول الرقمي والخدمات العمومية تحمل دلالة كبيرة. فالدولة التي تمتلك بنية رقمية متقدمة تمتلك قدرة أكبر على:

– تحسين الإدارة،

– جذب الاستثمار،

– حماية بياناتها،

– تطوير اقتصادها.

والمغرب، الذي يسعى إلى تعزيز موقعه كمركز إقليمي للتكنولوجيا والخدمات، يحتاج إلى شراكات مع دول تمتلك خبرات متقدمة. أما فرنسا، فهي تبحث بدورها عن توسيع حضور شركاتها التكنولوجية والرقمية في فضاء إفريقي واعد. وهنا تصبح الشراكة الرقمية بين البلدين جزءا من التنافس العالمي على اقتصاد المستقبل.

خامسا: البحث العلمي والتعليم… بناء القوة الناعمة للمستقبل

قد تكون اتفاقيات التعليم والبحث العلمي من أكثر الاتفاقيات تأثيرا على المدى الطويل. فالدول لا تبني مكانتها الدولية فقط بالمشاريع الاقتصادية، بل ببناء الإنسان. إن التعاون بين المؤسسات العلمية المغربية والفرنسية يمكن أن يساهم في:

– تطوير البحث الزراعي.

– تعزيز الابتكار.

– نقل التكنولوجيا.

– تكوين الكفاءات.

وهذا مهم خصوصاً في إفريقيا، حيث ستكون المعرفة والتعليم من أهم عوامل التنافس بين القوى الدولية. فالدولة التي تساهم في تكوين الأجيال المستقبلية لا تبني فقط علاقات سياسية، بل تبني روابط طويلة الأمد.

سادسا: الدفاع والأمن… من التعاون العسكري إلى الأمن الإقليمي

يكتسب الاتفاق المتعلق بالتعاون في مجال الأرشيفات العسكرية بعدا رمزيا، لكنه يأتي في سياق أوسع يرتبط بالتعاون الأمني والدفاعي بين البلدين. فالمغرب وفرنسا يتقاطعان في رؤية العديد من التحديات:

– الإرهاب العابر للحدود.

– عدم الاستقرار في الساحل.

– الجريمة المنظمة.

– أمن المتوسط.

وقد أثبتت التجربة أن الأمن في القرن الحادي والعشرين لا يمكن أن يكون محليا، لأن الأزمات تنتقل بسرعة عبر الحدود. ومن هنا، فإن التعاون الأمني بين البلدين لا يخدم مصالحهما الثنائية فقط، بل يرتبط باستقرار منطقة واسعة تمتد من أوروبا إلى غرب إفريقيا.

سابعا: الثقافة… البعد الذي يحمي العلاقة من التقلبات

رغم أهمية الاقتصاد والسياسة، فإن الثقافة تظل أحد الأعمدة الأساسية في العلاقات المغربية الفرنسية. فالعلاقات بين الشعوب أكثر عمقاً واستمرارية من العلاقات بين الحكومات. والتعاون الثقافي، ودعم المؤسسات المشتركة، وتعزيز حضور المغرب في المشهد الثقافي الفرنسي، كلها عناصر تساعد على بناء علاقة تقوم على المعرفة المتبادلة. وفي عالم تتصاعد فيه النزعات الهوياتية، تصبح الثقافة أداة للحوار وليس فقط للتعبير.

ثامنا: ماذا تعني هذه الاتفاقيات للمغرب؟

يمكن تلخيص المكاسب الاستراتيجية للمملكة في عدة مستويات:

1- تعزيز الثقة الدولية

كل شراكة استراتيجية مع قوة كبرى تعزز موقع الدولة في النظام الدولي.

2- جذب الاستثمار

العلاقات السياسية القوية تخلق بيئة أكثر جاذبية للمستثمرين.

3- نقل التكنولوجيا

خصوصاً في المجالات الرقمية والصناعية والعلمية.

4-دعم الدور الإفريقي

لأن المغرب يستطيع أن يصبح حلقة وصل بين الخبرة الأوروبية والأسواق الإفريقية.

5- تعزيز الاستقلالية الاستراتيجية

من خلال تنويع الشركاء وعدم الاعتماد على جهة واحدة.

تاسعا: ماذا تريد فرنسا من هذه الشراكة؟

كما يربح المغرب من هذه العلاقة، فإن فرنسا لديها حسابات استراتيجية واضحة. فهي تريد:

– الحفاظ على موقع مؤثر في غرب المتوسط.

– إعادة بناء حضورها في إفريقيا بطريقة جديدة.

– الوصول إلى أسواق واعدة.

– تعزيز التعاون الأمني.

– تطوير مشاريع مشتركة في الطاقة والبيئة.

وبالتالي فإن العلاقة ليست علاقة طرف يمنح وطرف يستفيد، بل علاقة مصالح متبادلة. تكشف الاتفاقيات الأربع عشرة أن الشراكة المغربية الفرنسية الجديدة لا تقوم على ملف واحد، بل على شبكة مصالح مترابطة. إنها محاولة لبناء نموذج جديد للعلاقات الدولية في منطقة المتوسط: نموذج لا يقوم على النفوذ التقليدي، بل على الشراكة، والاستثمار، والتكنولوجيا، والتنمية. لكن التحدي الحقيقي سيبدأ بعد التوقيع؛ فالقيمة الاستراتيجية لأي اتفاق لا تقاس بجمال صياغته، بل بقدرته على إنتاج مشاريع ملموسة، وخلق فرص اقتصادية، وتعزيز الأمن والاستقرار. فالاتفاقيات ترسم الطريق، لكن التنفيذ هو الذي يصنع التاريخ.

يتبع في الفصل الخامس والأخير:

“المغرب وفرنسا وإفريقيا 2035… هل نحن أمام ولادة قطب استراتيجي جديد في غرب المتوسط؟”

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *