لندن…عندما تصبح الأداة أبلغ من اللغة

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس

ليس أخطر ما في حادثة الطعن التي شهدها قلب لندن أن أربعة رجال سقطوا تحت نصل سكين. فالسكين، منذ أن عرف الإنسان الحديد، لم تكن سوى أداة. والخطر الحقيقي يبدأ عندما تصبح الأداة أبلغ من اللغة، وعندما يتحول الجسد إلى الرسالة الأخيرة التي يرسلها إنسان انقطع عن العالم حتى لم يعد يجد سوى العنف وسيلة ليعلن أنّه ما زال موجودا. لكن سيكون من الخطأ أن نختزل هذه الواقعة في قصة فردية، كما سيكون من الخطأ نفسه أن نحولها إلى نظرية سياسية جاهزة. فالتحقيقات لا تزال في بدايتها، والسّلطات البريطانية قالت إنّها تتعامل، حتى الآن، مع واقعة يشتبه في ارتباطها بأزمة في الصحة النفسية، وليس بعمل إرهابي. ومع ذلك، فإنّ الحوادث الفردية، أيا كانت أسبابها، تظل مرآة تعكس أسئلة حضارية أكبر من أصحابها.

لندن ليست مدينة. إنّها اختصار للعالم. كلّ قارة تركت فيها حجرا، وكل إمبراطورية مرت من هنا تركت لغة أو شارعا أو اسما. إنها مدينة صنعتها التجارة أكثر مما صنعتها الجغرافيا، وبناها التاريخ أكثر مما بناها الإسمنت. ولهذا فإن أي شرخ يظهر فيها لا يخص البريطانيين وحدهم، بل يخص صورة المدينة الغربية الحديثة نفسها. كان الفيلسوف توماس هوبز يعتقد أن الدولة ولدت لأنّ الإنسان خاف من عنف الإنسان. فأنشأ سلطة تحتكر القوة حتى يتحول الخوف من الآخر إلى ثقة في القانون. لكن القرن الحادي والعشرين أوجد معضلة لم يعرفها هوبز. فالدولة تستطيع أن تحتكر السلاح، لكنّها لا تستطيع أن تحتكر الألم. تستطيع أن تراقب الشوارع، لكنها لا تستطيع أن تراقب الانكسارات التي تحدث في الأعماق. وهنا يبدأ السؤال الذي يشبه المتاهة. لماذا يزداد الإنسان وحدة كلما ازداد اقترابا من الآخرين. لماذا تستطيع مدينة يسكنها ملايين البشر أن تنتج شعورا بالعزلة لم تكن تعرفه القرى الصغيرة. كأنّ المدن الحديثة لم تعد تجمع الناس، بل تجمع وحداتهم في مكان واحد.

في التراث العربي، تحدث ابن خلدون عن العمران، لكنّه لم يكن يقصد الحجر فقط. كان يقصد الروح التي تجعل الحجر وطنا. وكان يعلم أنّ المدينة لا تنهار عندما تتصدع جدرانها، بل عندما تتآكل الروابط التي تجعل الغريب يشعر أنّ الغريب الآخر ليس عدوا محتملا. هذا المعنى القديم يبدو اليوم أكثر حداثة من كثير من النظريات المعاصرة. لقد اعتقدت الحضارة الحديثة أن التكنولوجيا ستختصر المسافات بين البشر. لكنّها اختصرت المسافات الجغرافية، وتركت المسافات الوجودية تتسع. أصبح الوصول إلى أي إنسان في العالم يحتاج إلى ثانية، بينما الوصول إلى قلبه قد يحتاج إلى عمر كامل. وهكذا ولد تناقض لم تعرفه الحضارات السابقة. كثافة الاتصال، وفقر اللقاء. ولعلّ أخطر ما أنتجته المدن الكبرى أنها حولت الإنسان إلى كائن يمكن أن يختفي وهو واقف في منتصف الشارع. لم يعد الاختفاء يعني الغياب، بل يعني ألا يراك أحد حقا. أن تمر بين آلاف الوجوه من دون أن يلتقط أحد ارتجافة روحك. وفي هذه اللحظة، يصبح المجتمع غابة من المرايا. يرى الجميع صور الجميع، لكن أحدا لا يرى الإنسان نفسه.

إنّ بعض أشكال العنف ليست انفجارا للقوة، بل انهيارا للمعنى. حين يعجز الإنسان عن تفسير وجوده، يبحث أحيانا عن أي فعل يثبت به أنّه قادر على تغيير شيء، ولو كان هذا التغيير خرابا. لذلك كان رينيه جيرار يرى أنّ العنف ينتشر كما تنتشر العدوى، لأنه يقلد نفسه، ويعيد إنتاج منطقه كلّما فشلت المجتمعات في احتواء أسباب التوتر. غير أنّ المجتمعات الديمقراطية تواجه معضلة أخرى. فهي مطالبة بأن تحمي الأمن من دون أن تفقد إنسانيتها، وأن تتعامل مع الاضطرابات النفسية بجدية من دون وصم، وأن ترفض العنف رفضا مطلقا من دون أن تستسلم للتبسيط الذي يحول كل حادثة إلى شعار سياسي. وهنا تكمن عظمة الدولة الحديثة أو فشلها. ليس في عدد الكاميرات التي تراقب الشوارع، بل في عدد الأرواح التي تستطيع إنقاذها قبل أن تصل إلى حافة الانهيار. فالشرطة تصل بعد الحادثة، أما المجتمع الحقيقي، فيجب أن يصل قبلها.

إنّ الحضارات لا تموت لأنّ السكاكين ظهرت فيها. السكاكين قديمة قدم الإنسان. لكنها تبدأ في فقدان توازنها عندما يصبح عدد الذين يشعرون بأنهم غير مرئيين أكبر من عدد الذين يشعرون بأنهم جزء من قصة مشتركة. ربّما لهذا كان الشعراء العرب يقولون إنّ الديار لا تسكنها الجدران، وإنّما تسكنها القلوب. وإذا هجرت القلوب أماكنها، بقيت المدن قائمة، وبقيت الأبراج تعانق الغيوم، وبقيت القطارات تصل في موعدها، لكن شيئا لا تلتقطه الإحصاءات يكون قد غادر المكان. ذلك الشيء هو الطمأنينة. والطمأنينة ليست شعورا رومانسيا، بل هي أعظم إنجاز سياسي عرفته البشرية. إنّها اللحظة التي يمشي فيها الإنسان في شارع مزدحم، لا لأنّه يثق في الإسفلت، ولا في الإسمنت، ولا في كاميرات المراقبة، بل لأنّه يثق بأنّ المجتمع الذي بناه لم ينس أن الإنسان، قبل أن يكون رقما في سجل أو صورة على شاشة، هو عالم كامل، وإذا انكسر عالم واحد، فإنّ الحضارة كلها تسمع، ولو بعد حين، صوت ذلك الانكسار.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *