المغرب الصاعد وانتظار يقظة السياسة

بقلم حيمري البشير, كوبنهاغن – الدنمارك-باريس

ليست الأوطان مجرد خرائط وحدود، ولا تقاس عظمتها بما تختزنه الأرض من ثروات فقط، بل بما تمتلكه من رؤية قادرة على تحويل الأحلام إلى مشاريع، والطموحات إلى واقع يعيشه المواطن في تفاصيل حياته اليومية. ومن هذا المنطلق، يظل المغرب بلدا يحمل مؤهلات كبيرة، ورؤية واعدة لمستقبل أكثر إشراقا، غير أن هذه الرؤية، رغم وضوح معالمها في كثير من المحطات، لم تكتمل بعد على أرض الواقع بالشكل الذي ينتظره المغاربة. وليس ذلك بسبب غياب الإمكانات، بل لأن الإرادة السياسية، مهما بلغت قوتها، تحتاج إلى نخب قادرة على ترجمتها إلى سياسات عمومية ناجعة، وإلى أحزاب تمتلك تصورا واضحا للمستقبل، لا مجرد برامج انتخابية تنتهي بانتهاء الحملات. لقد تعاقبت على تدبير الشأن العام حكومات متعددة، واختلفت الوجوه والشعارات، لكن سؤال التنمية الحقيقية ظل يرافق المغاربة جيلا بعد جيل. ولذلك، فإن القضية اليوم لم تعد مرتبطة بتبادل الاتهامات أو بتحديد المسؤوليات الحزبية بالاسم، بقدر ما أصبحت مرتبطة بضرورة القيام بمراجعة جماعية صادقة لمسار طويل من التدبير السياسي الذي لم ينجح دائما في تحقيق ما كان ينتظره المواطن من عدالة اجتماعية، وتكافؤ للفرص، وكرامة اقتصادية.

ولا يمكن الحديث عن مستقبل المغرب دون استحضار أولئك الرجال والنساء الذين ناضلوا بإخلاص من أجل وطن أكثر عدلا وإنصافا، ودفع كثير منهم أثمانا باهظة دفاعا عن قناعاتهم، ورحل عدد منهم عن هذه الدنيا قبل أن يشهدوا الثمار التي حلموا بها. إن التاريخ لا يخلد الأسماء فقط، بل يخلد أيضا القيم التي حملها أصحابها، ولذلك فإن الوفاء الحقيقي لهم لا يكون باستحضار سيرهم، وإنما بمواصلة البناء على ما آمنوا به من خدمة للوطن فوق كل اعتبار. لقد تعب المغاربة من الانتظار. ليس لأنهم فقدوا الأمل، بل لأنهم يطمحون إلى أن يواكب الإيقاع السياسي التحولات الكبرى التي تعرفها المملكة. فالتغيير الذي ينشده المواطن ليس مجرد تغيير في الأشخاص، بل هو تغيير في طرق التفكير، وفي أساليب التدبير، وفي العلاقة بين المسؤولية والمحاسبة، وبين السلطة وخدمة الصالح العام. ومع ذلك، فإن الأمل لم يغادر وجدان المغاربة. فحين تضيق المسافات بين الحلم والواقع، يبقى الإيمان بالمستقبل أقوى من خيبات الحاضر. ويستمد هذا الأمل قوته من الثقة في الإرادة الإصلاحية التي يقودها جلالة الملك محمد السادس، والتي جعلت من المغرب ورشا مفتوحا للإصلاحات الكبرى، سواء على مستوى البنيات التحتية، أو المشاريع الاستراتيجية، أو الحضور الدبلوماسي المتوازن الذي أصبح يحظى باحترام متزايد على الساحة الدولية.

لقد استطاع المغرب، خلال السنوات الأخيرة، أن يرسخ موقعه كشريك موثوق، وأن يبني شبكة واسعة من العلاقات مع مختلف القوى الدولية، محافظا على توازن دقيق بين الشرق والغرب، وبين الشمال والجنوب، في عالم يزداد استقطابا وانقساما. وهذه المكانة لم تأت صدفة، وإنما هي ثمرة رؤية استراتيجية جعلت من المملكة فضاء للحوار، وجسرا للتعاون، ومنصة للتنمية المشتركة بين القارات. غير أن نجاح السياسة الخارجية لا يكتمل إلا بنجاح السياسات الداخلية. فالمواطن المغربي ينتظر أن ينعكس هذا الحضور الدولي على جودة حياته اليومية، وعلى المدرسة التي يتعلم فيها أبناؤه، وعلى المستشفى الذي يلجأ إليه، وعلى فرص الشغل التي تحفظ كرامته، وعلى إدارة عمومية تجعل من خدمة المواطن أولى أولوياتها. وفي هذا السياق، تبرز الجالية المغربية المقيمة بالخارج باعتبارها إحدى أكبر الطاقات الوطنية غير المستثمرة بما يكفي. فمغاربة العالم لا يمثلون فقط رصيدا بشريا واقتصاديا مهما، بل يحملون خبرات وتجارب تراكمت داخل أكبر الاقتصادات العالمية، وهم يعبرون باستمرار عن استعدادهم للمساهمة في بناء مغرب أكثر تنافسية وابتكارا. وما يحتاجونه، في المقابل، هو آليات مؤسساتية أكثر مرونة، وإرادة حكومية تجعل من هذه الكفاءات شريكا فعليا في صناعة المستقبل، لا مجرد مصدر للتحويلات المالية.

وتبدو الانتخابات التشريعية المقبلة فرصة حقيقية لفتح صفحة جديدة، ليس فقط عبر اختيار ممثلين جدد، وإنما من خلال تجديد الثقافة السياسية نفسها، بحيث تصبح الكفاءة والنزاهة والرؤية الاستراتيجية معايير أساسية في تدبير الشأن العام، بعيدا عن الحسابات الضيقة أو الوعود العابرة. إن المغرب اليوم لا يحتاج إلى خطاب يوزع الأمل دون عمل، ولا إلى معارضة من أجل المعارضة، ولا إلى موالاة بلا مساءلة. إنه يحتاج إلى نخب تدرك أن خدمة الوطن مسؤولية تاريخية، وأن المستقبل لا يبنى بالشعارات، وإنما بالكفاءة، والجرأة، والصدق، والقدرة على تحويل الإرادة السياسية إلى إنجازات يشعر بها المواطن في حياته اليومية. ويبقى السؤال الذي يطرحه كل مغربي غيور على وطنه سؤالا مشروعا وبسيطا في آن واحد: متى تصبح سرعة الأداء السياسي في مستوى سرعة التحولات التي تعرفها المملكة؟ إن الجواب لن تصنعه الكلمات وحدها، بل ستصنعه الإرادات الصادقة، والعقول المخلصة، والضمائر الحية التي تؤمن بأن الوطن أكبر من المصالح، وأن الأجيال القادمة تستحق مغربا يليق بتاريخها وطموحها. فالأوطان لا تنهض حين يختلف أبناؤها حول الماضي، بل تنهض حين يتفقون على صناعة المستقبل.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *