بقلم زكية لعروسي, مديرة جريدة الورقاء-باريس
كان الملوك قديما يرسلون الجيوش. ثم جاء عصر الدبلوماسية، فأصبحت السفارات هي التي تعبر الحدود. أمّا اليوم، فقد أصبح يكفي أن يعبرها منشور واحد. لم تعد الإمبراطوريات تحتاج إلى المدافع كي تدخل العواصم. يكفيها أن تدخل الهواتف. هناك، في الجيب الصغير الذي نحمله معنا كأنه عضو جديد من الجسد، تعاد كتابة السياسة كل صباح. ولعل هذا هو أعظم انقلاب عرفته الديمقراطية منذ اختراع صندوق الاقتراع. حين يعلن رجل يملك إحدى أكبر منصات التواصل في العالم دعمه لسياسي أو حزب في دولة أخرى، فإن الحدث يتجاوز حدود تصريح عابر. إنه يطرح سؤالًا فلسفيًا لم يكن مونتسكيو ولا روسو ولا توكفيل مضطرين إلى التفكير فيه: من يحكم الإرادة العامة في العصر الرقمي؟ هل الناخب؟ أم الخوارزمية؟
لم تعد السلطة تسكن القصور وحدها. لقد انتقلت إلى الخوادم الإلكترونية. في الماضي، كان السياسي يخطب في ساحة عامة. اليوم، يخطب أمام شاشة لا يعرف من الذي يقرر لمن ستصل كلماته أولا، ومن سيبقى خارج دائرة الضوء. لقد تحولت الخوارزمية إلى محرر غير منتخب للرأي العام. إنها لا تكتب المقال. لكنها تقرر من سيقرأه. وهنا يبدأ شكل جديد من السلطة. سلطة لا تحمل دبابة. ولا ترفع علمًا. ولا تحتاج إلى تأشيرة لدخول أي بلد. إذا كان تصريح إيلون ماسك المؤيد لمارين لوبان قد أثار الجدل، فليس لأن رجل أعمال أبدى رأيا سياسيا، فالرأي حق مشروع. بل لأن السؤال أصبح أكبر من الشخصين معا. ماذا يحدث حين يصبح مالك منصة عالمية فاعلا سياسيا يتجاوز الحدود الوطنية؟ وهل تكفي قوة الانتشار الرقمي لتغيير المزاج العام؟ هذه أسئلة يناقشها الباحثون وصانعو السياسات منذ سنوات، من دون أن تكون لها إجابات بسيطة أو حاسمة.

في الديمقراطيات الحديثة، تقوم الشرعية على فكرة بسيطة وعميقة: أن يختار المواطن بحرية. لكن الحرية لم تعد تختبر فقط داخل مركز الاقتراع. إنّها تختبر قبل ذلك بأشهر، وربما بسنوات، داخل فضاء رقمي تتنافس فيه الأخبار الصحيحة والمضللة، والتحليلات، والإعلانات، والخوارزميات التي تُرجّح ظهور محتوى على آخر. فهل الناخب يختار؟ أم يُوجَّه؟ وربما الأدق أن نقول: إنه يختار… ولكن داخل بيئة معلوماتية تؤثر في اختياراته. هناك مثل مغربي يقول: “ما قدّهم لا أخضر ولا يابس.” إنه وصف بليغ لعالم السياسة، حيث لا مكان للبراءة المطلقة، ولا للشيطان المطلق. السياسة ليست رواية أخلاقية. إنها ساحة تتقاطع فيها المصالح، والرموز، والاقتصاد، والإعلام، والتكنولوجيا. ولهذا فإن أي دعم عابر للحدود يُقرأ دائمًا في ضوء حسابات أوسع من مجرد الإعجاب بشخص أو برنامج. لكن هذه الحسابات تبقى مجالًا للتحليل، لا لليقين.
لقد تغيّر معنى الحدود. قد تعجز دولة عن عبور حدود دولة أخرى بجندي واحد. لكن فكرة تعبر في ثانية. وصورة تعبر في أقل من ثانية. وتغريدة قد تعبر العالم قبل أن يكتمل شرب فنجان قهوة. إن السيادة نفسها لم تعد محاطة بالأسلاك الشائكة. بل أصبحت تواجه سؤالا جديدا: كيف تحمي استقلال قرارها السياسي في فضاء رقمي عالمي؟ والأحزاب التقليدية تجد نفسها أمام خصم لا يشبه خصوم الأمس. فهي لم تعد تنافس حزبا آخر فقط. بل تنافس سرعة الانتشار، وقوة المنصة، ومنطق التفاعل، واقتصاد الانتباه. لم يعد السؤال: من يملك أفضل برنامج؟ بل: من يملك القدرة الأكبر على جذب العين قبل العقل؟

وربما كان أعظم وهم في عصرنا أننا ما زلنا نعتقد أن الانتخابات تبدأ يوم فتح صناديق الاقتراع. هذا صحيح من الناحية القانونية. أما من الناحية الثقافية والسياسية، فقد تبدأ الانتخابات قبل ذلك بوقت طويل، حين تتشكل القناعات، وتُبنى الصور الذهنية، وتتنافس الروايات في الفضاء العام. ومع ذلك، لا ينبغي القفز إلى استنتاج أن تصريحا واحدا، مهما كان صاحبه مشهورا، يحسم إرادة شعب كامل. فالناخبون الفرنسيون، كما في غيرهم من الديمقراطيات، يتأثرون بعوامل متعددة: الاقتصاد، والأمن، والهجرة، والثقة بالمؤسسات، والمناظرات، والحملات، والتجارب اليومية. وقد تؤثر الشخصيات العالمية في النقاش، لكن هذا لا يعني أنها تتحكم بنتائج الانتخابات.
لقد حلم فلاسفة التنوير بأن يكون العقل سيد السياسة. ثم جاءت الديمقراطية، فجعلت الشعب سيد السياسة. أما القرن الحادي والعشرون، فيسأل سؤالا مقلقا: هل أصبحت المنصة الرقمية شريكا جديدا في صناعة المجال العام؟ ليس لأنها تنتخب. بل لأنّها قد تؤثر في الطريقة التي يصل بها الناس إلى المعلومات، وفي إيقاع النقاش، وفي حجم حضور الأصوات المختلفة. ربما لم يعد أخطر سؤال في الديمقراطية هو: من سيفوز؟ بل: من يملك القدرة على تشكيل المسرح الذي تعرض عليه المنافسة؟ لأنّ من يملك المسرح لا يكتب النص بالضرورة…لكنّه يقرر أي الأضواء ستضاء، وأي المقاعد ستبقى في الظل. وعند تلك اللحظة، لا تعود السياسة مجرد صراع بين اليمين واليسار. بل تصبح سؤالا حضاريا: كيف نحافظ على حرية التعبير، وعلى سيادة القرار الوطني، وعلى نزاهة المجال العام، في عالم لا تعترف فيه الخوارزميات بالحدود، بينما لا تزال الديمقراطيات تقوم على حدود الدول؟
📲 Partager sur WhatsApp