البحر الذي يبتلع الأحلام لا الأقدام

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس

ثمة مآس لا يجوز أن تختزل في جدل سياسي عابر، ولا أن تتحول إلى مادة تتقاذفها نظريات المؤامرة. فحين تغرق شابة في العشرين من عمرها، تحمل في قدميها ذاكرة الملاعب وفي قلبها حلما بحياة تراها أوسع من حدودها، لا يكون البحر قد ابتلع جسدا فقط، بل يكون قد ابتلع مستقبلا كاملا كان يمكن أن يغير حياة أسرة، وربما مدينة صغيرة، وربما أطفالا كانوا سيرون فيها صورة لما يمكن أن يصبحوا عليه. موت لاعبة كرة القدم الشابة في طريقها نحو سبتة ليس خبرا في سجل الهجرة، بل سؤال وجودي يواجه ضمير العصر. كيف يصل إنسان في مقتبل العمر، يملك موهبة، وينتمي إلى فريق رياضي، إلى لحظة يصبح فيها الموج أقل رعبا من اليابسة التي يقف عليها. تلك اللحظة لا تولد في ليلة واحدة، بل تتكون ببطء داخل أعماق النفس، كما تتكون اللؤلؤة حول جرح صغير لا يراه أحد.

الهجرة ليست دائما هروبا من الفقر وحده. أحيانا تكون هروبا من ضيق الأفق، ومن الخوف من المستقبل، ومن الشعور بأن الزمن يتحرك في مكان آخر. الإنسان لا يغادر وطنه بسهولة. الوطن ليس قطعة أرض، بل هو اللغة الأولى، ورائحة الخبز، وصوت الأم، وضحكة الأصدقاء، والأزقة التي تحفظ وقع الأقدام. وحين يقرر أن يترك كل ذلك خلفه، فإنه يكون قد دخل معركة صامتة مع نفسه قبل أن يدخل البحر. البحر في حوض المتوسط لم يعد ماء فقط. لقد تحول إلى قاض أسطوري يجلس بين قارتين، يسأل كل عابر سؤالا واحدا: كم يبلغ وزن حلمك. بعضهم يعبر، وبعضهم يختفي، وكأنّ الأمواج ليست أمواجا، بل صفحات تمحو الأسماء قبل أن تصل إلى الضفة الأخرى. لقد صار المتوسط مقبرة بلا شواهد، يدفن الناس في عمقه كما تدفن السماء نجومها عند الفجر. غير أنّ المأساة تصبح أشد قسوة حين تتحول إلى مادة لتفسيرات جاهزة. فكلما وقعت كارثة إنسانية، ارتفعت أصوات تسارع إلى ردها إلى مؤامرة كبرى أو إلى تدبير مقصود من هذه الدولة أو تلك. لكن القراءة الرصينة تقتضي التمييز بين الوقائع المثبتة وبين التأويلات. فالهجرة غير النظامية ظاهرة معقدة تشارك في تشكيلها عوامل اقتصادية واجتماعية ونفسية وسياسية وشبكات تهريب عابرة للحدود، ولا يمكن تفسير كلّ مأساة إنسانية بسبب واحد أو رواية واحدة.

إن الزعم بأنّ دولة بحجم المغرب يمكن أن تجعل من حياة أبنائها وقودا لمناورة سياسية هو ادعاء يحتاج دائما إلى أدلة واضحة لا إلى انفعالات أو شعارات. فالدول قد تختلف، وقد تتوتر العلاقات بينها، لكن تحويل مآسي البشر إلى استنتاجات قطعية من دون برهان يظلم الضحايا قبل أن يظلم الآخرين. فالذين ماتوا عند البحر ليسوا بيادق على رقعة شطرنج، بل بشر لكل واحد منهم اسم، وأم، وحلم، وحكاية لم تكتمل. المغرب، مثل كثير من الدول، يواجه تحديات الهجرة، ويتعاون في ملفات متعددة مع شركاء إقليميين وأوروبيين، بينما تستمر في الوقت نفسه محاولات العبور غير النظامية التي تغذيها شبكات تهريب تستغل يأس الناس. والواقع أكثر تعقيدا من الروايات التي تبحث عن متهم واحد يفسر كل شيء. فحين تتشابك البطالة، والطموح، وصور الرفاه التي تبثها الشاشات، والضغوط الاجتماعية، والمهربون الذين يبيعون الوهم، يصبح الطريق إلى البحر أقصر من الطريق إلى اليقين.

والكارثة هنا ليست جغرافية فقط، بل نفسية أيضا. لقد صنعت وسائل الاتصال الحديثة عالما يرى فيه الشاب حياة الآخرين كل يوم، لكنه لا يرى غالبا سوى واجهتها اللامعة. يرى المدن المضيئة ولا يرى سنوات الغربة. يرى الرواتب ولا يرى الوحدة. يرى الأبراج ولا يرى النوم في مراكز الإيواء. وهكذا تتحول الصورة إلى ساحر قديم، يقنع الإنسان بأن الضفة الأخرى ليست مكانا، بل فردوسا مؤجلا. أما المهربون، فهم تجار الأوهام. لا يبيعون القوارب، بل يبيعون الأحلام. يعرفون أن الإنسان حين يفقد الأمل يصبح مستعدا لشراء المستحيل. لذلك يصنعون من البحر جسرا في كلماتهم، بينما هو في الحقيقة امتحان لا يرحم. إنهم لا ينقلون البشر فقط، بل ينقلون اليأس من اليابسة إلى الماء.

ولعل أكثر ما يؤلم في قصة هذه اللاعبة الشابة أن الرياضة نفسها كانت لغة للحياة. الملعب يعلم الانضباط، والعمل الجماعي، والإيمان بالغد. ومع ذلك، لم يكن ذلك كافيا ليقنعها بأن المستقبل يمكن أن يولد حيث كانت. وهذا يكشف أن القضية أعمق من فرد، وأعقد من حادثة، فهي ترتبط بكيفية بناء الأمل، وكيفية فتح آفاق واقعية للشباب، حتى لا يصبح البحر هو صاحب القرار الأخير. لا ينبغي أن يتحول موت الشباب إلى وقود للخطابات المتشنجة، ولا إلى مادة لتصفية الحسابات السياسية. فحين يغرق إنسان، لا يغرق في الماء وحده، بل يغرق معه شيء من إنسانيتنا جميعا. والبحر لا يسأل الضحايا عن جنسياتهم، ولا عن مواقفهم، ولا عن الشعارات التي كانوا يؤمنون بها. إنه يبتلعهم جميعا بالصمت نفسه. وستظل المأساة تذكرنا بأن أعظم انتصار ليس في الانتصار لرواية ضد أخرى، بل في بناء واقع لا يضطر فيه شاب أو شابة إلى أن يجعل من الموج آخر طريق نحو حلم كان من المفترض أن يولد فوق اليابسة، لا في أعماق البحر.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *