بقلم زكية لعروسي, مديرة جريدة الورقاء-باريس
ليس أخطر ما تفعله الحروب أنها تقتل البشر، بل أنها تعيد تعريف الأشياء. فالبحر الذي ولد ليكون ممرا بين القارات يتحول إلى متراس، والسفينة التي صنعت لتحمل القمح تصبح شاهدا خشبيا على مجاعة أخلاقية، والسماء التي كانت سقفا للأمل تغدو ورشة مفتوحة لصناعة النهايات. الحرب ليست انفجارا يقع في مكان بعيد، بل كائن هائل يتغذى على المعاني قبل أن يلتهم الأجساد. إنها لا تحرق المدن فحسب، بل تحرق اللغة التي تصفها، حتى تبدو الكلمات عاجزة عن احتواء ما يجري. وعندما تعجز اللغة يبدأ الخيال في بناء جسور من الاستعارات، لأن الحقيقة تصبح أكبر من القواميس.
هناك لحظة غامضة يتوقف فيها الزمن عن العد. ليست لحظة سقوط الصاروخ، بل اللحظة التي يدرك فيها العالم أن سفينة محملة بالغذاء يمكن أن تصبح هدفا، وأن الخبز نفسه قد يدخل قائمة المشتبه بهم. عندها لا يعود القمح نباتا، بل يصبح سؤالا أخلاقيا يطوف فوق الماء باحثا عن ضمير لم تغرقه المدافع. البحر في مثل هذه المشاهد لا يبدو ماء. إنه مكتبة كونية تحفظ أسرار الحضارات. كل موجة صفحة، وكل تيار هامش، وكل دوامة حاشية كتبها التاريخ بحبر من الملح. وعندما تخترق النار جسد سفينة، ترتجف المكتبة كلها، كأن كتابا عتيقا مزق أمام أعين الزمن.
الصاروخ ليس مجرد قطعة من معدن. إنه فكرة بلغت ذروة قسوتها. والسفينة ليست مجرد هيكل عائم، بل استعارة للحضارة وهي تحاول أن تمر بين أنياب الوحش. لذلك فإن الصدام بينهما ليس صداما عسكريا، بل مواجهة بين منطقين. منطق يبني الحياة حبة فوق حبة، ومنطق يهدمها بضغطة واحدة. ومن غرائب هذا العصر أن الخرائط لم تعد ترسم بالحدود، بل بمسارات الخوف. فكل بحر يحمل ذاكرة انفجار، وكل ميناء يحتفظ بصدى وداع، وكل أفق يخفي احتمالا جديدا للفقد. لقد أصبحت الجغرافيا شاعرا حزينا يكتب قصائده بلغة الدخان.
غير أن الحرب، مهما بلغت من بطش، تظل عاجزة عن فهم سر واحد. إنها تعرف كيف تكسر الأشياء، لكنها لا تعرف كيف تخلقها. تستطيع أن تغرق سفينة، لكنها لا تستطيع أن تزرع سنبلة. تستطيع أن تسكت صوت بحار، لكنها لا تستطيع أن تمنع البحر من ترديد حكايته مع كل مد وجزر. وهنا تتجلى المفارقة الكبرى. فالحضارة لا تقاس بعدد الصواريخ التي تمتلكها الأمم، بل بعدد الأرغفة التي تستطيع حمايتها. والقوة ليست أن تجعل السماء تمطر نارا، بل أن تجعل الأرض تنبت أملا. وما بين النار والسنبلة تقف الإنسانية كلها، كأنها ميزان دقيق لا يبحث عن منتصر، بل يبحث عن فرصة جديدة كي يبقى إنسانا.
ربما لهذا السبب لا تكون السفن مجرد وسائل نقل، بل رسلا صامتة تعبر البحار وهي تحمل في بطونها أحلام المزارعين، وعرق العمال، وانتظار الأطفال، وطمأنينة الأمهات. وعندما تصاب، لا ينزف الحديد وحده، بل ينزف ذلك الخيط الخفي الذي يصل الإنسان بأخيه الإنسان عبر الماء. سيكتب المؤرخون أسماء المعارك وتواريخها، وسيحصون الضحايا والخسائر، لكن البحر سيحتفظ برواية أخرى. رواية لا تتحدث عن المنتصر والمهزوم، بل عن الإنسان حين وقف بين السماء والماء، يحاول أن ينقذ آخر بذرة من طوفان الجنون. وهناك، في أقصى الأفق، حيث يلتقي الضوء بالموج، سيظل الأمل يمارس عناده القديم، لأن الحياة تملك موهبة عجيبة في الخروج من بين شقوق الخراب، ولأن المستقبل، مهما أثقلته الغيوم، لا يكف عن البحث عن نافذة يدخل منها النور.
📲 Partager sur WhatsApp