تصريحات وزير سابق بإمضاء لون كهوف الماضي؟

بقلم زكية لعروسي, مديرة جريدة الورقاء

كم يبدو الزمن كاذبا. ننظر إلى التقويم فنقرأ: 2026. ننظر إلى المختبرات فنرى الذكاء الاصطناعي. ننظر إلى السماء فنرى أقماراً صناعية ترسم خرائط الأرض في لحظة. ثم نلتفت فجأة إلى خطاب سياسي، فنشعر أننا عدنا قرونا إلى الوراء، إلى زمن كان الإنسان بلون جلده أكثر من اتساع عقله. فأي قرن هذا الذي نعيش فيه؟ هل دخلنا القرن الحادي والعشرين حقا، أم أنّنا حملنا معنا إلى المستقبل كهوف الماضي؟

عندما يقول رئيس وزراء إسباني سابق إن المنتخب الفرنسي فريق “بلا فرنسيين”، لا تبدو الجملة مجرد رأي في كرة القدم، بل تبدو كسقوط فلسفي مدوٍّ. كأن كل ما كتبته الإنسانية عن الحرية، وكل ما أنجزته من مواثيق لحقوق الإنسان، وكل الدماء التي سالت من أجل الكرامة، لم تكن سوى هوامش على كتاب قديم اسمه الخوف من الآخر. لكن السؤال لا يخص راخوي وحده. إنّه سؤال يخصنا جميعا. لماذا يخاف الإنسان من وجه يشبهه في الإنسانية ويختلف عنه في اللون؟ ولماذا لا يزال البعض يفتش في البشرة عن وطن، بينما الوطن يسكن الضمير؟ ومن الذي أقنع البشرية بأن الميلانين يمكن أن يكون برنامجا سياسيا؟ ألسنا أبناء الكوكب نفسه؟ ألسنا جميعاً غرباء فوق صخرة صغيرة تسبح في كون لا نهائي؟ كيف استطاع الإنسان أن يقيس سرعة الضوء، ويعجز عن قياس اتساع قلبه؟

المفارقة أن فرنسا نفسها، التي ولدت جمهوريتها من رحم ثورة رفعت شعار الحرية والمساواة والإخاء، ما تزال تجد نفسها مضطرة في كل جيل إلى الدفاع عن أبسط تعريف للمواطنة. وكأنّ الثورة لم تنته، بل غيرت فقط ميدانها؛ من اقتحام الباستيل إلى اقتحام العقول المغلقة. وليس هذا الخطاب بعيدا عما ردده إريك زمور، حين حاول أن يعيد تعريف فرنسا من خلال الدم لا من خلال القانون، ومن خلال الأصل لا من خلال الانتماء. إنها الفكرة ذاتها، وإن اختلفت الأصوات: تحويل الهوية إلى سجن، بعدما كانت وعدا بالتحرر. لكن ما هي الهوية؟ هل هي لون البشرة؟ أم اللغة؟ أم الذاكرة؟ أم ذلك الشعور الغامض الذي يجعل إنسانا يذرف الدموع وهو يسمع النشيد الوطني، حتى لو كانت جذور أجداده تمتد إلى قارة أخرى؟

ربما الهوية ليست جوابا أصلا. ربما هي سؤال مفتوح، يزداد عمقا كلما حاولنا إغلاقه. ولعل هذا ما تخشاه العنصرية؛ فهي لا تحتمل الأسئلة. إنها تريد عالما بسيطا، مقسوما إلى أبيض وأسود، إلى “نحن” و”هم”. بينما الحياة أكثر تعقيدا، وأكثر جمالا، وأكثر عدلا من كل التصنيفات. كرة القدم نفسها تسخر من هذه الأوهام. فالكرة لا تعرف الأعراق، والمرمى لا يسأل عن الأصول، والهدف لا يميز بين قدم سوداء وقدم بيضاء. وحده الإنسان هو الذي يصر على أن يزرع الأسوار في المكان الذي لم تخلق فيه الطبيعة أي أسوار.

وهنا ينهض سؤال آخر، أكثر إيلاما: من هو الغريب حقا؟ ذلك الذي يحمل لونا مختلفا ويحب هذا الوطن ويعمل من أجله ويفرح لانتصاراته؟ أم ذلك الذي يحمل اللون نفسه، لكنه يزرع الكراهية في قلبه كلّما رأى اختلافا؟ أيّهما أقرب إلى معنى الوطن؟ الذي يعيش قيمه؟ أم الذي يحتكر اسمه؟ تخبرنا الأساطير أن المتاهة لم تكن سجناً، بل امتحاناً. ومن يجد الطريق إلى المركز، يجد نفسه. وربما العنصرية هي متاهة العصر الحديث.

كل من يدخلها يظنّ أنّه يدافع عن الهوية، لكنّه يفقد إنسانيته قبل أن يصل إلى النهاية. إن الحضارات لا تموت حين تستقبل الغرباء، بل تموت حين تخاف منهم. ولا تنهار الأمم بسبب تنوعها، بل بسبب ضيق خيالها. وربما سيأتي يوم يضحك فيه أحفادنا من هذه النقاشات كما نضحك اليوم ممن كانوا يعتقدون أن الأرض مسطحة. سيقولون: أحقاً كان البشر يتجادلون حول لون لاعب يسجل هدفاً لبلده؟ يا له من عصر غريب! لكن، إلى أن يأتي ذلك اليوم، سيظل السؤال معلقاً فوق ملاعب كرة القدم، وفوق البرلمانات، وفوق حدود الدول، وفوق ضمائر البشر: هل نحن حقا في القرن الحادي والعشرين… أم أننا لا نزال نحمل في جيوبنا تقويما حديثا، بينما تسكن عقولنا عصور لم تنته بعد؟ وربّما لا يكون التقدم هو أن نصنع آلات تفكر، بل أن نتعلم أخيرا كيف نصبح بشرا، دون أن نسأل عن لون اليد التي تمتد إلينا.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *