حين تبحث شجرة الوطن تبحث عن أغصانها

بقلم زكية لعروسي, مديرة جريدة الورقاء

إلى أولئك الذين يحملون أمانة القرار، وإلى من أُسندت إليهم مسؤولية قراءة المستقبل قبل أن يصبح ماضيا… ليست كل القضايا الكبرى تولد في ساحات الصخب، فبعض الأسئلة العميقة تأتي مثل قطرة ندى على نافذة الفجر؛ هادئة، شفافة، لكنّها تحمل في داخلها صورة السماء كاملة. ومن بين الأسئلة التي تستحق أن تُقرأ بروح الحكمة لا بروح الاستعجال، سؤال مغاربة العالم: موقعهم، أدوارهم، ومساحة حضورهم في بناء الوطن.

لقد أصبح الحديث عن إشراك مغاربة العالم في الحياة السياسية حديثا واسعا، تتقاطع حوله الرؤى، وتكثر بشأنه المقترحات. وهذا في حد ذاته دليل على أن هذه الفئة لم تعد هامشا جغرافيا بعيدا، بل أصبحت امتدادا حيا للهوية المغربية في عالم متغير. غير أن الحكمة، قبل أن تبحث عن الأبواب الكبرى، تسأل عن المفاتيح الصحيحة. فليس كل جسر يبنى بالقفز فوق النهر، بل أحيانا يبدأ بحجر صغير يوضع بعناية في المكان المناسب. إنّ الوطن ليس فقط حدودا مرسومة على خريطة، بل هو تفاصيل دقيقة، ذاكرة يومية، نبض اجتماعي، وحركة مستمرة بين الإنسان والمكان. ومن هنا تأتي قاعدة عميقة عرفتها الإنسانية منذ القدم: من عاش تفاصيل المكان يعرف تضاريسه الخفية.

إن المغربي المقيم خارج الوطن يحمل معه كنزا عظيما: تجربة إنسانية واسعة، معرفة بلغات وثقافات متعددة، قدرة على التواصل مع العالم، ووفاء عميقا للجذور. لكنه، بحكم المسافة والزمن، قد لا يكون دائما الأقرب إلى الجزئيات الدقيقة التي تصنع الحياة اليومية داخل الوطن. وهنا تكمن الحكمة: ليس المطلوب أن نضع أبناء الجالية في مواجهة واقع لم يعيشوا تفاصيله، بل أن نضعهم في المواقع التي تتناغم مع تجربتهم الاستثنائية. إنّ السؤال الحقيقي ليس فقط: كيف نُدخل مغاربة العالم إلى المؤسسات السياسية داخل الوطن؟ بل السؤال الأعمق هو: كيف نجعل العالم الذي يعيشون فيه جسرا حقيقيا يخدم صورة المغرب ومصالحه؟

إنّ البداية الطبيعية، في تقديري، تمر عبر المؤسسات المغربية الموجودة خارج الحدود. فالسفارات والقنصليات والمراكز الثقافية ليست مجرد بنايات إدارية، إنها نوافذ الوطن المفتوحة على العالم. ومن يقف عند هذه النوافذ يجب أن يكون ممن يعرفون لغة الداخل والخارج معا. إنّ أبناء الجالية المغربية ليسوا كتلة واحدة من الحنين، بل هم طاقات علمية وفكرية وإنسانية هائلة: مهندسون، أطباء، باحثون، خبراء في القانون والاقتصاد، متخصصون في العلوم الإنسانية، مثقفون وفنانون. إنهم يحملون شهادة مزدوجة: شهادة الانتماء إلى المغرب، وشهادة التجربة العالمية. أليس من الإنصاف والحكمة أن يكون لهم حضور مؤسساتي واضح داخل فضاءات المغرب بالخارج؟

أليس من الطبيعي أن نجد في سفاراتنا وقنصلياتنا ومؤسساتنا الثقافية نسبة مهمة من أبناء وبنات الجالية، يساهمون في صياغة الخطاب الثقافي، وفهم قضايا المهاجرين، وبناء جسور التواصل بين المغرب والعالم؟ إنّ الدبلوماسية الحديثة لم تعد فقط ملفات سياسية واتفاقيات رسمية؛ إنّها أيضا ثقافة، وذاكرة، وحضور إنساني. والدول التي تفهم قوّة الإنسان لا تكتفي بتصدير صورتها، بل تجعل أبناءها شركاء في صناعتها. إنّ اعتماد حضور مؤسساتي لمغاربة العالم داخل فضاءات المغرب الخارجية ليس امتيازا يمنح لفئة معينة، بل استثمار في قوة ناعمة يملكها الوطن أصلا. لقد سبق أن رفعنا هذا التصور إلى الجهات المسؤولة، وخاطبنا القطاعات المعنية بالشأن الخارجي والثقافي والداخلي، لأنّنا نؤمن بأن القضايا الكبرى لا تُبنى بالقطيعة، بل بالحوار، ولا تحل بالسرعة، بل بالنضج.

وقد يبدو أحيانا أنّ بعض النداءات تسافر طويلا قبل أن تصل إلى أصحابها، لكنّها تبقى حية ما دامت تنطلق من قناعة صادقة ومن رغبة في البناء. إنّ مغاربة العالم لا يطلبون أن يكونوا ضيوفا على وطنهم، ولا يريدون أن تتحول علاقتهم بالمغرب إلى موسم عاطفي. إنّهم يريدون أن تكون محبتهم للوطن طاقة منظّمة، وأن يتحوّل انتماؤهم إلى مشروع مؤسساتي. فالوطن الكبير لا يخشى تعدد أصوات أبنائه، بل يعرف كيف يحول اختلاف تجاربهم إلى ثراء.

إنّ المغرب اليوم لا يحتاج فقط إلى من يحمل اسمه في الخارج، بل إلى من يحمل رسالته. ولا يحتاج فقط إلى تحويلات مالية تعبر الحدود، بل إلى عقول وخبرات تعبر المستقبل. فلنبدأ من حيث تكون الخطوة أكثر رسوخا. لنزرع حضور مغاربة العالم في مؤسسات الوطن خارج الوطن، حتى تصبح السفارة بيتا يعرف لغة المغترب، والقنصلية فضاء يشعر فيه المهاجر أن صوته مسموع، والمركز الثقافي جسرا تعبر فوقه صورة المغرب نحو الإنسانية. فالأشجار العظيمة ليست بعدد أغصانها فقط، بل بقدرتها على أن تمدّ جذورها بعيدا دون أن تفقد علاقتها بالأرض. ومغاربة العالم هم أغصان هذه الشجرة المغربية الممتدة في جهات الأرض الأربع. آن الأوان أن نمنح هذه الأغصان مكانها الطبيعي في صناعة الضوء.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *