بقلم زكية لعروسي مديرة جريدة الورقاء
ليست كل الاجتماعات تترك وراءها محضرا، فبعضها يترك وراءه زمنا جديدا. وهناك فرق شاسع بين قاعة تستضيف أشخاصا، وقاعة تستضيف فكرة وهي تعيد ترتيب خرائطها الداخلية. في الرباط، لم يكن فندق عابر هو الذي فتح أبوابه، بل بدا كأنه صفحة بيضاء قررت أن تمنح الحبر فرصة أخرى كي يعيد اكتشاف معنى الوطن. فالجدران التي اعتادت أن تحفظ أصداء المؤتمرات، كانت هذه المرة تنصت إلى شيء أكثر خفوتا وأكثر عمقا: صوت الدبلوماسية وهي تخلع ثوب البروتوكول لتلبس هيئة الفكرة.
الدبلوماسية، في معناها العميق، ليست حقيبة يحملها سفير، ولا مقعدا حول طاولة المفاوضات. إنّها ذلك الضوء الذي يسافر قبل صاحبه، وذلك الأثر الذي يصل إلى الآخر قبل أن تصل الكلمات. وسط هذا الأفق، انعقد الجمع العام السنوي للاتحاد المغربي للدبلوماسية الموازية. ولم يكن اللقاء مجرد محطة تنظيمية، لأن التنظيم، حين يكون غايته خدمة الوطن، يتحول إلى هندسة للمعنى، وإلى محاولة لإعادة ترتيب البوصلة كلما ازدحمت الجهات. اجتمع أكاديميون، وباحثون، وخبراء، وفاعلون مدنيون، كما لو أن المعرفة جاءت من ينابيع مختلفة لتصب في نهر واحد. وكان لكل صوت ظلّه، ولكل فكرة نافذتها، حتى بدا المشهد وكأن العقول لا تتحاور، بل تنسج قماشا واحدا اسمه المغرب.

وحين تحدث الرئيس المؤسس، الدكتور عيسى بابانا العلوي، لم يكن يخاطب الحاضرين وحدهم، بل كان يستدعي سؤالا أكبر من القاعة نفسها: كيف تستطيع الدبلوماسية الموازية أن تتحول من هامش مرافق إلى شريك يصنع الأثر؟ ذلك هو السؤال الذي يجعل المؤسسات الحية تشبه الأشجار؛ فهي لا تقاس بعلو أغصانها، وإنّما بقدرة جذورها على ملامسة المستقبل. وجاءت التقارير، والتعديلات، والنقاشات، والانتخابات، لا بوصفها إجراءات إدارية، بل باعتبارها فصولا من كتاب يريد أن يظل مفتوحا على الاحتمالات. فالقانون الأساسي ليس نصا جامدا، وإنما ذاكرة تتعلم كيف تمشي مع الزمن دون أن تفقد اسمها. أمّا الديمقراطية التي سادت أشغال الجمع، فلم تكن مجرد آلية انتخاب، بل كانت لغة هادئة يتحدث بها الاختلاف حين يقرر أن يخدم الفكرة بدل أن ينافسها. وفي لحظة أداء القسم، بدا المشهد وكأن الكلمات تتحول إلى مرايا، يرى فيها كل عضو صورته كما ينبغي أن تكون، لا كما هي. فالقسم، في جوهره، ليس وعدا يقال، بل طريقا يبدأ من الضمير قبل أن يصل إلى المؤسسة.

ثم جاءت برقية الولاء والإخلاص المرفوعة إلى صاحب الجلالة الملك محمد السادس، باعتبارها تعبيرا عن الثوابت التي يستند إليها العمل الوطني، وتجديدا للعهد بأن تظل خدمة الوطن هي البوصلة التي لا تتغير مهما تغيرت الفصول.ة ولعل أجمل ما في هذا الجمع أنه لم يكن يبحث عن تصفيق اللحظة، بل عن صبر البناء. فالدبلوماسية الموازية لا تصنعها الضوضاء، بل تصنعها العقول التي تعرف أنّ الأوطان، مثل النجوم، تبدو ثابتة من بعيد، لكنّها في الحقيقة لا تتوقف عن الحركة.

وهكذا، خرج المجتمعون، ولم تغادرهم القاعة. لأنّ بعض الأماكن، حين تسكنها الفكرة، تتحول إلى زمن. وبعض الاجتماعات، حين يكون الوطن موضوعها، لا تنتهي بإغلاق الأبواب، بل تبدأ عندها الحكاية. فالمغرب، وهو يوسع دوائر حضوره في العالم، لا يحتاج فقط إلى من يتحدث باسمه، بل إلى من يجعل اسمه مرادفا للمعرفة، والحكمة، والإشعاع. وهنا تبدأ الدبلوماسية الحقيقية… عندما تصبح الفكرة هي أول سفير، ويصبح الوطن هو اللغة التي يفهمها الجميع.
📲 Partager sur WhatsApp