في ولادة فكرة اسمها الدبلوماسية الموازية

بقلم زكية لعروسي مديرة جريدة الورقاء

ليست الأمم هي التي ترسم حدودها على الخرائط، بل الأفكار هي التي ترسم حدود الأمم في ذاكرة التاريخ. فالخرائط تتغير كلما تغيرت موازين القوة، أما الفكرة الصادقة فإنها تشبه نجمة قديمة، قد تغيب عن العين، لكنها لا تغادر السماء. لهذا لم يكن الجمع العام السنوي للاتحاد المغربي للدبلوماسية الموازية، الذي احتضنته الرباط، مجرد اجتماع تنظيمي يعيد توزيع المسؤوليات أو يجدد الهياكل. كانت القاعة، في حقيقتها، أقرب إلى مختبر هادئ يجري فيه العقل المغربي تجربة جديدة على الزمن، وكأن الوطن قرر أن يكتب فصلا آخر من سيرته، لا بالحبر الذي تستهلكه الإدارات، بل بالحبر الذي تصنعه الأفكار حين تنضج.

هناك، لم تكن المقاعد تستقبل أشخاصا فقط، بل كانت تستقبل أعمارا كاملة من البحث، وأصواتا جاءت من الجامعات، ومن مراكز التفكير، ومن الحقول القانونية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، كأن المعرفة المغربية خرجت من مكتباتها لتجلس حول طاولة واحدة، لا لتختلف، وإنما لتبحث عن اللغة التي يستطيع المغرب أن يخاطب بها العالم في القرن الحادي والعشرين. ولعل أكثر ما يمنح هذه التجربة خصوصيتها أن الاتحاد لم يولد من استعجال حدث، ولا من رغبة في ملء فراغ مؤقت. فالوثائق الاستراتيجية التي عرضت خلال الجمع تكشف أن بذرة المشروع غرست سنة 2010، ثم تركت لتنمو في هدوء خمسة عشر عاما، كما تنمو الأشجار العتيقة في صمت الجبال. لم يكن مؤسسو الفكرة يطاردون الزمن، بل كانوا يربونه، لأنهم كانوا يدركون أن الأفكار التي تولد قبل أوانها تشبه الثمار التي تسبق الربيع، تبدو جميلة، لكنها لا تعرف طعم النضج.

وحين أعلن عن ميلاد الاتحاد سنة 2025، لم يكن ذلك مجرد إعلان عن مؤسسة جديدة، بل بدا كأن فكرة قديمة خرجت أخيرا من مخطوطها السري لتتنفس هواء الواقع. وحتى اختيار هذا الميلاد قبيل الاحتفاء بعيد العرش لم يكن مجرد تزامن زمني، بل كان يحمل دلالة رمزية عميقة، مفادها أن البناء الفكري، مثل البناء الوطني، يحتاج إلى جذور تضرب في الثوابت قبل أن تمتد نحو المستقبل. ومن هنا، يقدم الاتحاد نفسه باعتباره جهازا فكريا مستقلا، لا تحدده الانتماءات السياسية أو الإيديولوجية أو النقابية، وإنما تجمعه فكرة واحدة: أن خدمة الوطن تبدأ من خدمة المعرفة. فهو لا يرى في الدبلوماسية الموازية طريقا ينافس الدبلوماسية الرسمية، بل امتدادا لها، تماما كما تمتد الأغصان من الجذع دون أن تنازعه مكانه. فالدولة هي القلب، أما المجتمع بعلمائه وباحثيه ومثقفيه وخبرائه فهو الدورة الدموية التي تحمل نبض هذا القلب إلى العالم.

وليس من قبيل المصادفة أن يستند هذا التصور إلى الرؤية الملكية التي بلورها صاحب الجلالة الملك محمد السادس في عدد من الرسائل والخطب السامية، منذ مطلع الألفية الثالثة، حين أكد أن الدبلوماسية لم تعد مجرد علاقات بين حكومات، بل أصبحت فضاء يشارك فيه العلماء والمفكرون والباحثون والفاعلون المدنيون، وأن الدفاع عن المصالح العليا للمملكة لم يعد حكرا على المؤسسات الرسمية، بل أصبح مسؤولية مشتركة تتسع لكل عقل يؤمن بالمغرب.

وهنا، تتغير صورة الدبلوماسية نفسها. لم تعد حقيبة جلدية يعبر بها السفير المطارات. ولم تعد طاولة مفاوضات تلتقطها عدسات الكاميرات. بل أصبحت كتابا يقرأ في جامعة. ودراسة تنجز في مختبر. ومقالا يغير فكرة. وباحثا يحول المعرفة إلى نفوذ. وأستاذا جامعيا يجعل من قاعة الدرس نافذة يطل منها الوطن على العالم. ولهذا، فإن الرأسمال الحقيقي الذي يتحدث عنه الاتحاد ليس رأسمالا ماليا، وإنما رأسمال فكري. فالثروة التي تراهن عليها الأمم في القرن الحادي والعشرين لم تعد تقاس بما تختزنه الأرض من معادن، بل بما تختزنه العقول من أسئلة. وحين تمتلك الدولة علماءها، فإنها تمتلك خرائط لا تستطيع الأقمار الصناعية أن تراها.

ومن هذا المنطلق، لا يقف المشروع عند حدود التنظير، بل يتجه إلى بناء أدوات عملية للقوة الناعمة المغربية. فمن بين المشاريع التي يعمل على تفعيلها، إحداث قطب للتميز يعنى بالدراسات والأبحاث المتعلقة بالصحراء المغربية، ليكون فضاء لتجميع الإنتاج العلمي الوطني والإفريقي والدولي، وتشجيع الباحثين على إنتاج معرفة رصينة وفق الأصول الأكاديمية. كما يعمل على إنشاء مكتبة رقمية تكون ذاكرة مفتوحة للفكر المغربي، وإطلاق برامج للتكوين تستهدف الباحثين الشباب، من أجل إعداد جيل يمتلك وعيا عالميا برؤية مغربية، قادرا على الحوار مع العالم دون أن يفقد هويته، وعلى الانفتاح دون أن يذوب في التبعية.

ويمتد هذا التصور إلى إطلاق منصة معرفية خاصة بالاتحاد، تجعل من الإنتاج الفكري فضاء للتعاون بين مختلف المؤسسات ذات الاهتمامات المشتركة، في محاولة لتحويل المعرفة من أرشيف ساكن إلى طاقة متحركة تصنع الأثر. أما على المستوى التنظيمي، فقد اعتمد الاتحاد نظاما داخليا جديدا يقوم على اثنتي عشرة لجنة متخصصة، تغطي مختلف مجالات العمل، في إشارة إلى أن الأفكار الكبرى لا تعيش في العموميات، وإنما في التخصص، وأن المستقبل لا يبنى بالمبادرات المتفرقة، بل بتكامل الاختصاصات.

ولم تكن الانتخابات التي عرفها الجمع سوى فصل من رواية أكبر. فالمؤسسات، في معناها العميق، لا تعيش بالأسماء، وإنما بالأفكار التي تعبر من جيل إلى جيل. وحتى القسم الذي أداه أعضاء المكتب المركزي بدا وكأنه جسر غير مرئي يصل الضمير بالفعل، ويذكر بأن المسؤولية ليست امتيازا، وإنما شكل آخر من أشكال الوفاء. ثم جاءت برقية الولاء والإخلاص المرفوعة إلى صاحب الجلالة الملك محمد السادس، تعبيرا عن ارتباط هذا المسار بثوابت الدولة، وعن قناعة بأن كل مشروع وطني يكتسب معناه حين يظل منسجما مع المصالح العليا للمملكة.

إن القيمة الحقيقية لهذا الجمع لا تكمن في عدد الحاضرين، ولا في عدد القرارات، ولا في عدد اللجان التي أحدثت. قيمته الحقيقية أنه أعاد طرح سؤال يبدو بسيطا، لكنه من أكثر الأسئلة تعقيدا في زمننا: هل تستطيع الفكرة أن تصبح مؤسسة؟ والجواب الذي يقدمه هذا المسار، كما تعكسه وثائقه وطموحاته، هو أن المؤسسات لا تولد من الإسمنت، وإنما من الخيال المنظم، ومن المعرفة حين تتحول إلى مسؤولية، ومن العقل حين يقرر أن يخدم الوطن قبل أن يخدم نفسه. فالدول لا تدخل المستقبل بجوازات السفر وحدها، بل تدخل إليه أيضا بكتبها، وجامعاتها، ومختبراتها، وباحثيها، ومثقفيها، وبكل فكرة تعرف كيف تعبر الحدود دون أن تطلب تأشيرة.

وربما لهذا السبب، لم يغادر المجتمعون القاعة فعلا. لقد خرجوا منها، بينما بقيت الفكرة جالسة إلى طاولة الوطن. وكانت، في هدوئها، ترسم للمغرب خريطة أخرى… خريطة لا تحدها الجغرافيا، بل يوسعها العقل، وتحرسها المعرفة، ويضيئها الإيمان بأن القوة الناعمة ليست ظلا للقوة، بل هي الضوء الذي يمنحها معناها.

📲 Partager sur WhatsApp

2 thoughts on “في ولادة فكرة اسمها الدبلوماسية الموازية

  1. صدقت دكتورة زكية ،
    ” الاتحاد المغربي للدبلوماسية الموازية ” أخذ وقته ليخرج إلى النور . لقد اختمرت الفكرة طيلة 15 سنة لتكون ولادة مشرفة تليق بمستوى رهانات أناس حملوا على عاتقهم مسؤولية تنزيل هذا المشروع على ارض الواقع ….

  2. حين تنتصر الفكرة على الحدث

    قراءة في مقال: «حين تجلس الفكرة إلى طاولة الوطن»

    بقلم ذ: حسناء رسلان

    ثمة مقالات تنتهي عند آخر سطر، وثمة مقالات تبدأ من هناك. وهذا النص من الصنف الثاني؛ إذ لا يبدو أنه كتب ليؤرخ لواقعة تنظيمية، بقدر ما كتب ليعيد الاعتبار للفكرة وهي تبحث عن مكانها داخل المشروع الوطني.

    اختارت الكاتبة أن تعبر إلى موضوعها من باب المؤسسة، لكنها لم تتوقف عند حدودها الإدارية. كانت ترى، فيما يبدو أن المؤسسة ليست مكاتب تفتح، ولا لوائح تصادق عليها، بل فكرة تنجح في أن تجد من يحملها بإخلاص. ولهذا لم يكن حديثها عن اللجان أو المنصة المعرفية حديثا عن تفاصيل تنظيمية، وإنما عن رؤية تؤمن بأن المعرفة لا تؤدي رسالتها وهي حبيسة الرفوف، وإنما حين تتحول إلى فعل وإلى مسؤولية.

    ما يلفت في هذا النص أن الكاتبة لم تنشغل بوصف الحدث بقدر ما  انشغلت بتأويله. فقد أخذت من وقائع الجمع العام ما يسمح لها ببناء سؤال أكبر و أعمق: كيف يمكن للفكرة أن تصبح مؤسسة؟ وهو سؤال لا يخص هذا الاتحاد وحده، بل يخص كل تجربة تريد أن تؤسس لعمل يتجاوز الأشخاص إلى القيم، ويتجاوز اللحظة إلى المستقبل.ولعل ما يمنح هذا السؤال خصوصيته أنه يلتقي، في جوهره، مع الرؤية التي قام عليها الاتحاد منذ تأسيسه، كما صاغها رئيسه المؤسس الدكتور عيسى بابانا العلوي، والقائمة على الإيمان بأن المؤسسات لا تبنى بالأشخاص وحدهم، وإنما تبنى بالأفكار التي تستمر وتتجدد، وبالمعرفة حين تتحول إلى مشروع يخدم الوطن.

    ففي تقديري، إن أجمل ما في المقال هو هذه الثقة الهادئة في المعرفة. لا تقدمها الكاتبة باعتبارها ترفا ثقافيا، ولا زينة لغوية، وإنما باعتبارها قوة ناعمة تصنع حضور الأوطان، وتمنحها القدرة على مخاطبة العالم دون أن تتخلى عن ذاتها. إنها  يا سادة ، دعوة إلى الانفتاح، نعم، لكنها دعوة لا تنسى أن الانفتاح الحقيقي يبدأ من الثقة بالنفس، لا من الذوبان في الآخر.

    ولعل هذا ما يفسر لغتها المفعمة بالصور. فهي لا تكتفي بأن تقول إن الفكرة باقية، بل تجعلها تجلس إلى طاولة الوطن بعد أن يغادر الجميع. صورة بديعة تختزل فلسفة النص كلها، فالأشخاص يرحلون والاجتماعات تنتهي، أما الأفكار الصادقة فتبقى لأنها وحدها القادرة على عبور الزمن.

    وربما كان هذا هو الرهان الحقيقي للمقال، أن ينقل القارئ من متابعة حدث إلى التفكير في معنى المؤسسة، ومن الاهتمام بالنتائج الآنية إلى التأمل في ما يبقى بعد انقضاء اللحظة. وهنا تكمن قوة النص، إذ يجعل من الخبر مناسبة للتفكير، ومن المناسبة سؤالا مفتوحا حول المعرفة، والالتزام، والوطن.
    ولعل أجمل ما يميز مثل هذه المقالات أنها لا تكتفي بالتنويه بالمنجز، ولا تقف عند حدود الاحتفاء بما تحقق، بل تتجاوزه إلى استشراف ما يمكن أن يكون. فالمقال الذي يظل أسير اللحظة ينتهي بانتهائها، أما المقال الذي يفتح أفقا للرؤية، فإنه يمنح القارئ فرصة للتفكير في المستقبل أكثر مما يدعوه إلى التصفيق للحاضر. ومن هنا، تبدو الكتابة الاستشرافية واحدة من أرقى وظائف المقال، لأنها لا تكتفي بوصف الطريق، بل تضيء ما ينتظرنا في نهايته.

    أحسب أن الكاتبة نجحت في أن تمنح حدثا مؤسساتيا روحا فكرية، وأن تكتب عن الوطن من زاوية أقل صخبا وأكثر عمقا ،حيث لا تقاس قيمة المشاريع بعدد ما تحدثه من ضجيج، بل بقدرتها على أن تترك فكرة قابلة للحياة. وربما لهذا انتهى المقال، بينما بقيت الفكرة، كما أرادتها الكاتبة، جالسة إلى طاولة الوطن، تذكرنا بأن الأوطان تبنى مرتين: مرة بالحجر، ومرة بالفكرة، وما يبقى في الذاكرة دائما هو ما شيد في العقول قبل أن يشيد على الأرض.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *