بقلم زكية لعروسي، رئيسة التحرير-باريس
ثمة شيء مهين قليلا في حكمة الطيور. الطائر لا يذهب إلى طبيب نفسي ليسأله إن كان مستعدا للرحيل. لا يعقد اجتماعا عائليا لمدة ثلاث ساعات لمناقشة إيجابيات وسلبيات الهجرة. لا يفتح تطبيقا للسفر، ولا يقارن أسعار التذاكر، ولا يسأل صديقه: «في رأيك، هل أبدأ حياة جديدة؟». وفوق ذلك كله، لا يحتاج إلى جواز سفر. يكفي أن تتغير كمية الضوء في السماء حتى يبدأ شيء غامض في داخله بالقول: الآن. ليس غدا. ليس عندما تتحسن الظروف. ليس عندما تنتهي مشاكل العالم. الآن. في تلك اللحظة، يبدو الطائر أكثر حكمة من الإنسان بطريقة تثير الغيظ. نحن نملك الساعات، والتقويمات، والأقمار الصناعية، والطائرات التي تعبر القارات في ساعات، ومع ذلك نقضي نصف حياتنا في السؤال نفسه الذي تحسمه الطيور بجناحين: هل حان وقت الرحيل؟
العلم يخبرنا أن المسألة ليست رومانسية تماما. كثير من الطيور المهاجرة تحمل في داخلها ساعة بيولوجية سنوية تضبطها، جزئيا، دورة الضوء. وحين يقترب موسم الهجرة تظهر لديها حالة من النشاط تسمى Zugunruhe؛ كأن جسد الطائر نفسه يصبح غير قادر على البقاء ساكنا. حتى الطيور التي تُربى في الأسر، بعيداً عن المشهد الطبيعي، يمكن أن تظهر عليها هذه الرغبة في الهجرة في الموعد نفسه تقريبا. والأكثر إدهاشا أن جزءا من هذا البرنامج وراثي؛ فقد احتفظت طيور من سلالات مختلفة بأنماط هجرة مرتبطة بأصولها، حتى عندما عاشت في الظروف نفسها. تخيلوا لو أن الإنسان كان يمتلك هذه الخاصية. في الواحد والعشرين من سبتمبر، مثلا، يستيقظ الموظف ويقول لزوجته: «لقد بدأت الـZugunruhe.» فتجيبه: «هل هي خطيرة؟» «لا أعرف. لكنني سأترك الشركة والبيت والمدينة.» «وماذا عن القرض؟» «ليت البنك يفهم لغة الطيور.»
لكن الإنسان، لحسن حظ البنوك وسوء حظه، لا يستطيع. إنه كائن معقد إلى درجة أنه قد يعرف أن مكانه انتهى، ثم يبقى فيه عشرين سنة إضافية. قد يعرف أن علاقة ما ماتت، ثم يشتري لها ستائر جديدة. قد يعرف أن مدينة لم تعد تشبهه، ثم يغيّر صورة حسابه على فيسبوك ويكتب: «بداية جديدة». وقد يعرف أن وطنا ما يضيق به، لكنه يظل جالسا أمام التلفاز يناقش الطقس. الطائر، في المقابل، لا يملك هذه الموهبة العبقرية في خداع نفسه. حين يأتي موعد الرحيل، لا يكتب منشورا عن «التغيير». يرحل. وهنا تبدأ الحكاية الأكثر غرابة. الطيور لا تهاجر لأنها تكره المكان الذي تغادره. وهذه نقطة ربما نحتاج نحن البشر إلى تعلمها.
الرحيل ليس دائما حكما أخلاقيا على المكان. أحيانا يكون مجرد اعتراف بأن الجسد يعرف شيئا لا يعرفه العقل بعد. الطائر لا يقول للغابة: «أنت فاشلة.» ولا يقول للشتاء: «أنت سام.» ولا يكتب رسالة وداع طويلة يحمّل فيها الأشجار مسؤولية فشل العلاقة. إنّه فقط يفهم أن الطعام سيتغير، وأن الحرارة ستنخفض، وأن فرصة البقاء ستصبح أقل. ثم يطير. نحن أكثر تعقيدا، ولذلك أكثر حماقة. نحن قادرون على تحويل الرحيل إلى مأساة شخصية، وعلى تحويل البقاء إلى بطولة، وعلى اعتبار تغيير المكان خيانة للماضي. كأن الإنسان، منذ اخترع فكرة «الوفاء»، قرر أن يعاقب نفسه بها.
لكن الطيور تعرف شيئا آخر: يمكنك أن تحب مكانا وأن تغادره. وهذه ربّما واحدة من أصعب الحقائق النفسية في العالم. فالطائر لا يمحو الشجرة من ذاكرته لأنّه طار. بل يحملها معه بطريقة لا نفهمها تماما. وعندما يعود، إذا عاد، لا يعود الطائر نفسه تماما. ولا المكان نفسه. حتى السماء التي تركها وراءه تكون قد تغيرت. الرحيل ليس انتقالا في الجغرافيا فقط. إنه عملية إعادة كتابة للذات. ولهذا ربما يكون أكثر ما يربك الإنسان في فكرة الرحيل هو أنه لا يخاف من الطريق بقدر ما يخاف من الشخص الذي قد يصبحه في نهايته. نحن لا نخاف دائما من المجهول. أحيانا نخاف من أن يكون المجهول أفضل من حياتنا الحالية. لأن ذلك سيجبرنا على الاعتراف بأنّنا بقينا طويلا في المكان الخط. وهذا الاعتراف مؤلم.
الطائر لا يعاني من هذه المشكلة. لا يملك غرورا كافيا ليقول: «لقد أمضيت خمس سنوات هنا، لذلك يجب أن أبقى.» ولا يقول: «ماذا سيقول الجيران؟» ولا يخشى أن يراه أحد على الطريق وهو يحمل حياته كلها في جسده. الطائر يملك شيئا لا نملكه نحن إلا نادرا: القدرة على المغادرة من دون أن يحوّل المغادرة إلى محكمة. والأغرب أن العلماء اكتشفوا أن بعض جوانب توقيت الهجرة مبرمجة وراثيا، وأن الاختلاف بين مجموعات الطيور يمكن أن ينتقل عبر الأجيال. أي أن هناك، داخل الكائن الصغير، نوعا من الذاكرة التي لا تحتاج إلى كتب ولا مدارس ولا أرشيفات. ذاكرة مكتوبة في الجسد. وهنا تصبح الطيور مرآة مخيفة للإنسان. كم شيء فينا موروث من دون أن نعرف؟ كم رحلة بدأها آباؤنا ولم يكملوها؟ كم خوفا ورثناه وسميّناه «حكمة»؟ كم سقفا منخفضا تعلمنا أن نسميه «الواقع»؟
وربما كان بعض ما نسميه شخصيتنا مجرد آثار أقدام لأشخاص سبقونا. الطائر يولد وفي داخله احتمال الرحيل. والإنسان يولد وفي داخله احتمال أن يبقى. وهذا هو الفرق بين جناحين وكرسي. لكن هناك مفارقة أخرى. الطيور لا تهاجر إلى عالم مثالي. إنها تطير فوق عواصف، وتواجه مفترسات، وتستهلك احتياطاتها من الطاقة، وتخاطر بالطريق نفسه. أي أنها لا تقول: سأرحل عندما يصبح الطريق آمنا.» لأن الطريق لن يصبح آمنا. إنها ترحل عندما يصبح البقاء أكثر خطرا من الرحيل. وهذه جملة تصلح لأن تُكتب فوق أبواب كثيرة في حياتنا. في الحب. في العمل. في السياسة. في المدن. وفي أرواحنا. البشر ينتظرون غالبا اللحظة التي يصبح فيها الرحيل آمنا. ولا تأتي. لذلك يبقون. ثم يسمون بقاءهم «صبرا». حتى يصبح الصبر اسما مهذبا للخوف. الطائر أكثر قسوة مع نفسه. إنه لا ينتظر ضمانات. ولا يملك تأمينا على الجناحين. ولا توجد شركة طيران ستعوضه إذا ضل الطريق. ومع ذلك يذهب. لكن الرحيل ليس دائما بطولة. هذه أيضا كذبة رومانسية يجب التخلص منها.
هناك طيور لا تهاجر لمسافات طويلة. بعضها مهاجر جزئيا، وبعضها مستقر. وحتى داخل النوع الواحد قد تختلف الاستراتيجيات بحسب السكان والبيئة. أي أن الطبيعة نفسها لا تقول لنا: «ارحلوا جميعا». إنها تقول شيئا أكثر ذكاء: اعرفوا متى يكون البقاء ممكنا، ومتى يصبح الرحيل ضروريا. وهذا، ربما، هو الدرس الحقيقي. ليست الحكمة في أن تكون دائما مسافرا. ولا في أن تكون دائما مستقرا. الحكمة في أن تعرف الفرق. الإنسان الحديث يملك مشكلة إضافية: لقد اخترع وسائل هائلة للرحيل، لكنه فقد أحيانا حاسة الرحيل. يمكننا أن نعبر المحيط في ساعات، لكننا لا نستطيع مغادرة علاقة في عشر سنوات. يمكننا نقل منزل كامل بين قارتين، لكننا نعجز عن نقل أنفسنا سنتيمترا واحدا خارج فكرة قديمة عن ذواتنا. يمكننا تغيير القارات بسهولة أكبر من تغيير رأي واحد. الطيور، المسكينة، لا تعرف شيئا عن كل هذا.
لذلك ربما هي أكثر حرية منا. وحين يأتي المساء، وترتفع أسرابها فوق المدن، قد يبدو المشهد للبشر جميلا. لكن ربما يكون في الحقيقة أكثر قسوة. لأن الطيور لا تصعد إلى السماء لتصنع صورة جميلة لنا. إنها تصعد لأن شيئا في دمها قال: حان الوقت. أما نحن فنقف تحتها، نراقبها، نلتقط الصور، ثم نعود إلى مكاتبنا. نقول: «يا لها من هجرة رائعة.» ثم نفتح البريد الإلكتروني. نجد الرسالة نفسها. العمل نفسه. الخوف نفسه. الحياة نفسها. والشتاء، في مكان ما داخلنا، بدأ منذ زمن. لكننا لم نلاحظ. ربما لأننا لا نملك جناحين. أو لأننا نملكهما، لكننا أقنعنا أنفسنا بأنهما مجرد ذراعين.
وربما يكون أعظم ما يمكن أن نتعلمه من الطيور ليس كيف نهاجر، بل كيف نصغي. إلى الضوء. إلى الجسد. إلى الخوف حين يصبح إنذارا لا جبنا. إلى الرغبة الغامضة في الطريق. إلى ذلك الصوت الصغير الذي يظهر أحيانا في آخر الليل، حين يصمت كل شيء، ويقول: لم يعد هذا المكان لك. لا تصرخ. لا تبرر. لا تكتب بيانا. فقط ارفع رأسك. فوقك، سرب من الطيور يعبر السماء. والمضحك أن الطيور لا تعرف الفلسفة. لكنها، بطريقة ما، تمارسها. أما نحن، فنقرأ الفلسفة عشرين عاما كي نتعلم أخيرا ما تعرفه منذ آلاف السنين: أن بعض الطرق لا تُكتشف عندما نعرف إلى أين نذهب. بل عندما نفهم أن البقاء في مكاننا أصبح هو الطريق الخطأ.
