طلاق بوتين ولو بنسخة فرنسية: هل غادرت لوبين موسكو أم غيّرت عنوانها؟

بقلم زكية لعروسي، رئيسة التحرير-باريس

في السياسة، لا أحد يموت حقا. حتى المواقف القديمة لا تُدفن؛ تُغسل، تُعطّر، وتُعاد إلى الواجهة في بدلة جديدة، ثم يُطلب من الجمهور أن يتعرّف إليها من دون أن يسأل أين كانت طوال السنوات الماضية. وهكذا تظهر مارين لوبين اليوم أمام روسيا بوجه أكثر برودة، كأن بينهما فاتورة كهرباء متأخرة لا قصة سياسية عمرها عقد كامل. بالأمس كان فلاديمير بوتين، في قاموسها، رجلا يستحق «الإعجاب» و«الاحترام»، وكانت روسيا فضاء للحضارة والسيادة والاستقلال. واليوم صار الكرملين، في بيان مشترك مع جوردان بارديلا، مصدر «أعمال عدائية» ومحاولات ترهيب وزعزعة، لا يجوز لها أن تملي على فرنسا سياستها. فهل وقع الطلاق؟

ربما. لكن السؤال الأكثر إثارة ليس: هل طلّقت لوبين بوتين؟ بل: أي نسخة من عقد الزواج هي التي انتهت؟ لأنّ السياسة لا تعرف كثيرا طلاقا بالثلاث. إنها تعرف شيئا أكثر دهاء: الطلاق العرفي، حيث تُغلق الأبواب أمام المصورين، وتبقى نسخة المفتاح في جيب أحد الطرفين. في 2014، لم تكن العلاقة مجرد ابتسامة عابرة أمام عدسات الكاميرات. كان الخطاب واضحا. تحدثت لوبين عن «إعجاب» ببوتين و«احترام هائل» لروسيا، وفي العام نفسه حصل حزبها، الجبهة الوطنية آنذاك، على قرض بقيمة 9 ملايين يورو من First Czech Russian Bank، التي كان مقرها في موسكو. لوبين نفسها دافعت عن القرض ورفضت الربط بين التمويل ومواقف الحزب من روسيا، بل قالت إن الحزب كان أصلا على الخط الروسي نفسه.

ثم جاءت السنوات التي بدت فيها موسكو وكأنها غرفة جانبية في البيت السياسي الفرنسي. في 2017 استقبل بوتين لوبين في الكرملين خلال حملتها الرئاسية، وفي السنوات التالية ظل الخطاب الروسي جزءا واضحا من هوية الحزب الخارجية. ولم يكن القرض الروسي وحده في القصة؛ فقد وثقت تحقيقات صحفية أيضا شبكات مالية واتصالات روسية مرتبطة بمحيط الحزب، مع بقاء مسألة وجود مقابل سياسي مباشر موضع نفي من لوبين وعدم ثبوتها باعتبارها حقيقة بسيطة ونهائية. ثم جاء 24 فبراي2022. في ذلك اليوم لم تتغير خريطة أوروبا فقط؛ تغيّر قاموس الكلمات. الكلمة التي كانت تسمى «شراكة» بدأت تسمى «غزوا». والرجل الذي كان يمكن النظر إليه بوصفه شريكا في «أوروبا الكبرى» أصبح رئيس دولة تشن حربا شاملة على دولة أوروبية. والكرملين الذي كان يمكن أن يبدو، في بعض دوائر اليمين السيادي، بوابة إلى عالم بديل عن بروكسل، صار فجأة غرفة مليئة بالدخان لا أحد يريد أن يقف فيها طويلا.

ومنذ ذلك التاريخ بدأ الانسحاب البطيء من الصورة الروسية. اعترفت قيادات في التجمع الوطني لاحقا بما سُمّي «سذاجة جماعية» تجاه بوتين، بينما أصرت لوبين على أنها لم تعد تقبل وصف حزبها بأنه «موالي لروسيا». لكن السياسة، يا لها من مخلوق بارد، لا تكتفي بتغيير الكلمات. إنها تختبرها عندما تصل إلى المال والسلاح والمصالح. وهنا تبدأ القصة . في سبتمبر 2026، قال لويس أليو إن وصول التجمع الوطني إلى الحكم قد يعني «قطع الصنبور» بالنسبة للمساعدات الفرنسية لأوكرانيا، مبررا ذلك بالوضع الاقتصادي الفرنسي. وسرعان ما جاءت التوضيحات من بارديلا ولوبين: فرنسا ستواصل احترام التزاماتها، لكن مستوى المساعدات المالية لا يمكن أن يستمر بالضرورة على النحو نفسه. لوبين دعت إلى مؤتمر للسلام وحل دبلوماسي، ثم قالت إن فرنسا «لم يعد بإمكانها» تقديم المساعدة لأوكرانيا بالحجم الحالي، مع إبقاء الباب مفتوحا أمام أشكال أخرى من الدعم، مثل المعدات والتدريب. المشهد أشبه بمسرح عبثي. روسيا تقول: أنا لست عدوا. لوبين تقول: أنا ضد أفعال روسيا العدائية. أوكرانيا تقول: الحرب لم تنته. فرنسا تقول: التهديد الروسي يتصاعد. والسياسة الفرنسية تفتح درجا قديما، فتجد فيه صورة لوبين وبوتين، ثم تغلق الدرج بسرعة قبل أن يراها أحد.

لكن المفارقة بلغت ذروتها في 19 سبتمبر: لوبين وبارديلا أصدرا بيانا يصف وضع السلطات الروسية أصول شركات فرنسية وأوروبية في روسيا تحت الإدارة المؤقتة بأنه «عمل عدائي»، ونددا بتزايد العمليات المنسوبة إلى روسيا في أوروبا، وقالا إن موسكو لا ينبغي أن تستطيع دفع فرنسا إلى تغيير سياستها عبر الترهيب أو زعزعة الاستقرار. بعدها بيوم تقريبا، جاء الرد من موسكو: الكرملين رفض اتهامات لوبين وبارديلا، وقال ديميتري بيسكوف إن روسيا لا تشكل تهديدا لفرنسا أو أوروبا، وإن موسكو لا تمارس الترهيب أو الابتزاز. وهكذا عاد الزوجان القديمان إلى المسرح، لكنّهما هذه المرة يقفان على طرفي الستارة. فهل هذا هو الطلاق؟

قد يكون. لكن يمكن أيضا أن يكون شيئا أكثر تعقيدا: إعادة تعريف العلاقة لا إنهاؤها. فالبيان الجديد لا يقول إن روسيا أصبحت عدوا استراتيجيا يجب عزلها إلى الأبد. بل يدين أفعالها، ويطالب في الوقت نفسه بمزيد من «قنوات التبادل الدبلوماسي» معها. وهو موقف يمكن فهمه ضمن تقليد سيادي فرنسي قديم: رفض الخضوع لموسكو، مع رفض قطع الخيط الدبلوماسي معها. وهنا تكمن العقدة. الطلاق الحقيقي لا يعني فقط أن تقول لزوجك السابق: «لقد أسأت التصرف». الطلاق السياسي، إذا صح التعبير، يعني أن تعيد ترتيب أثاث البيت كله بحيث لا تعود الغرفة القديمة موجودة أصلا. أما أن تقول: «أنت مخطئ، لكن دعنا نبقي الهاتف مفتوحا»، فهذه ليست بالضرورة عودة إلى الحب، لكنها بالتأكيد ليست إعلان حرب. ولذلك ربما يكون السؤال الأذكى أقل رومانسية وأكثر قسوة: هل تغيّرت لوبين تجاه بوتين، أم تغيّر ثمن الاقتراب من بوتين؟

فالسياسة لا تحاسب السياسي دائما على ما كان يقوله عندما كان بعيدا عن قصر الإليزيه. إنها تحاسبه عندما يصبح القصر قريبا جدا. وكلما اقترب الكرسي، تصبح الذاكرة أكثر إزعاجا. الصورة القديمة في الكرملين لم تعد مجرد صورة. القرض القديم لم يعد مجرد قرض. الخطاب القديم لم يعد مجرد خطاب. والتصريحات الجديدة ليست مجرد تصريحات أيضا. كل شيء يتحول إلى ظل. والظل، كما يعرف الفلاسفة، لا يختفي عندما تطفئ المصباح؛ أحيانا يظهر لأنك أطفأت المصباح. لذلك لا أظن أن السؤال الحقيقي هو: «هل عادت لوبين إلى موسكو؟» السؤال هو: لو وصلت لوبين إلى الإليزيه، ماذا ستفعل عندما تتوقف السياسة عن كونها حملة انتخابية وتتحول إلى فاتورة؟

عندها لن يكون هناك ميكروفون يسمح بجملة غامضة عن «السلام»، ولا جمهور يمكن تهدئته بعبارة عن «السيادة»، ولا خصم سياسي يمكن اتهامه بالمبالغة. سيكون هناك جيش، ومخابرات، وحلف شمال الأطلسي، واتحاد أوروبي، وأوكرانيا، وعقوبات، ومصالح شركات، وطاقة، وأمن قومي، وموسكو التي لا تزال في الجهة الأخرى من الهاتف. هناك فقط سنعرف إن كان الطلاق قد وقع فعلا. أم أن محامي العروسين كتب في آخر الورقة، بحبر لا يظهر إلا تحت الضوء: «انفصال مؤقت… إلى أن تتغير الظروف.» وفي السياسة، هذه الجملة قد تكون أطول من أي زواج. وقد تكون أيضا أخطر من الطلاق. أما نحن، المشاهدين، فنقف أمام الستارة وننتظر الفصل الأخير، فيما يحمل عامل المسرح صورة قديمة لبوتين ولوبين ويبحث لها عن مكان في المخزن. لكن لا أحد يجرؤ على رميها.فقد يأتي يوم تحتاج فيه السياسة إلى الصورة القديمة، لا لأنها تحب الماضي، بل لأنها تعرف أن الماضي، في السياسة، لا يموت. إنه فقط ينتظر دوره التالي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *