بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
الدولة ليست خرائط، بل ما لا يرى. فالحدود خطوط صامتة، والعواصم مجرد أسماء، والمؤسسات مبان من حجر. أما الدولة الحقيقية، فهي ذلك النسيج غير المرئي الذي يمنع الفوضى من أن تتحول إلى نظام، ويجعل الحياة اليومية تبدو عادية إلى درجة أننا ننسى أنها نتيجة عمل معقد لا يتوقف. وحين ينجح هذا النسيج في أداء وظيفته، يقع في مفارقة غريبة: يصبح نجاحه سبباً في إنكار وجوده. إنّ الإنسان لا يتساءل عن جهاز الأمن عندما يعود إلى منزله سالما، ولا يفكر في أجهزة الاستخبارات عندما يستيقظ على صباح هادئ. لكنّه يتذكّرها جميعا عندما يحدث الانهيار. وهنا تبدأ المفارقة الفلسفية: أكثر المؤسسات نجاحا هي بما لم يقع، لا بما وقع.
لهذا يبدو الأمن أقرب إلى الجاذبية. لا أحد يراها، لكن الجميع يلاحظ اختفاءها. إنّها القوة التي لا تفرض حضورها عبر الصراخ، بل عبر غياب الكارثة. وحين تمنع حدثا، فإنّها لا تستطيع عرضه في متحف التاريخ، لأنّ التاريخ لا يوثق ما لم يحدث. إنّه يكتب الحروب، لكنه نادرا ما يكتب الحروب التي لم تقع. ومن هنا تنشأ معضلة السردية. ففي عالم يعيش على اقتصاد الإثارة، يصبح الاستقرار خبرا فقيرا، بينما تتحول الفوضى إلى سلعة إعلامية ذات قيمة عالية. إنّ الكارثة تمتلك صورة، أمّا النّجاة فلا تمتلك سوى الصمت. ولذلك، كثيرا ما تجد الدّول نفسها تخوض معركتين متزامنتين: معركة ضدّ التهديدات الواقعية، ومعركة أخرى ضد الرّوايات التي تحاول تفسير وجودها أو اختزالها في صورة واحدة.
لكن السؤال الأكثر إثارة ليس: لماذا تتعرض الدّول للنقد؟ بل: لماذا تصبح بعض الدول موضوعا دائما للروايات المتناقضة؟ ربما لأنّ الصعود، في السياسة كما في الفيزياء، يخلخل التوازنات. فكلّ جسم يصعد يغيّر توزيع الكتلة من حوله، وكلّ دولة تعيد رسم موقعها الجيوسياسي تعيد، في الوقت نفسه، رسم خرائط المصالح والقلق والانتظار. إنّ النفوذ ليس مجرد قوة. إنّه اضطراب في هندسة المجال السياسي. ولهذا لا ينبغي النّظر إلى الحملات الإعلامية، أو الانتقادات، أو حتى الإشادات، بوصفها حقائق مكتملة، بل بوصفها أجزاء من معركة أوسع: معركة السرديات. ففي القرن الحادي والعشرين، لم تعد الجغرافيا وحدها ميدان الصراع، بل أصبحت اللغة نفسها أرضا تتنافس عليها القوى. ومن ينجح في امتلاك القصّة، يمتلك جزءا من الواقع. ولعل أكثر الأسئلة غرابة هو ذلك الذي لا يطرحه أحد: هل يمكن لدولة أن تكون ضحية نجاحها؟
كلّما ازدادت قدرة الدولة على حماية مصالحها، ازدادت أيضا محاولات تفسير هذا النجاح، أو التشكيك فيه، أو شيطنته. وكأنّ القوة، بمجرد أن تظهر، تتوقف عن كونها ظاهرة أمنية، لتصبح ظاهرة نفسية أيضا. فهي لا تغير موازين القوى فحسب، بل تغير طريقة نظر الآخرين إليها. ولذلك فإنّ أخطر الحروب تلك التي تخاض بالتأويل. إنّ الرصاصة تنتهي عند هدفها، أمّا الفكرة فتواصل رحلتها داخل العقول. والصاروخ يدمر جسما، لكنّ السردية قد تعيد تشكيل وعي أمة كاملة. ولهذا، ربّما لم يعد السؤال الحقيقي هو: من الأقوى؟ بل: من يمتلك القدرة على تعريف القوة نفسها؟
يبقى الأمن، مثل الهواء، لا يلفت الانتباه إلا عندما ينقص. إنّ المغرب, قارئي العزيز, بني بالمؤسسات وليس بالخطابات. وبين الخطاب والمؤسسة مسافة لا تقاس بالكلمات، بل بما يعيشه المواطن كلّ يوم من أمن واستقرار وثقة في المستقبل. فالدّولة لا تقاس بما تقوله عن نفسها، وإنّما بما تنجزه على الأرض، وبقدرتها على حماية مجتمعها وصيّانة مصالحها وتعزيز مكانتها في عالم لا يعترف إلاّ بمن يمتلك أدوات القوة والحكمة في آن واحد. فعندما تنتقل المعارك إلى الفضاء الرقمي، حيث تحاول سرديات متناقضة إعادة تشكيل صورة الدّول في أذهان الشعوب. وفي هذا السياق، يصبح الأمن أكثر من مجرد مؤسسة، ويصبح الوعي أكثر من مجرد معرفة، لأن المعركة الحقيقية هي معركة الثقة.

إن قوة أي دولة هي في قدرتها على حماية الوطن وصيانة الحقوق، وفي فرض القانون وترسيخ دولة المؤسسات. فكلّما كانت المؤسسات قوية وفعالة وملتزمة بالقانون، ازدادت ثقة المواطن في دولته، وأصبح الاستقرار نتيجة طبيعية لا استثناء . والمغرب، بحكم موقعه الجغرافي وتشابك مصالحه الإقليمية والدولية، يوجد في قلب فضاء استراتيجي شديد التعقيد. فهو بوابة بين إفريقيا وأوروبا، ومنصة للتعاون جنوب جنوب، وشريك في قضايا الأمن والهجرة ومكافحة الإرهاب والتنمية. وهذا الموقع يمنحه فرصا كبيرة، لكنّه, قارئي الكريم, يضعه أيضا أمام تحديات لا تتوقف، لأنّ كلّ دولة تحقق حضورا مؤثرا تصبح موضوعا للنقاش والتقييم والنقد، وأحيانا للاستهداف. غير أن التاريخ يعلمنا أن الدول التي تثق في مؤسساتها تدرك أنّ البناء الحقيقي يحتاج إلى زمن، وأنّ الإنجاز ليس بردود الفعل، بل بقدرته على الصمود أمام تقلبات الزمن. لذلك فإن الاستثمار في الإنسان، وفي التعليم، وفي العدالة، وفي الأمن، وفي الاقتصاد، وفي الدبلوماسية، ليس مشاريع منفصلة، بل حلقات في سلسلة واحدة اسمها الدولة.
إنّ الأمن في معناه العميق ليس غياب الجريمة فقط، بل حضور الطمأنينة. ولذلك فإنّ قوة المؤسسات الأمنية لا تكتمل إلا بقوة المؤسسات القضائية والإدارية والرقابية، لأنّ الدولة الحديثة تقوم على تكامل المؤسسات لا على تنافسها. واليوم، ومع التحولات الكبرى التي يشهدها العالم، أصبح من الواضح أن المستقبل سيكون للدّول التي تجمع بين الصلابة والمرونة، وبين القدرة على حماية أمنها والانفتاح على محيطها، وبين الدفاع عن مصالحها واحترام القانون الدولي. وهذه المعادلة ليست سهلة، لكنّها الطريق الوحيد لبناء نموذج تنموي وسيادي قادر على مواجهة تحديات المستقبل.
إن الوطنية, قارئي الكريم, مسؤولية يوميّة. وهي ليست رفضا للنقد، بل حرص على أن يكون النقد مدخلا للإصلاح لا وسيلة للهدم. فالدّول القوية لا تخشى النقاش، وإنّما تجعل منه أداة لتطوير مؤسساتها وتعزيز ثقة مواطنيها. ويبقى الوطن أكبر من كلّ الخلافات، لأنّه الإطار الذي يجمع الجميع. وكلما ازدادت قوة مؤسساته، واتسعت دائرة المشاركة، وترسخت سيادة القانون، ازداد حضوره بين الأمم، لا بصوت مرتفع، وإنّما بثقل الإنجاز. فالتاريخ لا يحتفظ بما قيل عن الدّول، بل بما صنعته لشعوبها، وبما تركته من أثر في مسيرة الإنسانية, والاستقرار. وربما لهذا السبب سيظلّ السؤال مفتوحا أكثر من أيّ جواب: هل تصنع القوة الاستقرار… أم أنّ الاستقرار هو الذي يمنح القوة معناها؟ إنّه سؤال لا يخص دولة المغرب بعينها، بل يخص الحضارة كلّها، لأنّها منذ فجر التاريخ لم تتوقف عن البحث عن المعادلة المستحيلة: كيف تكون قوية من دون أن تخاف، وكيف تكون آمنة من دون أن تفقد حريتها؟
📲 Partager sur WhatsApp