شبح الإرهاب… من الذي يزرع الخوف في المدن؟

بقلم زكية لعروسي مديرة جريدة الورقاء

ليس الإرهاب هو القنبلة. وليس الرصاص. وليس السيارة المركونة في شارع هادئ. الإرهاب يبدأ قبل ذلك بكثير… يبدأ حين يتحول الخوف إلى مواطن دائم، وحين تصبح المدينة، بكل مقاهيها ودور سينماها وضحكات أطفالها، مشروع سؤال مفتوح: هل سنعود إلى بيوتنا هذه الليلة؟ في سارسيل، شمال باريس، لم تنفجر السيارة. لم يسمع دويّ انفجار، ولم تسقط بنايات. ومع ذلك، أُخليّت الشوارع، وغادر مئات الأشخاص المكان، وكأنّ المدينة بأكملها كانت تهرب من فكرة أكثر مما تهرب من جسم معدني متوقف على جانب الطريق. وهنا يكمن الوجه الأكثر قسوة للإرهاب. إنّه ينتصر أحيانا حتى عندما لا يطلق رصاصة. يكفيه أن يجعل الإنسان يشك في الطريق الذي يسلكه كل صباح، وفي الحقيبة التي تركها مجهول، وفي السيارة التي توقفت طويلا، وفي الوجه الذي لا يعرفه. لقد اكتشف الإرهاب، منذ زمن، أن احتلال العقول أكثر فاعلية من احتلال الأرض.

لكن دعونا, قرائي الأعزّاء, نسأل السؤال الذي يخشاه الجميع: هل عاد الإرهاب؟ أم أنّه لم يغادرنا أصلا؟ ربّما أخطأنا حين اعتقدنا أن الإرهاب ينتهي بمقتل زعيم، أو بتفكيك تنظيم، أو بإصدار قانون جديد. فالإرهاب ليس شخصا يمكن اعتقاله، ولا تنظيماً يمكن حله. إنه فكرة سوداء، وكل فكرة لا تموت بالسلاح وحده. لقد تغيرت وجوه الإرهاب، لكن منطقه بقي كما هو. إنه يريد أن يحول المدينة الحديثة إلى غابة بدائية، حيث ينظر الإنسان إلى الإنسان باعتباره احتمالا للخطر، لا شريكا في الحياة. يريد أن يكسر ذلك العقد غير المكتوب الذي يجعل الغرباء يتقاسمون الرصيف نفسه بثقة، ويجلسون في المطعم نفسه بلا خوف، ويرسلون أبناءهم إلى المدرسة دون أن يفكروا في الموت. أليس غريبا أن يبلغ الإنسان هذا المستوى من التقدم، ثم يظل عاجزا عن تحرير نفسه من عبودية الكراهية؟

لقد صنع الذكاء الاصطناعي، لكنّه لم يصنع بعد إنسانا يتسامح مع اختلاف الآخر. بنى المدن الذكية، لكنه لم يهدم الكهوف التي لا تزال مختبئة داخل بعض العقول. وهنا تتجاوز القضية حدود الأمن. إنها قضية حضارة. فكل مجتمع يعيش على توازن دقيق بين الحرية والأمن. وكلما ارتفع منسوب الخوف، ازداد استعداد الناس للتخلي عن جزء من حرياتهم مقابل شعور مؤقت بالأمان. وهنا ينتصر الإرهاب مرتين: مرة لأنه يرعب، ومرة لأنه يدفع المجتمعات إلى الشك في نفسها. لهذا لا ينبغي أن يكون السؤال: كم عدد رجال الأمن؟ بل: كم بقي من الثقة بين الناس؟ فالثقة هي العاصمة الحقيقية لأي أمة. إذا انهارت، فلن تستطيع آلاف الكاميرات ولا ملايين رجال الشرطة أن يعيدوا بناءها بسهولة. وتاريخ أوروبا يعرف هذه الحقيقة جيدا. فالقارة التي خرجت من حربين عالميتين، ثم واجهت عقودا من الإرهاب السياسي والانفصالي والديني، تعلم أن المعركة ليست أمنية فقط، بل ثقافية واجتماعية أيضا. الإرهاب لا يولد في الفراغ؛ إنه يتغذى على التعصب، وعلى الإقصاء، وعلى الأيديولوجيات التي تحول الإنسان إلى وسيلة، لا إلى غاية.

ومن هنا تبدأ مسؤولية السياسة. السياسة ليست فقط إدارة الأزمات، بل منع ولادتها. ليست فقط مطاردة السلاح، بل أيضا تجفيف اللغة التي تبرر حمله. فكل خطاب يحول الآخر إلى عدو مطلق، أو إلى كائن أقل إنسانية، يضع حجرا جديدا في الطريق الذي يقود إلى العنف. لقد علمنا التاريخ أن الإمبراطوريات لا تسقط دائما بسبب قوة أعدائها، بل بسبب خوفها من نفسها. وأن المدن لا تهزم عندما تُقصف، بل عندما يصبح سكانها سجناء الشك الدائم. وفي الأساطير القديمة، كان الوحش يعيش خارج أسوار المدينة. أمّا اليوم، فقد أصبح الوحش أكثر دهاء. إنه يسكن الفكرة قبل أن يسكن المكان. يتسلل إلى اللغة قبل أن يتسلل إلى الشوارع. ويبدأ بإقناع الإنسان بأن الآخر ليس إنسانا كاملا. ومن هذه الجملة الصغيرة تبدأ كل الكوارث.

إن أخطر ما يفعله الإرهاب ليس أنّه يقتل الأبرياء، بل أنه يحاول إعادة تعريف العالم بمنطق الخوف. يريد أن يقنعنا بأن الثقة سذاجة، وأن الاختلاف تهديد، وأن الحياة المشتركة وهم. لكن الحضارة لم تُبن بالخوف. لقد بنيت حين قرر البشر، رغم كل المآسي، أن يفتحوا الأبواب بدل أن يرفعوا الأسوار، وأن يكتبوا القوانين بدل أن يحتكموا إلى الانتقام، وأن يجعلوا العدالة أقوى من الغريزة. ولذلك فإن الانتصار الحقيقي على الإرهاب لا يكون فقط بإحباط عملية، أو باعتقال مشتبه فيه، مهما كانت أهمية ذلك، بل بالحفاظ على المجتمع من أن يتحول هو نفسه إلى نسخة مشوهة مما يخشاه. فالدولة التي تحمي مواطنيها، وتحافظ في الوقت نفسه على سيادة القانون وكرامة الإنسان، تنتصر مرتين: مرة على العنف، ومرة على إغراء الخوف.

ويبقى السؤال الذي سيلاحق هذا القرن كله: من الذي ينتصر في النهاية؟ ذلك الذي يحمل بندقية؟ أم ذلك الذي يصر، رغم كل شيء، على أن يذهب صباحا إلى عمله، وأن يجلس في المقهى، وأن يضحك مع أصدقائه، وأن يربّي أبناءه على أنّ الإنسان لا ليس بدينه ولا بأصله، بل بما يزرعه في العالم من حياة؟ ربّما هنا فقط نفهم أن الإرهاب لا يخشى الجيوش وحدها. إنّه يخشى مدينة لا تتخلى عن إنسانيتها. ويخشى مجتمعا يرفض أن يحول الخوف إلى هوية، والريبة إلى قانون، والكراهية إلى مستقبل. لأنّ المدن لا يحرسها الإسمنت ولا الحواجز الأمنية وحدها…بل تحرسها أيضا القيّم التي تجعل الإنسان، حتى في أكثر اللحظات ظلمة، يختار أن يبقى إنسانا.

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “شبح الإرهاب… من الذي يزرع الخوف في المدن؟

  1. لاستئناف التفكير : في الحديث عن الإرهاب أو أ ي قرار: الخطير ليس في فعل التنفيذ، بل في الفكرة التي سبقت الفعل، رسوخ الفكرة هو القنبلة وقد انفجرت في رأس حاملها، من هنا الاستباق مهم من أجل قطف الفاكهة في المهد. وهو ما نجحت فيه الدول التي تضع مسألة الحق في الأمن، من أولوياتها ، لأنه أساس باقي الحقوق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *