بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
ليست الحدود أول ما رسمه الإنسان، بل كانت آخر ما اخترعه حين عجز عن رسم الطمأنينة في قلبه. فقبل أن يولد السلك الشائك، كانت الريح تعبر القارات من غير جواز سفر، وكانت الطيور توقع أسماءها على السماء، وكانت الأنهار تسخر من الخرائط لأنها تعرف أن الماء لا يعترف إلا بانحداره نحو البحر. ثم جاء الإنسان، وخاف من الإنسان، فرفع بينهما الجدران، وأقنع نفسه أن الخط المرسوم بالحبر أقوى من الطريق التي رسمتها الأقدام منذ فجر الخليقة. لكن التاريخ، ذلك الحكيم الذي يبتسم في صمت، لم يتوقف يوما عن السخرية من الذين اعتقدوا أن الخرائط أبدية.
ما يحدث اليوم عند حدود سبتة ليس مجرد موجة هجرة غير منتظمة، ولا مجرد أزمة عابرة بين دولتين، بل هو ارتعاش في عصب الحضارة نفسها. كأن الأرض، بعد آلاف السنين من الصمت، قررت أن تسأل أبناءها سؤالا واحدا: لمن أنتمي أنا… لمن رسم حدودي، أم لمن يمشي فوق ترابي؟ كل مهاجر يحمل حقيبة صغيرة، لكن داخل تلك الحقيبة تختبئ مكتبة كاملة من الخسارات. وطن ضاق حتى صار أصغر من حلم، وأم أغلقت الباب وهي لا تعلم إن كانت ستراه مرة أخرى، وطفل يظن أن البحر شارع طويل ينتهي بمدينة لا تعرف البكاء. وفي الجهة الأخرى، تقف الدول وهي تحمل مخاوفها المشروعة، تسأل نفسها كيف تحمي سيادتها من دون أن تطفئ آخر شمعة في إنسانيتها

.
الهجرة ليست ابنة هذا القرن، بل هي الأخت الكبرى للتاريخ. حين خرج الإنسان الأول يبحث عن الماء، كان مهاجرا. وحين عبرت القبائل الصحارى، كانت تكتب أول فصول الجغرافيا. وحين ازدهرت الدولة العباسية، لم تصنع عظمتها السيوف وحدها، بل صنعها القادمون من خراسان، ومن فارس، ومن ما وراء النهر، ومن إفريقيا، ومن الأندلس. كانت بغداد آنذاك أشبه بمجرة تدور فيها اللغات والأديان والأعراق حول شمس واحدة اسمها المعرفة. لم يكن الغريب يسأل عن لون الوجوه، بل عن لون الفكرة التي يحملها.ة وكان الرحالة يدركون أن الطريق ليست مسافة بين مدينتين، بل حوار طويل بين حضارتين. أما اليوم، فقد انقلب المشهد. العولمة جعلت الأموال تعبر القارات أسرع من الضوء، وجعلت البضائع تطوف الأرض كأنها أسراب نور، وجعلت الأفكار تدخل البيوت من غير أن تطرق الأبواب. وحده الإنسان بقي مطالبا بأن يثبت، في كل معبر، أنه يستحق أن يعبر.
يا لها من مفارقة تكاد تشبه الأساطير. فالسلعة التي صنعها إنسان فقير تستطيع أن تدخل أغنى الأسواق، أما صانعها نفسه فقد يقف سنوات أمام الأسلاك ينتظر إذنا بالمرور. لقد أصبح الهاتف الذكي نافذة يرى منها شاب في أقصى الجنوب شوارع باريس، أو مدريد، أو برلين، فيشعر أن المسافة بينه وبينها لا تتجاوز عرض شاشة، بينما الحقيقة أن بينه وبينها بحارا، وقوانين، واتفاقيات، وأسوارا، وحسابات سياسية لا يراها. ومع ذلك، فإن الحكمة ليست في هدم الحدود، كما أنها ليست في تقديسها. فالحدود ليست خطيئة، بل ضرورة ولدت مع الدولة الحديثة. وهي ليست سجنا إذا أحسن تدبيرها، وليست خلاصا إذا تحولت إلى جدران من خوف. إن السيادة ليست نقيض الإنسانية، بل توأمها. والدولة التي تتخلى عن حدودها تفقد قدرتها على حماية مجتمعها، كما أن العالم الذي يتخلى عن إنسانيته يحكم على البحار بأن تتحول إلى مقابر مفتوحة.

إن الهجرة ليست مرضا، بل عرض لمرض أكبر. إنها ظل الفقر حين يطول. وصدى الحروب حين لا تجد من يوقفها. وصرخة المناخ حين يجف الزرع. ومرآة عالم اختلت فيه موازين الثروة حتى أصبح بعض البشر يولدون وفي أفواههم مفاتيح المستقبل، بينما يولد آخرون وهم يحملون على ظهورهم أبوابا مغلقة. ولذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: كيف نمنع الناس من العبور؟ بل: كيف نبني عالما لا يضطرهم إلى الرحيل؟ فالإنسان لا يترك أمه، ولا يبيع ذاكرة طفولته، ولا يودع تراب أجداده، إلا حين تصبح الأرض التي أنجبته أضيق من أن تتسع لحلمه.
وربما سيأتي يوم يعيد فيه التاريخ كتابة الخرائط، لا بالحروب ولا بالمدافع، بل بالتنمية، والعدالة، والتعاون، والكرامة المشتركة. يومها لن تكون الحدود أسوارا تعزل الشعوب، بل جسورا تنظم لقاءها، وتحفظ سيادة الدول، وتصون في الوقت نفسه كرامة الإنسان. وحين يفتح التاريخ كتاب هذا القرن، لن يسأل كم مهاجرا عبر البحر، ولا كم سورا بني على اليابسة. بل سيسأل سؤالا واحدا: هل نجح الإنسان في أن يجعل حدوده أكثر حكمة من مخاوفه؟ فالأمم العظيمة ليست تلك التي تبني أعلى الجدران، بل تلك التي تجعل الإنسان أقل حاجة إلى مغادرة وطنه. أما الخرائط، فستبقى تتغير كما تغيرت منذ فجر التاريخ، لكن الكرامة الإنسانية ستظل الحدود الوحيدة التي لا يملك أحد حق إعادة رسمها.
📲 Partager sur WhatsApp
رسم حدود الحغرافيا بدعة بشرية ارتبطت أساسا مع ميلاد مفهوم الملكية والدولة، ليخرج الإنسان من حالة الطبيعة إلى حالة المجتمع والتعاقد.
غير أن الأمر تغير كلية مع ميلاد الظاهرة الإستعمارية والاكتشافات الجغرافية: الدول التي قادت الحربين العالميتين هي من كان حاملة المقص والقلم، ففعلت ما تشهد عليه الجغرافيا المعاصرة: تمزيق أراض ومعها تشتيت أعراق وشعوب وعاءلات، فجاءت الخرقة الجغرافية ممزقة على أساس تقسيم غنيمة الطاقة والمواد الثمينة التي تستقر في بطن الأرض، فجاء جواز السفر وبعد ذلك في منتصف التمانينات من القرن الماضي حاجز المرور بالڤيزا. ما أنتهى بضرب الحق الطبيعي الإنساني في الحركة والتنقل على سطح أرض الله. فكانت المأساة ولم يبق سوى مغامرة عبور البحار والمحيطات، وما تسفر عنه من موت الكثير من الشباب الحالم.