بقلم زكية لعروسي, مديرة جريدة – باريس
ليست الديمقراطية ذلك الصندوق الشفاف الذي تودع فيه الأوراق كل بضع سنوات، وإنما ذلك الخيط غير المرئي الذي يربط المواطن بمؤسساته. فإذا انقطع هذا الخيط، بقيت الصناديق قائمة، لكن الثقة تغادرها بصمت، وتتحول الانتخابات من احتفال بالإرادة الشعبية إلى طقس إداري يفتقد روحه. إن الجدل الذي أثارته الاتهامات المتعلقة بملف ترشيح هيغينو كارنيرو لا يمكن قراءته بوصفه مجرد خلاف داخلي داخل الحزب الحاكم، ولا باعتباره نزاعا قانونيا حول صحة التوقيعات أو الإجراءات. فالقضية، كما يراها كثير من المتابعين، تتجاوز الأشخاص لتلامس السؤال الذي يؤرق الديمقراطيات الناشئة: كيف تبنى الثقة، وكيف تحمى؟

حين تظهر اتهامات تتعلق بالوثائق أو بالتوقيعات أو بمساطر الترشيح، فإن النقاش يغادر حدود النصوص القانونية ليدخل فضاء أوسع، هو فضاء الشرعية السياسية. ففي الدول التي تسعى إلى ترسيخ مؤسساتها، لا تكفي سلامة الإجراءات وحدها، بل يجب أن يقتنع المواطن أيضا بأن تلك الإجراءات كانت شفافة، ومتساوية، وخاضعة للرقابة نفسها على الجميع. لقد ظل حزب الحركة الشعبية لتحرير أنغولا، منذ الاستقلال، القوة السياسية الأكثر حضورا في المشهد الوطني، وارتبط اسمه بالحفاظ على استقرار الدولة ووحدتها في مراحل دقيقة من تاريخ البلاد. غير أن سنوات الحكم الطويلة جعلته أيضا في مواجهة انتقادات متكررة من المعارضة ومن قطاعات من المجتمع المدني، التي تثير بين الحين والآخر تساؤلات حول نزاهة المنافسة السياسية، وتوازن العملية الانتخابية، ومستوى استقلالية المؤسسات المشرفة عليها.

وهنا يظهر التحدي الحقيقي. فالأحزاب التي تمارس السلطة لعقود لا تواجه فقط امتحان الفوز في الانتخابات، بل تواجه امتحانا أكثر تعقيدا، وهو المحافظة على ثقة المواطنين. فالسلطة الطويلة قد تمنح الخبرة، لكنها قد تولد أيضا الشك، إذا لم تقترن بمستويات أعلى من الشفافية والمساءلة. إن الديمقراطية لا تقاس بعدد الانتخابات التي تنظم، وإنما بقدرة المؤسسات على إقناع الخاسر قبل الفائز بأن قواعد اللعبة كانت عادلة. فالشرعية ليست مجرد إعلان للنتائج، بل هي شعور جماعي بأن الإرادة الشعبية عبرت عن نفسها دون خوف أو امتياز أو تأثير. وتكشف التجارب المقارنة أن أخطر ما يمكن أن يصيب أي نظام سياسي ليس كثرة الاتهامات، بل عجز المؤسسات عن تبديدها بصورة مستقلة وموثوقة. فحين يصبح الشك مقيما دائما في الوعي العام، تتحول الحقيقة إلى روايات متنافسة، وتفقد الدولة إحدى أهم ركائزها، وهي الثقة.

ومن هذا المنطلق، فإن الدفاع عن أي مسؤول أو أي حزب يبقى حقا مشروعا، كما أن توجيه الانتقادات حق تكفله الديمقراطية. غير أن الفيصل بين الروايتين يظل هو التحقيق المستقل، والقضاء النزيه، والهيئات القادرة على الفصل بين الحقيقة والانطباع. إن أنغولا، بما تمتلكه من إمكانات بشرية واقتصادية كبيرة، لا تحتاج فقط إلى انتخابات دورية، بل إلى مؤسسات تجعل كل انتخابات مناسبة لتعزيز الثقة، لا لتجديد الجدل. لأن الدولة القوية ليست تلك التي تربح كل الاستحقاقات، بل تلك التي تجعل جميع مواطنيها يثقون في نتائجها. فالتاريخ السياسي لا يكتب فقط بمن جلس على كرسي الحكم، وإنما أيضا بمدى قدرة ذلك الحكم على ترسيخ ثقافة المساءلة والشفافية. وقد تكسب الأحزاب صناديق الاقتراع، لكن وحدها الثقة هي التي تكسب المستقبل.
📲 Partager sur WhatsApp