بقلم زكية لعروسي, باريس
في مشهد أشبه بلوحة سريالية، تنقشها أنامل الربيع على جبين السماء الأوروبية، تعود اللقالق إلى أعشاشها في الألزاس واللورين متسائلة: “أين كنتم أيها العقلاء؟”. فبينما يتخبط الإنسان في متاهات هويته الباردة، يحن الطير إلى دفء الموطن، ويقرع طبول العودة مبكرا، كأنه يقرأ في صحائف الغيب ما عجزت عنه كشافات البشر.
منذ خمسة عشر عاما، واللقالق تمارس سحرها على مسامع الثلوج الذائبة. تصل في يناير أحيانا، قبل موعدها المعتاد بخمسة أسابيع كاملة، كأنها تريد أن تقول للفصول: “إياكم والعبث بمواعيد الحنين”. إنها معجزة بيولوجية تحكي قصة كوكب يختنق بحرارته، لكن الأجمل أن اللقالق وحدها من فهمت الدرس. فالبيانات العلمية – تلك العصا السحرية لعصرنا – تؤكد أن الطير صار يختصر المسافات، ويحلق في زمن مغاير لزمن الجغرافيا. إنه يعيد كتابة خرائط الفصول بمنقاره الأبيض، بينما لا يزال الإنسان يعيد رسم حدوده بدماء الحروب.

وما أجمل أن نستحضر هنا ما قاله أجدادنا العرب في هذا الطائر العجيب! فقد ذكره الجاحظ في “الحيوان” كطائر الوفاء، وقال فيه الدميري: “اللقلاق لا يغير موطنه، ولا يخون أهله، وإن سافر فلا بد عائد”. إنه عند العرب رمز البركة والبقاء، وقد تغنى به الشعراء الأندلسيون وهم يرون فيه صورة المهاجر الذي لا ينسى. أليس هذا هو عين ما نفتقده اليوم؟ فبينما يحن اللقلاق إلى موطنه حتى لو اضطره الحر إلى التبكير، نرى الإنسان المعاصر – ذلك الكائن الذي سخّر القمر – صار يبحث عن أوطان بديلة كأنها قمصان في محل ملابس! لقد تحولت الهجرة عنده من حنين إلى هروب، من شوق إلى تمرّد على الجذور.
لا يفوتنا أن نستحضر هوميروس الذي شبه في “الأوديسة” عودة أوليس إلى إيثاكا بعودة اللقالق إلى أعشاشها. وقال أرسطو في “تاريخ الحيوان”: “اللقلاق طائر فيلسوف، إن سافر فإنما يسافر إلى نفسه”. أما الرواقيون فقد اتخذوه مثالا للحكمة: “تعلموا من اللقلاق كيف تعودون إلى ذواتكم”. وهنا تكمن المفارقة العظمى: الفلسفة اليونانية علمتنا أن العودة ليست حركة في المكان فقط، بل ولادة جديدة للروح. لكن الإنسان المعاصر فقد بوصلته. صار السفر عنده إدماناً، والعودة هزيمة. صار يهاجر كمن يفر من ظله، لا كمن يبحث عن مرآة.
في زمن السرعة واللامكان، في عصر “العابرية السائلة” كما يسميها زيجمونت باومان، تحول الإنسان إلى نوماد بلا وطن. صار يحمل بيته على ظهره كالحلزون، لكن بلا قوقعة تحميه. بينما اللقلاق يعود إلى العش نفسه كل عام، كأنه يردد بيت المتنبي: “ولكنَّ قلبي إِذا همَّ بالنَّوى~~~~ تذَكَّر أوطانا لَه ومواعِدا”
إنها آية الحنين الغائب من قلوبنا! لقد تخلينا – نحن العقلاء المزعومين – عن فضيلة العودة، وصارت هجراتنا أقرب إلى السيزيفية المملة منها إلى الأوديسة المضيئة. لعل ما يثير العجب الأكبر أن اللقالق تعود مبكرا ليس فقط بحثا عن الدفء، بل بحثا عن “مكان”. إنها تبحث عن هوية حرارية بقدر ما تبحث عن هوية جغرافية. أما الإنسان فقد صار يبحث عن برودة الشمال ودفء الجنوب في آن، دون أن يجد واحدا منهما. يقول الفيلسوف الألماني بيتر سلوتردايك: “الإنسان الحديث هو الكائن الوحيد الذي هجر موطنه دون أن يهاجر إلى موطن آخر”. إنه في “لا مكان” دائم. بينما اللقلاق في مكان دائم وإن غير مواعيده. الفرق أن الطير يؤمن بالجذور، أما الإنسان فأصبح يؤمن فقط بالجذور… المعدلة وراثيا
تبقى عودة اللقالق المبكرة درسا وجوديا قاسيا. إنها تذكرنا بأن هناك نظاما أخلاقيا في الكون، نظاما يعاقب من ينسى، ويكافئ من يحن. فبينما يسرع اللقلاق إلى عشه كأنه يهمس في آذاننا: “عودوا إلى أنفسكم قبل أن تفقدوها”، نجد أنفسنا نلهث خلف تأشيرات وإقامات، نبيع جذورنا بثمن بخس، ونظن أننا نشتري حرية. يقول جبران خليل جبران: “لقد وهبك الله وطنا، فلا تجعل هجرتك إليه هروبا من وطن آخر”. ولعل اللقالق – تلك المخلوقات العجيبة – هي آخر من تبقى من أتباع هذه الوصية. فهل آن للإنسان أن يتعلم الطيران… إلى الخلف قليلا؟ تبقى الجائزة لمن يعيد تعريف العودة، لا لمن يطيل الغياب. واللقالق وحدها من يستحق الجائزة اليوم.
📲 Partager sur WhatsApp