غياب الممثل: من يتحدث باسم مغاربة العالم؟

بقلم زكية لعروسي, باريس

(نداء صادق إلى المؤسسات المعنية في الرباط؛ إلى وزارة الشؤون الخارجية، وإلى وزارة الداخلية، وإلى القطاعات المكلفة بالمغاربة المقيمين بالخارج، وإلى كل الفاعلين السياسيين والمدنيين)

كلما فتحت, قارئي العزيز, شبكات التواصل الاجتماعي ينتابني شعور غريب، شعور يتأرجح بين الدهشة والأسى. أجد عشرات الصفحات، ومئات الأشخاص، وآلاف التصريحات التي تتحدث باسم «مغاربة العالم»، وكأن هذه الجالية الممتدة عبر القارات الخمس أصبحت مشاعا مباحا لكل من امتلك حسابا على منصة رقمية أو صفة منحها لنفسه دون تفويض أو شرعية أو تمثيلية حقيقية. فمنذ متى أصبحت جالية تضم ملايين المغاربة، بتنوع تجاربها وهمومها وتطلعاتها، تختزل في صوت فرد أو جمعية أو إطار لا يعرفه أغلب المغاربة المقيمين بالخارج؟ إلى متى سيستمر هذا العبث؟ وأين هو المشهد التمثيلي الحقيقي لمغاربة العالم؟ بل هل لدينا أصلا مشهد تمثيلي واضح المعالم؟

إن السؤال لم يعد متعلقا بالأشخاص بقدر ما أصبح متعلقا بالمؤسسات. ففي غياب مؤسسات قوية وشرعية وذات مصداقية، يملأ الفراغ من شاء، ويتحدث باسم الجالية من أراد، ويقدم نفسه ناطقا باسم ملايين المواطنين الذين لم ينتخبوه ولم يفوضوه ولم يلتقوا به أصلا. لقد أصبحنا أمام مشهد سريالي بامتياز؛ فكل من هب ودب يستطيع أن يضع على بطاقته التعريفية أو صفحته الشخصية عبارة: «ممثل الجالية المغربية»، أو «مدافع عن مغاربة العالم»، أو «رئيس هيئة دولية لمغاربة الخارج»، دون أن يسأله أحد: من منحك هذه الصفة؟ ومن فوّضك للحديث باسم الناس؟ إنّ الجالية المغربية ليست لافتة ترفع عند الحاجة، ولا عنوانا يستعمل لتحقيق الظهور أو اكتساب النفوذ الرمزي. إنها مكون أساسي من مكونات الأمة المغربية، وساهمت لعقود في بناء الاقتصاد الوطني وتعزيز صورة المغرب في الخارج والدّفاع عن مصالحه وقضاياه الكبرى. ومع ذلك، لا يزال السؤال المؤلم معلّقا في الهواء: من يمثل مغاربة العالم تمثيلا حقيقيا؟

إن ما نعيشه اليوم ليس أزمة أشخاص، بل أزمة بنية ومؤسسات. فحين يغيب الإطار الرسمي الجامع، تتكاثر الأصوات المتنافسة، وتختلط المبادرات الجادة بالمبادرات الموسمية، ويصبح المواطن المغربي بالخارج عاجزاً عن التمييز بين من يعمل من أجل المصلحة العامة ومن يبحث فقط عن موقع في واجهة المشهد. لقد جاء الخطاب الملكي السامي بمناسبة الذكرى التاسعة والأربعين للمسيرة الخضراء في السادس من نونبر 2024 ليعيد فتح هذا الورش الاستراتيجي، حين دعا صاحب الجلالة الملك محمد السادس إلى تسريع إخراج الآليات المؤسساتية الكفيلة بتأطير شؤون المغاربة المقيمين بالخارج وتعزيز مشاركتهم في الحياة الوطنية. غير أن السّؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: أين وصلنا في تنزيل هذه الرؤية؟ أين هي المؤسسات التي يفترض أن تؤطّر الجالية وتحمي صوتها من التشتت؟ أين هي الهيئة الجامعة التي تمنح للمغاربة المقيمين بالخارج فضاء مؤسساتيا حقيقيا للتعبير والمشاركة؟

إن الحاجة أصبحت ملحّة أكثر من أي وقت مضى إلى إطار وطني جامع، مؤسسة قوية وذات مصداقية، تنبع شرعيتها من القانون ومن المشاركة الواسعة لمغاربة العالم، لا من عدد المتابعين على مواقع التواصل الاجتماعي. نحتاج إلى مؤسسة تجعل المغربي في باريس ومونتريال وبروكسيل وأمستردام ومدريد وميلانو يشعر بأنه جزء من مشروع وطني متكامل، لا مجرد رقم في الإحصائيات أو عنوان يستدعى عند المناسبات. هذا نداء صادق إلى المؤسسات المعنية في الرباط؛ إلى وزارة الشؤون الخارجية، وإلى وزارة الداخلية، وإلى القطاعات المكلفة بالمغاربة المقيمين بالخارج، وإلى كل الفاعلين السياسيين والمدنيين. إن مغاربة العالم لا يطالبون بامتيازات استثنائية، بل يطالبون بالوضوح والتمثيل والإنصات. يطالبون بأن يكون لهم صوت مؤسساتي معلوم، لا أصوات متفرقة تتنازع الحديث باسمهم. يطالبون بأن تتحول الرؤى والتوجيهات الملكية إلى واقع ملموس، لا أن تبقى مجرد عناوين جميلة تتردد في الخطب والندوات. لقد آن الأوان للانتقال من مرحلة الأشخاص إلى مرحلة المؤسسات، ومن منطق الادّعاء إلى منطق الشّرعية، ومن فوضى التمثيل إلى تمثيل يحظى بالثقة والمشروعيّة. فالأمم القوية تبنى مؤسسات الراسخة. ومغاربة العالم، الذين ظلوا أوفياء لوطنهم أينما حلوا وارتحلوا، يستحقون اليوم أكثر من أي وقت مضى أن يجدوا مؤسسة تتحدث معهم، لا مؤسسة يتحدث الجميع باسمها.

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “غياب الممثل: من يتحدث باسم مغاربة العالم؟

  1. المشكلة ليست في كثرة الأصوات، بل في غياب إطار تمثيلي شرعي وشفاف يمنح الجالية المغربية في الخارج حقها في اختيار من يتحدث باسمها. فتمثيل ملايين المغاربة لا يكون بالادعاء أو بالحضور الإعلامي، وإنما بالمشروعية والكفاءة والثقة. لقد آن الأوان لفتح ورش حقيقي يعيد تنظيم تمثيلية مغاربة العالم، ويضمن أن يكون صوتهم نابعا منهم، لا مفروضا عليهم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *