بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
هناك مفارقة لا يجرؤ التاريخ على إنكارها. كلّما ارتفع الإنسان فوق المنصة، اقترب أكثر من فوهة البندقية. كأن السلطة جبل لا يصعد إليه المرء وحده، بل تصعد معه ظلال لا تنام. وما إن يظن أنّه أصبح يرى العالم من أعلى، حتى يكتشف أن العالم كلّه صار يراه. ولذلك لم يكن استهداف القادة، عبر القرون، حادثا استثنائيا، بل واحدا من أكثر الفصول تكرارا في كتاب السياسة. من الأباطرة إلى الملوك، ومن الرؤساء إلى الثوار، كانت السلطة دائما تمشي في ممر ضيق بين التصفيق والخطر. وليس السبب أن شخصا بعينه شرير أو قديس، بل لأنّ السلطة نفسها تملك خاصية فيزيائية غريبة. إنها تشبه البرق. كلما ارتفع فرق الجهد، أصبح احتمال التفريغ أكبر. وكلما أصبحت الشخصية أكثر حضورا، صارت أكثر قدرة على إثارة الحب والكراهية في آن واحد.
وهنا تكمن المعضلة. فالسياسي لا يعيش داخل حياة خاصة، بل داخل ملايين الصور التي يصنعها الآخرون عنه. هناك من يراه منقذا، وهناك من يراه خطرا، وهناك من يحوله إلى رمز لكل آماله أو لكل مخاوفه. وحين يتحول الإنسان إلى رمز، يصبح هدفا للخيال قبل أن يصبح هدفا للرصاص. ولهذا فإن شخصية مثل دونالد ترامب تستقطب قدرا استثنائيا من التأييد والرفض. فهو ليس مجرد رئيس بالنسبة إلى كثيرين، بل رمز لاتجاه سياسي وثقافي يثير انقسامات حادة داخل الولايات المتحدة وخارجها. وكلما زادت الاستقطابات، ازدادت أهمية حماية المؤسسات والقانون، لأن الديمقراطيات لا تقاس فقط بقدرتها على انتخاب القادة، بل أيضا بقدرتها على حمايتهم، وحماية خصومهم، من العنف.
أما السؤال: هل لإيران علاقة بهذه الواقعة؟ فالإجابة العلمية الصادقة هي: لا نعلم. إن أخطر ما يفعله العقل حين يواجه حادثا غامضا أنه يملأ الفراغ باليقين. الحقيقة لا تولد من الشك وحده، ولا من الاتهام وحده، بل من الأدلة. وإذا لم تكن الأدلة قد أعلنت، فإن الحكمة تقتضي انتظار نتائج التحقيق. الحضارة لا تنهزم حين تقع الحوادث. إنّها تنهزم حين يصبح الظن بديلا عن البرهان. ليست الرصاصة أخطر ما يهدد السياسة. الأخطر هو أن يفقد الناس إيمانهم بأن الخلاف يمكن أن يحسم بالكلمة، لا بالسلاح. فحين يحدث ذلك، لا يصبح الرئيس وحده في خطر، بل تصبح الجمهورية نفسها تمشي داخل مرمى النار.
📲 Partager sur WhatsApp