لماذا لم تخض واشنطن الحرب التي كانت قادرة على إشعالها؟

بقلم د. عبدالرحمن مكاوي-باريس

في التاريخ العسكري، القوة الحقيقية للدول تبدأ من السؤال الذي لا يراه أحد: هل تستطيع الدولة أن تتحمل ثمن النصر؟ لقد علمتنا الحروب الحديثة أن امتلاك القدرة على توجيه الضربة الأولى لا يعني امتلاك القدرة على كسب الحرب الأخيرة. وهنا تكمن المفارقة التي تفسر السلوك الأمريكي في المواجهة مع إيران. فالولايات المتحدة لم تمتنع عن توسيع الحرب لأنها عاجزة عن القتال. بل لأنها تدرك أن التفوق العسكري المطلق لا يلغي قانون الاستنزاف. خلال العقود الثلاثة الماضية، تأسست العقيدة العسكرية الأمريكية على مبدأ بالغ البساطة: السيطرة الجوية، والضربات الدقيقة بعيدة المدى، والقدرة على إدارة الحرب من خارج ميدانها. غير أن المواجهة مع إيران كشفت معادلة مختلفة. لقد أصبح الخصم غير مطالب بتدمير الأسطول الأمريكي. يكفيه أن يجعل تشغيله أكثر كلفة. لم يعد الانتصار يقاس بعدد الأهداف المدمرة، بل بعدد الصواريخ التي أجبرت الخصم على إطلاقها دفاعا عن نفسه. وهذه هي الثورة الصامتة في فن الردع.

تشير تحليلات صادرة عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى أن المواجهة استهلكت كميات كبيرة من الذخائر الأمريكية بعيدة المدى ومن صواريخ الدفاع الجوي، بما أثار نقاشا واسعا داخل المؤسسة العسكرية حول سرعة إعادة بناء المخزونات، وتأثير ذلك على الجاهزية في مسارح عمليات أخرى، وفي مقدمتها منطقة المحيطين الهندي والهادئ. ولا تكمن المشكلة في نقص المال. فالولايات المتحدة تستطيع زيادة الإنفاق الدفاعي متى أرادت. المشكلة أن الصناعة العسكرية لا تعمل بمنطق الأموال وحدها. إنها تعمل بمنطق الزمن. يمكن للكونغرس أن يقر مئات المليارات في ليلة واحدة. لكنه لا يستطيع اختصار سنوات من التصنيع وسلاسل الإمداد واختبارات الجودة. ولهذا أصبح الوقت نفسه موردا استراتيجيا.

إنّ أخطر ما أفرزته هذه المواجهة ليس حجم الذخائر المستخدمة. بل إعادة تعريف مفهوم القاعدة العسكرية. ففي القرن العشرين كانت القواعد الجوية والبحرية تمثل رمزا للهيمنة. أما في القرن الحادي والعشرين، فقد أصبحت أيضا أهدافا ثابتة يمكن للصواريخ الدقيقة والطائرات المسيرة أن تبلغها خلال دقائق. ولهذا بدأت مراكز التفكير الأمريكية تناقش بجدية الانتقال من نموذج “القاعدة العملاقة” إلى نموذج “الانتشار والتشتيت”، لتقليل قابلية القوات للاستهداف. وهذه ليست مسألة تكتيكية. إنها تحول في فلسفة الحرب. إيران، من جانبها، لم تكن بحاجة إلى امتلاك القوة الجوية الأمريكية. كانت تحتاج فقط إلى امتلاك القدرة على رفع كلفة أي حملة عسكرية طويلة. وهنا يظهر ما يسميه المنظرون العسكريون “الردع غير المتماثل”. إنه ردع لا يمنع الحرب. بل يجعل استمرارها أكثر ألما من بدايتها. فحين تصبح كل ضربة هجومية تستدعي عشرات الصواريخ الاعتراضية مرتفعة الكلفة، لا يعود السؤال: من يربح المعركة؟ بل: من يستطيع تحمل فاتورتها زمنا أطول؟

وتشير تقارير وتحليلات حديثة إلى أن استهلاك صواريخ الدفاع الجوي، وصواريخ كروز بعيدة المدى، فتح نقاشا أمريكيا أوسع حول المخاطر التي قد تترتب على أي مواجهة متزامنة مع قوة كبرى مثل الصين، إذا استمرت وتيرة الاستهلاك المرتفعة للمخزونات الدقيقة. وهذا يقود إلى حقيقة استراتيجية كثيرا ما تغيب عن الخطاب الإعلامي. الحرب ليست مواجهة بين جيشين فقط. إنها أيضا منافسة بين مصنعين. من يستطيع إنتاج الذخيرة أسرع؟ ومن يستطيع تعويض خسائره الصناعية قبل خصمه؟ لقد أصبحت خطوط الإنتاج امتدادا لخطوط القتال. وأصبح المهندس الذي يصمم منظومة صاروخية لا يقل أهمية عن الطيار الذي يطلقها.

ولذلك، فإنّ السؤال الحقيقي ليس: لماذا لم تشن واشنطن أكبر عملية عسكرية ضد إيران؟ السؤال الأدق هو: ما الذي كانت ستكسبه بعد الضربة الأولى؟ فالعمليات الجوية الواسعة قادرة على تدمير منشآت، وإضعاف بنى تحتية، وإبطاء برامج عسكرية. لكنها لا تقدم، وحدها، جوابا سياسيا عما يأتي بعد ذلك. فكل حملة عسكرية تحتاج إلى نهاية يمكن الدفاع عنها سياسيا، لا إلى بداية يمكن الاحتفال بها إعلاميا. ومن دون تصور واضح لليوم التالي، قد يتحول النجاح العسكري إلى عبء استراتيجي. لقد تغيرت طبيعة القوة. في الماضي، كان امتلاك أكبر جيش يعني امتلاك أكبر نفوذ. أما اليوم، فإن القوة تقاس أيضا بقدرة الدولة على الحفاظ على مخزونها، وتأمين قواعدها، وحماية سلاسل إنتاجها، وإدارة اقتصاد الحرب من دون إنهاك طويل الأمد. لهذا لم يكن التردد الأمريكي تعبيرا عن ضعف. كما لم يكن امتناعا عن استخدام القوة. بل كان اعترافا ضمنيا بأن الحرب الحديثة لم تعد تحسمها القاذفات وحدها. تحسمها القدرة على الاستمرار. وتحسمها الصناعة. ويحسمها الزمن.

إنّ الدرس الأهم الذي خرجت به المؤسسات العسكرية الغربية من هذه المواجهة ليس أن إيران أصبحت أقوى من الولايات المتحدة. فهذا استنتاج لا تؤيده موازين القوى الشاملة. لكن الدرس الحقيقي هو أن الدولة الأضعف تستطيع، إذا أحسنت توظيف الجغرافيا، والصواريخ الدقيقة، والطائرات المسيرة، والحرب الاقتصادية، أن تجعل القوة الأعظم تعيد حساباتها قبل أن توسع نطاق عملياتها. وهنا يكمن جوهر التحول في الحروب المعاصرة. لم يعد الردع يعني منع الخصم من الهجوم. بل يعني إقناعه بأن تكلفة الانتصار قد تصبح أعلى من قيمة الانتصار نفسه. وعندما تصل القوى الكبرى إلى هذه القناعة، فإن أكثر القرارات حكمة قد لا يكون إطلاق الصاروخ التالي. بل الامتناع عن إطلاقه.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *