بقلم زكية لعروسي, باريس
ليست مهمة الصحافة أن تصفق للسياسات، كما ليست مهمتها أن تبحث عن العيوب وحدها. وظيفتها الأولى أن تروي القصة كاملة، لأن نصف الحقيقة قد يتحول، من حيث لا يقصد صاحبه، إلى صورة غير عادلة. في مقاله المنشور حول مرور خمس سنوات على تقنين زراعة القنب الهندي في المغرب، يخلص الصحافي الفرنسي جان-باتيست فرانسوا إلى أن “الذهب الأخضر لم يحقق بعد الازدهار المنتظر للفلاحين”. وهذه ملاحظة تستحق النقاش، لأن التنمية ليست بالنوايا، بل بالنتائج. غير أن النتائج نفسها تحتاج إلى سياق، والسياق هو أول ما ينبغي ألاّ يغيب.
لقد ورث المغرب واحدا من أكثر الملفات تعقيدا في العالم. لعقود طويلة، كانت زراعة القنب الهندي في مناطق الريف تعيش خارج المنظومة الاقتصادية الرسمية؛ إنتاج ضخم، وسوق موازية، ووسطاء يراكمون الأرباح، بينما بقي الفلاح الحلقة الأضعف. لم يكن ذلك اختيارا سياسيا حديثا، بل تراكما تاريخيا امتد لعشرات السنين. وعندما قررت الدولة المغربية تقنين هذه الزراعة سنة 2021، لم تكن تفتح باب تجارة حرة، بل كانت تحاول إخراج قطاع كامل من اقتصاد الظل إلى اقتصاد القانون. وهذا الانتقال، بطبيعته، لا يحدث بمرسوم، ولا بعدد المواسم الزراعية فقط.

إن المقال يسلط الضوء على بطء العائدات الاقتصادية، لكنه لا يمنح المساحة نفسها لتعقيدات السوق الدولية. فالقنب الطبي ليس سلعة عادية؛ إنه يخضع لاتفاقيات دولية، وإجراءات ترخيص دقيقة، وشروط جودة صارمة، ومنافسة من دول دخلت هذا المجال قبل سنوات طويلة. وحتى في دول سبقت المغرب في التقنين، احتاجت الصناعة إلى سنوات حتى استقرت سلاسل الإنتاج والتصدير. ثم إن نجاح أي سياسة لا يختزل في سرعة الأرباح. فمن بين أهداف التقنين أيضًا تنظيم القطاع، وتقليص الاتجار غير المشروع، وإرساء معايير قانونية وصحية، وتشجيع التصنيع المحلي، وحماية الفلاح من شبكات الاستغلال. هذه التحولات لا تظهر كلها في ميزان الصادرات، لكنها تؤسس لاقتصاد أكثر استقرارًا على المدى البعيد.

ولعلّ السؤال الذي يستحق أن يطرح ليس: لماذا لم تتحقق جميع الوعود بعد خمس سنوات؟ بل: ماذا كان سيحدث لو لم يتّخذ هذا المسار أصلا؟ هل كان الفلاح سيحصل على حماية قانونية؟ وهل كانت المنتجات ستدخل مختبرات البحث والصناعة؟ وهل كان بالإمكان بناء تعاونيات مرخصة، وجذب استثمارات، ووضع معايير إنتاج معترف بها؟ أم أنّ الوضع كان سيبقى كما كان، بين اقتصاد غير مهيكل ومخاطر لا يتحملها إلا سكان المناطق المنتجة؟ الكتابة الصحفية الرصينة لا تكتفي بإحصاء ما لم يتحقق، بل تنظر أيضا إلى ما تغير، وإلى العقبات التي لا يملك بلد واحد القدرة على تجاوزها منفردا. فالتنمية ليست طريقا مستقيما، بل مسار تتداخل فيه السياسة والاقتصاد والجغرافيا والقانون.

لا يحتاج المغرب إلى من يجمله، كما لا يحتاج إلى من يختزل تجربته في عنوان جذاب. ما يحتاجه هو قراءة متوازنة تعترف بأن الإصلاحات الكبرى تقاس بعقود لا بسنوات، وأن بناء قطاع قانوني جديد يختلف جذريا عن إدارة قطاع ظل لعقود خارج القانون. قد يختلف المراقبون في تقييم سرعة النتائج، لكن من الصعب إنكار أن المغرب اختار طريقا أكثر تعقيدا وأكثر مسؤولية: تحويل محصول ارتبط طويلا بالاقتصاد غير المنظم إلى رافعة للبحث العلمي، والصناعة، والتنمية المحلية، في إطار قانوني يخضع للمساءلة. ويبقى الحكم الحقيقي ليس لما كتب في افتتاحية صحيفة، ولا لما تقوله الحكومات، بل لما ستكشفه السنوات المقبلة. فالتاريخ الاقتصادي يعلمنا أن التحولات العميقة لا تبدأ بزلزال صوتي، وإنما بخطوات هادئة قد تبدو بطيئة في أعين المتعجلين، لكنها كثيرًا ما تكون الأكثر رسوخا. لهذا، فإن السؤال ليس إن كان “الذهب الأخضر” قد روى الأرض المغربية بعد، بل إن كانت البذرة التي زرعت اليوم ستمنح الأجيال القادمة اقتصادا أكثر عدلا وتنظيما وسيادة. ذلك هو الامتحان الحقيقي، وهو امتحان لم تنته فصوله بعد.
📲 Partager sur WhatsApp