بقلم زكية لعروسي, مديرة جريدة الورقاء-باريس
في الجغرافيا السياسية توجد حقيقة لا تكتب في المعاهد العسكرية بقدر ما تحفظها طرق القوافل القديمة: الجندي يستطيع أن يفتح الطريق، لكنه لا يستطيع أن يجعل الناس يسلكونه إلى الأبد. وحدها المصالح تفعل ذلك. ولذلك فإن كل إمبراطورية بلغت ذروة قوتها العسكرية بدأت في اللحظة نفسها رحلة البحث عن أدوات أقل صخبا وأكثر خلودا. ما يجري اليوم في الشرق الأوسط ليس مجرد إعادة ترتيب للتحالفات، بل إعادة تعريف لمعنى النفور من الحرب نفسها. فالحرب الأمريكية الإيرانية، مهما كانت نتائجها التكتيكية، كشفت مفارقة عميقة: لقد أصبحت القوة العسكرية أكثر دقة من أي وقت مضى، لكنها أصبحت أقل قدرة على إنتاج نظام سياسي مستقر. وكأن الصاروخ بات يجيد إصابة الهدف، لكنه فقد القدرة على إصابة المستقبل.
لقد دخل الشرق الأوسط مرحلة لم تعد فيها الخرائط ترسم بالدبابات وحدها، بل بخطوط الألياف البصرية، والموانئ الذكية، وصناديق الاستثمار، وسلاسل الإمداد، ومراكز البيانات، والذكاء الاصطناعي. هنا لم تعد الدولة التي تملك أكبر ترسانة هي صاحبة النفوذ الأوسع، بل تلك التي تستطيع أن تجعل الآخرين يربحون معها. إن الولايات المتحدة تواجه معضلة فلسفية قبل أن تكون معضلة استراتيجية. فقد اعتادت طوال عقود أن تقيس النفوذ بعدد القواعد العسكرية، بينما يتحول العالم بهدوء إلى قياسه بعدد المنصات الاقتصادية التي لا يستطيع أحد الاستغناء عنها. وهذا تحول يشبه انتقال الحضارة من لغة السيف إلى لغة الخوارزمية.
لم تعد القوة الصلبة هي الشمس الوحيدة التي تدور حولها السياسة الدولية. لقد ولدت شموس أخرى: الاستثمار، والابتكار، والتكنولوجيا، والطاقة، والتمويل، والبنية التحتية. وكل واحدة منها تملك جاذبية لا تقل تأثيرا عن حاملات الطائرات. ولعل التجربة المصرية، من خلال توظيف الاستثمار في القطاع الخاص كأداة نفوذ، تكشف شيئا أعمق من مجرد نجاح اقتصادي. إنها تشير إلى أن رأس المال، عندما يتحول إلى شريك في بناء المستقبل، يصبح أكثر فاعلية من المساعدات التقليدية. فالمساعدة تمنح الدولة يوما إضافيا، أما الاستثمار فيمنحها سببا جديدا للبقاء.
إن الأسواق لا تحتل المدن، لكنها تجعل المدن ترفض الاحتلال. وهذا هو الفرق الجوهري بين القوة التي تفرض الطاعة والقوة التي تصنع المصلحة. الأولى تعيش على الخوف، والثانية تعيش على الأمل. ولذلك فإن الشرق الأوسط لم يعد يبحث فقط عن مظلة أمنية، بل عن معنى اقتصادي لسلامه. فالدول لم تعد تقيس أمنها بعدد الصواريخ التي تمتلكها، بل بعدد المستثمرين الذين يخشون مغادرتها. فحين يصبح رأس المال رهينة للاستقرار، يتحول الاستقرار نفسه إلى مصلحة جماعية. غير أن السؤال الحقيقي لا يتعلق بما إذا كانت واشنطن ستستثمر أكثر، بل بما إذا كانت قادرة على تغيير فلسفتها في فهم القوة. فالإمبراطوريات غالبا ما تسقط لأنها تستمر في استخدام أدوات الماضي ضد مشكلات المستقبل.
إن القرن الحادي والعشرين لا يشبه القرن العشرين إلا في الاسم. ففي الأمس كانت السيطرة تبدأ من البحر، ثم تنتقل إلى البر. أما اليوم فإنها تبدأ من البيانات، ثم تنتقل إلى الاقتصاد، ثم إلى العقول، وأخيرا إلى السياسة. لقد أصبح النفوذ يسافر بسرعة الضوء، بينما لا تزال الجيوش تسير بسرعة القوافل. وفي هذا العالم الجديد لم تعد الحرب انتصارا عندما تنتهي المعركة، بل عندما تصبح غير ضرورية. فالدبلوماسية الاقتصادية ليست بديلا عن الردع، وإنما هي المستوى الأعلى منه، لأنها تجعل الحرب خسارة للجميع قبل أن تبدأ. ولذلك فإن الشرق الأوسط يقف أمام مفترق حضاري لا يقل أهمية عن مفترق سياسي. فإما أن يبقى مسرحا تتصارع فوقه القوى الكبرى، وإما أن يتحول إلى فضاء تتنافس فيه المشاريع الكبرى. والفارق بين المسرح والفضاء هو الفارق بين أن تكون موضوعا للتاريخ أو أن تصبح أحد صانعيه.
ربما يكون أعظم تحول في السياسة الأمريكية المقبلة ليس تقليص عدد الجنود، بل زيادة عدد رواد الأعمال. وليس بناء قواعد جديدة، بل بناء منظومات إنتاج جديدة. وليس تصدير السلاح فقط، بل تصدير القدرة على خلق الثروة. إن الإمبراطوريات القديمة كانت تزرع أعلامها فوق القلاع. أما إمبراطوريات المستقبل فستزرع خوادمها في مراكز البيانات، واستثماراتها في الشركات الناشئة، وشبكاتها في العقول البشرية. وفي النهاية، قد يكتشف العالم أن النفوذ الحقيقي لا يولد عندما يدخل الجيش مدينة، بل عندما يصبح خروج المستثمر منها مستحيلا. هناك فقط تتحول السياسة إلى اقتصاد، ويتحول الاقتصاد إلى جغرافيا، وتتحول الجغرافيا إلى قدر جديد للأمم.
📲 Partager sur WhatsApp