مجتمع مفتوح أم سوق للرغبات؟

بقلم زكية لعروسي, باريس

هناك جرائم لا تهزّ مجتمعا بعينه، بل تهزّ الفكرة التي يحملها الإنسان عن نفسه. حين يكون الضحية طفلا، لا يعود الأمر مجرد قضية جنائية أو خبر عابر في صحيفة. يصبح مرآة سوداء تنعكس عليها أسئلة الحضارة كلها: من أين يأتي هذا العنف؟ كيف تتحول بعض الرغبات إلى افتراس؟ ولماذا يبدو أن البشرية، رغم كل ما راكمته من قوانين وأديان وفلسفات وعلوم، ما زالت تصطدم بالهاوية ذاتها منذ آلاف السنين؟ قضية ليهانا ليست مجرد حادثة فرنسية، كما أن النقاش حول مراقبة المعتدين الجنسيين على الأطفال لا يخص دولة بعينها. إنه فصل جديد من كتاب قديم جدا، كتب أول سطر فيه يوم اكتشف الإنسان أن داخله عوالم متناقضة: القدرة على الحب، والقدرة على التدمير. قبل ظهور المحاكم بقرون طويلة، وقبل أن تصاغ التشريعات الحديثة، كانت المجتمعات البشرية تعرف أن هناك خطوطا حمراء لا يجوز تجاوزها.

في الموروث العربي القديم، كان الطفل ينظر إليه باعتباره أمانة إلهية وامتدادا للنسب والعائلة والقبيلة. وكانت حماية الضعفاء معيارا للشرف والرجولة والمروءة. أما في العالم الإغريقي، فقد امتلأت الأساطير بقصص تتداخل فيها الرغبة مع السلطة، والشهوة مع الهيمنة. لم تكن الأساطير مجرد حكايات، بل كانت مرايا تكشف الجانب المظلم من النفس البشرية. لقد أدركت الحضارات القديمة ما يدركه علماء النفس اليوم: أن الإنسان ليس كائنا عقلانيا بالكامل، بل يحمل في أعماقه قوى متصارعة، بعضها يخلق الجمال وبعضها يهدد بتدمير كل ما هو جميل. ولهذا فإن الاعتداء على الأطفال ليس ظاهرة ولدت مع الإنترنت أو مع العصر الحديث. إنه مرض قديم قدم المجتمعات نفسها. لكن أشكاله ووسائله تتغير مع الزمن. يعيش العالم المعاصر مفارقة عجيبة.

فلم يسبق أن كانت الحرية الفردية بهذا الاتساع. ولم يسبق أن كانت الصور والرغبات والمشاهد الجنسية متاحة بهذا الحجم الهائل. من الهاتف المحمول إلى المنصات الرقمية، أصبحت الحدود التي كانت تفصل الخاص عن العام أكثر هشاشة من أي وقت مضى. لكن الربط المباشر بين الانفتاح الجنسي والاعتداء على الأطفال يبقى تبسيطا مخلا. فالغالبية الساحقة من الناس تتعامل مع هذا الانفتاح دون أن تتحول إلى مجرمين. المشكلة ليست في الحرية بحد ذاتها. بل في التقاء الاضطراب النفسي بالرغبة في السيطرة، وغياب الضوابط الأخلاقية، والعجز عن رؤية الطفل كإنسان مستقل يمتلك كرامته وحقوقه. فالاعتداء الجنسي على الأطفال لا يتعلق بالرغبة الجنسية وحدها. بل يتعلق أيضًا بالقوة. بالهيمنة. بالاستغلال. وبتشويه العلاقة بين الراشد والطفل.

الجواب الذي تؤكده الدراسات الجنائية والاجتماعية في معظم دول العالم هو نعم. هذه الجرائم لا تنتمي إلى طبقة اجتماعية واحدة. لا إلى الأغنياء وحدهم. ولا إلى الفقراء وحدهم. لا إلى المتعلمين فقط. ولا إلى غير المتعلمين فقط. إنها تظهر في المدن والقرى، وفي البيئات المحافظة كما في البيئات المنفتحة. وتلك إحدى أكثر الحقائق إزعاجا. فالإنسان يميل دائما إلى الاعتقاد أن الشر يوجد بعيدا عنه. في حي آخر. في طبقة أخرى. في ثقافة أخرى. لكن الوقائع تقول إن الخطر يمكن أن يظهر في أي مكان توجد فيه هشاشة إنسانية وسوء استخدام للسلطة والثقة. في الماضي كان المعتدي يحتاج إلى الاقتراب جسديا من ضحيته. أما اليوم فقد فتحت التكنولوجيا أبوابا جديدة. شبكات التواصل. الرسائل المشفرة. الألعاب الإلكترونية. المنصات الرقمية. كلها خلقت فضاءات غير مسبوقة للتواصل، لكنها خلقت أيضا مساحات جديدة للاستدراج والاستغلال. ولهذا تحاول الدول تطوير أدوات أكثر تعقيدا للرصد والوقاية. لكن هنا تظهر المعضلة الكبرى: كيف نحمي الأطفال دون أن نحول المجتمع إلى فضاء مراقبة شامل؟ كيف نمنع الجريمة دون أن نضع الجميع تحت الاشتباه؟ إنه السؤال الذي يرافق كل الديمقراطيات الحديثة.

كل جريمة بحق طفل تدفع المجتمع إلى المطالبة بمزيد من الحماية. وهذا رد فعل مفهوم ومشروع. لكن التاريخ يعلمنا أن القوانين التي تكتب تحت تأثير الصدمة تحتاج دائما إلى قدر من الحكمة الباردة. فالعدالة لا تبنى على الغضب وحده. بل على التوازن. بين حماية الضحايا. وضمان الحقوق. ومنع تكرار المأساة. إن التحدي الحقيقي ليس فقط القبض على المجرم. بل بناء منظومة قادرة على اكتشاف الخطر مبكرا، ودعم الأسر، وتعزيز التربية، وتطوير العلاج النفسي، وتوفير الرقابة القانونية دون التضحية بالحريات الأساسية. ليست قضية ليهانا قضية فرنسية فقط. إنها تذكير عالمي بأن معيار تقدم الأمم لا يُقاس بناطحات السحاب ولا بالخوارزميات ولا بالناتج المحلي. بل بقدرتها على حماية أكثر أفرادها ضعفا. فالطفل هو آخر حدود الحضارة. وكل مجتمع يختبر أخلاقيا في الطريقة التي يدافع بها عن طفولته. وعندما تعجز القوانين أو المؤسسات عن أداء هذا الدور، لا تكون الضحية طفلا واحدا فقط. بل تصبح الإنسانية كلها أقل أمانا، وأقل براءة، وأقل قدرة على النظر إلى نفسها في المرآة.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *