هارون الرشيد بين التاريخ والحكاية

حين ينقسم الرجل بين دفاتر المؤرخين وذاكرة شهرزاد

بقلم زكية لعروسي مديرة جريدة الورقاء باريس

هناك رجال لا يموتون حين يغادرون الدنيا، بل تبدأ حياتهم الحقيقية بعد الرحيل. يمضي الجسد إلى التراب، لكن الاسم يظل مسافرا بين الأجيال، ينتقل من كتاب إلى كتاب، ومن ذاكرة إلى ذاكرة، حتى يصبح أحيانا أكبر من صاحبه، وأكثر اتساعا من الزمن الذي عاش فيه. ومن بين هؤلاء الرجال الذين كتب لهم التاريخ حياة ثانية، يطل هارون الرشيد، الخليفة العباسي الذي ظل واقفا منذ أكثر من اثني عشر قرنا عند مفترق طرق عجيب: طريق المؤرخين، وطريق الحكائين. فمن هو هارون الرشيد؟ هل هو الرجل الذي نجده في صفحات كتب التاريخ، بين أخبار الدولة والسياسة والحروب والعلماء والفقهاء؟ أم هو الرجل الذي خرج من ليالي بغداد، متنكرا في أزقتها، يحمل مصباح الحكاية، ويتجول بين الناس بحثا عن أسرار المدينة؟ أم أن الحقيقة، كما يحدث دائما مع الشخصيات الكبرى، ليست في هذا الطرف أو ذاك، وإنما في المسافة الخفية التي تفصل بينهما؟

هذه السلسلة التي نقدمها للقارئ، ليست بحثا عن إدانة هارون الرشيد أو الدفاع عنه. وليست محاولة لاستبدال صورة بصورة. فالغاية ليست أن نقول إن الرشيد كان ملاكا كما تريد بعض القراءات، ولا أن نقول إنه كان غارقا في اللهو والمجون كما رسخت بعض الصور الأدبية والشعبية. إن الإنسان التاريخي أعقد من أن يحبس في كلمة واحدة. فالمصادر التاريخية القديمة، بما فيها كتب الأخبار والتراجم والتاريخ، تقدم لنا شخصية أكثر تعقيدا وثراء من هذه الأحكام الجاهزة. إنها تقدم خليفة حكم دولة واسعة، عاش في عصر بالغ الازدهار، ارتبط اسمه بالقوة السياسية، وبمجالس العلم، وبهيبة الخلافة، كما تقدم في الوقت نفسه أخبارا عن حياة البلاط ومظاهر الترف التي كانت جزءا من طبيعة العصر العباسي.

وهنا تبدأ المسألة الحقيقية. فالتاريخ لا يرسم لنا تمثالا من نور ولا تمثالا من ظلام. إنّه يرسم إنسانا. والإنسان، مهما ارتفع مقامه، يبقى خليطا من القوة والضعف، من الزهد والرغبة، من السلطة والحيرة، من الجلال والنقص. لكن الأدب فعل شيئا آخر. لقد أخذ اسم هارون الرشيد، وفتح له بابا لا يوجد في كتب المؤرخين. دخل به إلى قصر شهرزاد. هناك لم يعد الخليفة مجرد حاكم يجلس على عرش بغداد. صار شخصية حكائية. رمزا. مفتاحا يفتح أبواب الخيال. صار الرجل الذي يخرج من القصر ليرى المدينة، والحاكم الذي يستمع إلى أصوات الناس، والشخصية التي تستطيع أن تجمع حولها آلاف الحكايات. لكن الأدب لا يكتب السيرة. الأدب يصنع المعنى. وهنا يقع الالتباس الكبير. فالبعض يريد أن يحاكم ألف ليلة وليلة بمعايير كتب التاريخ، والبعض يريد أن يرفض كل ما صنعه الخيال باسم الدفاع عن التاريخ. والحقيقة أن التاريخ والحكاية لا يقفان دائما في مواجهة بعضهما. فالتاريخ يحفظ ما وقع. أما الحكاية فتحفظ كيف تخيل الإنسان ما وقع. الأول يسأل: ماذا حدث؟ والثاني يسأل: ماذا يعني ما حدث؟

إنّ هارون الرشيد الذي سنحاول الاقتراب منه في هذه السلسلة ليس هارون واحدا. إنه هارونان، وربما أكثر. هناك هارون الرشيد الذي عاش في القرن الثاني للهجرة، وسط عالم السياسة العباسية، بكل ما فيه من قوة وتعقيد وتناقضات. وهناك هارون الرشيد الذي ولد في رحم المخيلة العربية، ثم عبر اللغات والثقافات، حتى أصبح من أشهر الشخصيات الشرقية في الأدب العالمي. الأول صنعه الزمن. والثاني صنعته الذاكرة. وبينهما مسافة تشبه المسافة بين القصر والمدينة، بين الوثيقة والأسطورة، بين صوت المؤرخ وهمس الحكاء. في هذه السلسلة، سنحاول أن نعيد قراءة هذا الرجل بعيدا عن الأحكام السريعة. لن نبحث عن خليفة قديس. ولن نبحث عن خليفة ماجن. بل سنبحث عن الإنسان الذي اختبأ خلف الصورتين. سنفتح دفاتر المؤرخين، ونسير في طرقات شهرزاد. سنعود إلى بغداد العباسية، وننصت إلى أصوات الكتب القديمة، ثم ننتقل إلى عالم الحكاية حيث يتحول الخليفة إلى رمز، ويتحول التاريخ إلى مرآة ترى فيها الشعوب أحلامها ومخاوفها.

ربما تكون أعظم مفارقات هارون الرشيد أنه لم يعد ملكا لنفسه. فقد امتلكه المؤرخون مرة. وامتلكه الحكاؤون مرات. وكل جيل أعاد اكتشافه وفق أسئلته الخاصة. وهذا هو سر الشخصيات الكبرى. إنها لا تبقى في زمن واحد. بل تسافر. تغير ثيابها. وتدخل مدنا جديدة. وتتكلم بلغات جديدة. حتى يصبح السؤال عنها، في النهاية، سؤالا عن الإنسان نفسه. من نحن؟ وكيف نصنع صور من رحلوا قبلنا؟ وهل الحقيقة دائما هي ما حدث؟ أم أن بعض الحقائق تولد أيضا مما حلم به البشر؟ من هنا تبدأ الرحلة… رحلة هارون الرشيد بين التاريخ والحكاية.

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “هارون الرشيد بين التاريخ والحكاية

  1. هذا تحليل جريئ ورائع.
    في علم التواصل الحديث هناك فرضية تقول : إن الخريطة ليست هي الإقليم، والصورة تعني أن لكل واحد تصوره الخلص للحقيقة، أي للواقع.
    ومن هذا المنطلق أكاد أجزم أن المؤرخين هم أيضا لا يقدرون على التحرر والتجرد الكامل من قيمهم ورغباتهم في تدوين الأحداث. مما يجعلهم هم أيضا يدخلون ميدان الحكاوي. والله أعلم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *