هرمز… “مزرعتنا” في الخطاب

( (شعار السيادة الإيرانية وميزان القوة البحرية: لماذا يظل مضيق هرمز مفتوحا رغم التصعيد؟)

بقلم: عبد الرحمن مكاوي, باحث في الشؤون الاستراتيجية والأمنية

لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر بحري تعبره ناقلات النفط، بل أصبح عنوانا دائما لصراع الإرادات بين إيران والولايات المتحدة، ومسرحا لحرب محسوبة بدقة، لا يريد أي من طرفيها الانزلاق إلى مواجهة شاملة. في هذا السياق، يختصر الشعار الإيراني: “هرمز مزرعتنا” جانبا من الخطاب السياسي أكثر مما يعكس حقيقة التوازنات العسكرية. فطهران تسعى من خلال هذا الخطاب إلى تأكيد سيادتها وإظهار تماسكها الداخلي، خصوصًا أمام التيارات المتشددة والأوساط الاقتصادية التي ترى في السيطرة على المضيق رمزا للسيادة الوطنية. غير أن الواقع البحري أكثر تعقيدا بكثير من الشعارات.

إيران تمتلك أدوات إزعاج فعالة: زوارق سريعة تابعة للحرس الثوري، طائرات مسيّرة، صواريخ ساحلية، وألغام بحرية قادرة على إرباك الملاحة ورفع كلفة التأمين والشحن. لكنها، في المقابل، لا تمتلك القدرة العملية على إغلاق مضيق لا يتجاوز عرضه نحو واحد وعشرين ميلا بحريا، في ظل مراقبة دائمة من الأسطول الأمريكي الخامس، والقوات البحرية البريطانية، والتنسيق الأمني مع سلطنة عمان. إن أي محاولة لتعطيل الملاحة بصورة كاملة لن تعني سوى فتح الباب أمام رد عسكري واسع، وقفزة هائلة في تكاليف التأمين البحري، وتشديد العقوبات الاقتصادية. ولهذا، يبقى المضيق مفتوحا، وإن كان محاطًا بالأسلاك الشائكة السياسية والعسكرية. إنه “مزرعة” في الخطاب، لكنه في الواقع فضاء مراقب بدقة، تحكمه موازين القوة أكثر مما تحكمه الشعارات.

حرب كامنة… لا عمليات كبرى

المشهد العسكري في منتصف عام 2026 يؤكد أن المنطقة تعيش حربا كامنة، عنوانها الضربات المحدودة لا العمليات العسكرية الشاملة. يعتمد الحرس الثوري الإيراني على ما يمكن وصفه بـ”استراتيجية البعوض”: هجمات خاطفة بواسطة الزوارق السريعة، والطائرات المسيّرة، والعمليات السيبرانية، وتحريك الوكلاء الإقليميين. إنها حرب منخفضة الكلفة، تمنح طهران هامش الإنكار السياسي، وتهدف إلى الاستنزاف وإرسال الرسائل أكثر من تغيير موازين القوى. في المقابل، تمتلك الولايات المتحدة تفوقا بحريا واستخباراتيا هائلا. فالأسطول الخامس، المدعوم بحاملات الطائرات، والمدمرات المزودة بمنظومات الدفاع الجوي، وطائرات الاستطلاع، والأقمار الصناعية، يعتمد على قاعدة بيانات استخباراتية واسعة للأهداف المحتملة: منصات الصواريخ الساحلية، مراكز القيادة، الرادارات، ومستودعات السلاح. وهكذا، تقوم العقيدة الأمريكية على مبدأ واضح: إذا تجاوزت إيران الخطوط الحمراء، فإن الضربة الأولى ستكون موجهة إلى “إعماء” القدرات العسكرية الإيرانية، وشل مراكز القيادة والسيطرة قبل أي تطور ميداني.

بنك الأهداف… في مواجهة أسراب البعوض

تكشف المقارنة بين الطرفين عن الفارق الجوهري في فلسفة الحرب. الولايات المتحدة تراهن على “بنك الأهداف”؛ شبكة استخباراتية متطورة تحدّث بصورة مستمرة عبر الأقمار الصناعية، والاستطلاع الإلكتروني، والمراقبة الجوية والبحرية. أما إيران، فتراهن على الانتشار والمرونة والتمويه؛ منصات متحركة، أنفاق، أهداف وهمية، وتحركات سريعة تجعل استئصال جميع وسائلها الهجومية أمرا بالغ الصعوبة. لكن هذه الاستراتيجية، رغم فعاليتها التكتيكية، لا تمنح طهران القدرة على تغيير المعادلة الاستراتيجية. فهي تستطيع إزعاج الخصم، لكنها لا تستطيع فرض واقع عسكري جديد في مضيق يمثل شريانا حيويا للاقتصاد العالمي.

معادلة الردع المتبادل

منذ التفاهمات التي شهدتها المنطقة في منتصف يونيو 2026، ترسخت قاعدة غير معلنة: ضربات محدودة تقابلها ضربات محدودة. ترد الولايات المتحدة عندما ترى أن خطوطها الحمراء قد تم تجاوزها، بينما تختار إيران ردودا محسوبة، غالبا عبر أدوات غير مباشرة أو إجراءات رمزية في البحر. أما خيار الحرب الشاملة، فيظل مستبعدا لأن كلفته السياسية والاقتصادية والعسكرية باهظة على الجميع. فالاقتصاد الإيراني لا يحتمل توقف صادرات الطاقة أو انهيار حركة التجارة، كما أن أي اضطراب كبير في مضيق هرمز قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط عالميا، بما يحمله ذلك من تداعيات اقتصادية وسياسية تتجاوز حدود الإقليم.

خلاصة المشهد

لقد فقدت ورقة “إغلاق مضيق هرمز” جزءا كبيرا من قيمتها الردعية، ليس لأن إيران تخلت عنها، بل لأن كلفة استخدامها أصبحت مرتفعة للغاية في ظل التفوق البحري والاستخباراتي الأمريكي. لذلك، لا تلعب طهران لعبة الحرب المفتوحة، بل لعبة الشطرنج: خطوة إلى الأمام، تهديد محسوب، ثم تراجع مدروس، مع الحفاظ على القدرة على المناورة دون الوصول إلى نقطة اللاعودة. في النهاية، يبقى شعار “هرمز مزرعتنا” رسالة سياسية موجهة إلى الداخل، بينما تؤكد الوقائع العسكرية أن مضيق هرمز سيظل، في المستقبل المنظور، محكوما بتوازن الردع أكثر من أي خطاب تعبوي. فالصراع اليوم ليس صراع احتلال الممرات البحرية، بل صراع إدارة الأزمات ومنعها من التحول إلى حرب شاملة، وهي معادلة يدركها جميع اللاعبين، مهما ارتفعت حدة التصريحات.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *