هل يمكن للمال أن يكون لغة عادلة وجع الإنسان؟

بقلم زكية لعروسي, مديرة جريدة الورقاء-باريس

هناك لحظة صامتة لا يراها أحد داخل المستشفى. ليست لحظة دخول المريض إلى غرفة العمليات، ولا لحظة خروج الطبيب منها، ولا حتى اللحظة التي يعلن فيها نجاح العملية أو فشلها. إنها لحظة أخرى، تأتي بعد أن يهدأ كل شيء، حين يجلس الإنسان وحيدا أمام سؤال لا تجيب عنه الأشعة ولا تحسمه التحاليل: ماذا لو كان ما حدث خطأ؟ ذلك السؤال، على بساطته، يفتح واحدا من أكثر الملفات تعقيدا في المجتمعات الحديثة. فهو لا يتعلق بالطب وحده، ولا بالقانون وحده، ولا بالاقتصاد وحده، بل يقع عند تقاطع هذه العوالم جميعها، حيث يلتقي العلم الذي قد يخطئ، والقضاء الذي يبحث عن الإنصاف، والاقتصاد الذي يحسب الكلفة، والإنسان الذي لا يعرف كيف يقيس خسارته.

فالطب، مهما بلغ من الدقة، يظل فعلا إنسانيا. وكل فعل إنساني يحمل في داخله احتمال النجاح واحتمال الإخفاق. وليس في ذلك ما يدين المهنة، لأن الطب لم يعد منذ زمن طويل يعد الناس بالمعجزات، بل يعدهم ببذل أقصى ما تسمح به المعرفة العلمية في لحظة معينة.لكن المجتمع، في المقابل، لم يعد يكتفي بالاعتراف بأن الخطأ وارد. لقد أصبح يطالب بسؤال آخر: إذا وقع الخطأ، فمن يتحمل تبعاته؟ وهنا تبدأ رحلة معقدة لا تقل قسوة عن المرض نفسه. ففي الدول الحديثة، لا ينتهي الخطأ الطبي عند باب المستشفى، بل يبدأ بعده مسار طويل من الخبرات الطبية، والملفات القانونية، وشركات التأمين، والهيئات المختصة، والمحاكم، واللجان، والتقارير، والجداول، والمعايير. كأن الألم، الذي بدأ صرخة في غرفة العلاج، يتحول تدريجيا إلى ملف يحمل رقما، ثم إلى قضية تحمل مرجعا، ثم إلى مبلغ مالي يقال إنه يمثل قيمة الضرر.

وهنا يطرح السؤال الأكثر إرباكا: هل يمكن للمال أن يكون لغة عادلة للألم؟ لا أحد يملك جوابا كاملا. فالقانون لا يشتري الصحة المفقودة، ولا يعيد عضوا فقد وظيفته، ولا يمحو خوف إنسان أصبح ينظر إلى المستشفى بعين الريبة بعد تجربة قاسية. إنه يفعل شيئا آخر أكثر تواضعا: يحاول أن يعوض، لا أن يعيد الزمن إلى الوراء. وهذا هو الفرق الجوهري بين التعويض والشفاء. فالشفاء يعيد الحياة كما كانت.أما التعويض فيعترف بأن الحياة لن تعود كما كانت. ولعل هنا تكمن المعضلة الأخلاقية الكبرى. فكل نظام تعويض، مهما بلغ من التطور، يجد نفسه مضطرا إلى تحويل معاناة إنسانية فريدة إلى معايير عامة. تصبح القدرة على الحركة نسبة مئوية، ويصبح الألم سلما رقميا، ويصبح العجز الوظيفي معادلة حسابية، وتصبح سنوات العمر عاملا اقتصاديا يدخل في تقدير قيمة التعويض. وليس في ذلك قسوة بقدر ما هو اعتراف بعجز القانون عن اختراع لغة أخرى.

فالدولة لا تستطيع أن تحكم بالعاطفة، كما لا يستطيع الاقتصاد أن يعمل بالمشاعر وحدها. ولذلك تلجأ إلى الجداول، وإلى الخبرة، وإلى المقارنات، حتى يبدو العدل أقرب إلى الموضوعية. غير أن الموضوعية نفسها تظل محدودة أمام خصوصية الإنسان. فقد يتساوى شخصان في نسبة العجز، لكنهما لا يتساويان في حجم الألم الذي غير حياتهما. وقد يحمل رقمان متشابهان حكايتين لا تشبه إحداهما الأخرى. ومن هنا يولد التوتر الدائم بين العدالة والاقتصاد. فالاقتصاد يسأل: كم تبلغ كلفة الضرر؟ أما العدالة فتسأل: هل أنصفنا الإنسان؟ والفرق بين السؤالين هو الفرق بين الميزانية والضمير. ولذلك فإن المجتمعات التي نجحت في بناء أنظمة للتعويض لم تدع أنها ألغت الخطأ، ولا أنها استطاعت تسعير الألم بدقة. كل ما فعلته أنها حاولت ألا تترك الضحية وحيدة في مواجهة قدر كان يمكن، في بعض الحالات، تفاديه.

وفي المقابل، لا يمكن تحويل كل خطأ طبي إلى اتهام أخلاقي للطبيب. فالطبيب لا يعمل في فراغ، بل داخل منظومة صحية معقدة، تتداخل فيها الإمكانات البشرية، وضغط الوقت، ونقص الموارد أحيانا، والإرهاق، وتزايد الطلب على العلاج، وتعقد الحالات السريرية. وقد يكون الخطأ نتيجة خلل في النظام أكثر منه نتيجة تقصير فردي. وهنا يصبح الإصلاح أوسع من مجرد تعويض مالي. إنه يبدأ من ثقافة تعترف بالخطأ لكي تتعلم منه، لا لكي تخفيه، ومن مؤسسات تشجع الإبلاغ عن الأخطاء لتحسين جودة العلاج، لا لتغذية الخوف من العقاب وحده. فالمنظومات الصحية العظيمة ليست تلك التي لا تقع فيها الأخطاء، لأن ذلك مستحيل، بل تلك التي تحول الخطأ إلى معرفة، والمعرفة إلى وقاية.

يبقى الإنسان هو مركز الحكاية كلها. ليس المبلغ الذي يحصل عليه. ولا الحكم الذي يصدر. ولا التقرير الذي يكتب. بل الإنسان الذي دخل المستشفى باحثا عن الشفاء، ثم وجد نفسه في رحلة أخرى، رحلة تبحث عن معنى العدالة بعد أن تعذر استرجاع ما فقد. ولعل هذا هو الدرس الأعمق. فالطب ليس صناعة للأجساد فقط، بل هو عقد ثقة بين المجتمع ومن يعالجونه. والقانون ليس آلة لحساب الأموال فقط، بل محاولة دائمة لحماية تلك الثقة. أما الاقتصاد، فليس خصما للأخلاق، بل هو الإطار الذي يحدد كيف توزع الموارد المحدودة دون أن ينسى أن خلف كل رقم إنسانا، وخلف كل تعويض قصة، وخلف كل قصة وجعا لا تستطيع أي عملة في العالم أن تشتري نسيانه.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *