بقلم: دون بيدرو سامبايو كاتب رأي بالتعاون مع فوكوس ميديتيرانيو
تبدو فكرة «الريمِغراسيون» أو «العودة إلى الأصل» بسيطة في ظاهرها: أن يعود كل إنسان إلى بلد أصوله أو أصول أسلافه. غير أن هذه البساطة تتلاشى فور اصطدامها بالتاريخ. فالتاريخ البشري ليس قصة شعوب ثابتة في أماكن ثابتة، بل هو نهر متواصل من الهجرات والاختلاطات والتحولات السياسية والثقافية. منذ الحضارات القديمة، لم تعرف البشرية حدوداً عرقية أو جغرافية مستقرة بالمعنى الذي يتخيله البعض اليوم. فقد قامت الإمبراطوريات الكبرى على دمج جماعات مختلفة، ونقل السكان، وتوسيع دوائر الانتماء. وكان نموذج الإمبراطورية الرومانية من أبرز الأمثلة على ذلك؛ إذ تحولت المواطنة من رابطة قائمة على الأصل إلى رابطة قانونية وسياسية تشمل شعوبا متعددة تحت نظام واحد.
ومع تعاقب القرون، ازداد هذا التشابك. ففي أوروبا نفسها، تشكلت الدول الحديثة عبر حروب وفتوحات وتحالفات وحركات سكانية متكررة. أما التوسع البحري الأوروبي منذ القرن الخامس عشر فقد نقل الظاهرة إلى نطاق عالمي، فربط بين إفريقيا وأوروبا والأمريكتين وآسيا في شبكة واسعة من التبادل البشري والاقتصادي والثقافي. لقد أنتج الاستعمار، والهجرات الطوعية، وتجارة الرقيق عبر الأطلسي، والنزوح القسري بسبب الحروب، مجتمعات يصعب فيها الفصل بين «الأصيل» و«الوافد». ففي البرازيل مثلا، كما في كثير من بلدان الأمريكتين، تشكلت الهوية الوطنية من تداخل السكان الأصليين والأوروبيين والأفارقة على مدى قرون. فأين يمكن تحديد «الأصل الحقيقي» في مثل هذه الحالات؟

تزداد المسألة تعقيدا في العصر الحديث. فالملايين يحملون أكثر من جنسية واحدة، أو ينتمون عائليا وثقافيا إلى أكثر من فضاء جغرافي. وقد يولد الإنسان في دولة، ويتعلم في أخرى، ويعمل في ثالثة، ويتزوج من شخص ينتمي إلى خلفية مختلفة تماما. فهل يختزل كل هذا المسار الإنساني في نقطة أصل واحدة؟ إن التطبيق العالمي المتزامن لمبدأ العودة إلى الأصل سيطرح إشكالا بنيويا عميقا. فإذا طالبت كل دولة المقيمين من أصول أجنبية بالمغادرة، فإن الدول الأخرى ستفعل الشيء نفسه. وسينشأ بذلك نظام مغلق من عمليات الترحيل المتبادلة، دون معيار واضح يحدد متى تنتهي العملية أو من يملك حق البقاء النهائي. بل إن مفهوم «الأصل» نفسه يصبح إشكالياً. هل المقصود أصل الوالدين؟ أم الأجداد؟ أم الأسلاف قبل خمسة قرون؟ وماذا عن الشعوب التي تغيرت حدود أوطانها مرات عديدة؟ وماذا عن الدول التي لم تكن موجودة أصلا في شكلها الحالي عندما هاجر الأجداد؟
هنا يظهر التناقض الأساسي. ففكرة العودة تفترض وجود خط تاريخي مستقيم يمكن تتبعه إلى نقطة بداية واضحة، بينما تكشف الوقائع التاريخية أن المجتمعات الإنسانية تشكلت عبر حركات مستمرة من الامتزاج وإعادة التشكل. إن ما نعتبره اليوم «هوية وطنية» ليس معطى أبديا، بل نتيجة تراكمات تاريخية طويلة. لهذا السبب، تقوم الدولة الحديثة في جوهرها على المواطنة والإقامة والقانون، لا على النسب البيولوجي وحده. فالمواطن يعرَّف من خلال علاقته بالمؤسسات السياسية والمجتمع الذي يعيش فيه، لا فقط من خلال شجرة عائلته.

وفي عالم العولمة، أصبحت الهويات أكثر تركيبا من أي وقت مضى. فالانتماء قد يكون قانونياً وثقافيا واقتصاديا وعاطفيا في آن واحد. ومن ثم فإن اختزال الإنسان إلى «أصل» واحد يمثل تبسيطاً شديداً لواقع أكثر تعقيداً بكثير. إذا، فإن السؤال لا يتعلق فقط بإمكانية تطبيق الريمِغراسيون، بل بمدى انسجامها مع طبيعة التاريخ الإنساني نفسه. فالتاريخ لم يصنع مجتمعات مغلقة ومتجانسة، بل أنتج عالما مترابطا تشكلت شعوبه عبر اللقاء والتبادل والحركة المستمرة. وفي نهاية المطاف، تبدو المعضلة الحقيقية صراعا بين رؤيتين للانتماء: رؤية تجعل الأصل التاريخي معيارا نهائيا للهوية السياسية، ورؤية أخرى تنطلق من الواقع المعيش والعلاقات الفعلية التي يبنيها الأفراد داخل المجتمعات التي يعيشون فيها. وبين هذين التصورين يبقى السؤال مفتوحا: هل يمكن تثبيت ما ظلّ التاريخ يحركه باستمرار؟
📲 Partager sur WhatsApp