بقلم زكية لعروسي, باريس
هناك لحظات في التاريخ لا تتحدث فيها السياسة إلى الإنسان، بل تتحدث إليه الطبيعة نفسها. لا عبر الكلمات، بل عبر الجفاف. لا عبر الخطب، بل عبر الأعاصير. لا عبر المؤتمرات، بل عبر الغابات التي تحترق والأنهار التي تنكمش والجبال الجليدية التي تتآكل بصمت يشبه بكاء الكائنات القديمة. في زمننا هذا، لم يعد التغير المناخي مجرد ملف دبلوماسي تتجادل حوله الحكومات، ولا مجرد أرقام تتقاذفها التقارير العلمية. لقد أصبح قصة الوجود الإنساني نفسه. قصة كائن ظن طويلا أنه سيد الأرض، ثم اكتشف متأخرا أنه مجرد ابن يعيش في بيت أكبر منه بكثير.ذلك البيت اسمه الطبيعة. في الموروث العربي القديم لم تكن الصحراء مجرد مساحة من الرمل. كانت كائنا حيا. كان البدوي يخاطب الريح كما لو كانت مخلوقا يسمع. ويتأمل النجوم كما لو كانت رسائل معلقة في سقف الكون. وكان الماء معجزة يومية لا موردا اقتصاديا فقط. أما الإغريق فقد منحوا الأرض اسما وأمومة. كانت “غايا” في الأساطير اليونانية الأم الأولى، الكائن الذي ولدت منه الجبال والبحار والآلهة والبشر. لم تكن الطبيعة شيئا خارج الإنسان. بل كانت أصله. امتداده. ورحمه الكوني. ولعل أعظم مأساة الحضارة الحديثة أنها حولت هذه الأم إلى مخزن. غابة إلى خشب. نهر إلى سلعة. جبل إلى منجم. وبحر إلى طريق تجاري. كأن الإنسان نسي فجأة أن الشجرة التي يقطعها هي نفسها التي تصنع له الهواء.

الطبيعة لا تنتقم كما تفعل الأساطير. ولا تغضب كما يغضب البشر. إنها ببساطة تستجيب. كل فعل يترك أثرا. كل دخان يترك بصمة. كل غابة تقتلع تترك فراغا في رئة الكوكب. وكل طن من الغازات المنبعثة يضيف درجة جديدة إلى الحمى الكبرى التي تصيب الأرض. إن ما نسميه اليوم “احتباسا حراريا” يبدو في جوهره أشبه برسالة طويلة كتبتها الطبيعة منذ قرنين، لكن البشرية لم تقرأها إلا عندما بدأت الحروف تتحول إلى حرائق وفيضانات وعواصف. لقد أصبحت الأرض كجسد محموم. والحرارة ليست سوى العرَض الظاهر لمرض أعمق. مرض الاختلال بين الإنسان والعالم الذي يعيش فيه.هل المشكلة جديدة؟
في ظاهرها نعم. أما في جوهرها فلا. فالتاريخ البشري كلّه يمكن قراءته باعتباره محاولة مستمرة لإعادة التفاوض مع الطبيعة. حضارات ازدهرت قرب الأنهار ثم اختفت عندما تغيرت المياه. مدن دفنتها الرمال. إمبراطوريات أنهكها الجفاف. شعوب هاجرت بسبب تغير المناخ قبل أن يولد هذا المصطلح بآلاف السنين. لكن الفارق اليوم أن الإنسان لم يعد مجرد ضحية للتقلبات الطبيعية. لقد أصبح أحد أسبابها الرئيسية. وهنا تكمن فرادة اللحظة التاريخية التي نعيشها. لأول مرة يمتلك نوع بيولوجي القدرة على تغيير مناخ الكوكب بأكمله. في أقصى جنوب العالم، حيث تمتد القارة القطبية الجنوبية كقصيدة من الثلج والصمت، يحدث شيء يشبه النبوءة. الجليد هناك ليس مجرد ماء متجمد. إنه أرشيف الأرض. مكتبة عمرها مئات الآلاف من السنين. كل طبقة منه تحفظ ذكرى عصر. ونَفَس غابة. وحرارة شمس مرت قبل آلاف القرون. وعندما يبدأ هذا الجليد في الذوبان، فكأن المكتبة نفسها تحترق. وكأن التاريخ الطبيعي للكوكب يرسل إنذارا أخيرا إلى البشرية. لهذا يصبح النقاش حول تسمية التغير المناخي أو تجاهله أكثر من مجرد خلاف سياسي. إنه خلاف حول الطريقة التي ننظر بها إلى الواقع نفسه. هل نعترف بالحريق؟ أم نناقش فقط شكل الدخان؟

على مدى قرون حلم الإنسان بالسيطرة على الطبيعة. شيد السدود. شق الجبال. غير مجاري الأنهار. أضاء الليل. وحوّل الفحم والنفط إلى قوة غير مسبوقة. وكان ذلك انتصارا مذهلا للعقل البشري. لكن كل انتصار يحمل داخله بذور حدوده. فالعالم ليس آلة يمكن تشغيلها بلا نهاية. إنه شبكة هائلة من التوازنات الدقيقة.وكلما دفع الإنسان أحد خيوطها بقوة، اهتزت الخيوط الأخرى. إننا نعيش اليوم لحظة مواجهة بين عبقرية الإنسان وعواقب عبقريته. فكيف نتصالح مع الطبيعة؟
ربما يكمن الخطأ في السؤال نفسه. فالطبيعة ليست خصمًا حتى نتصالح معه. نحن جزء منها أصلا. السمكة لا تتصالح مع البحر. والشجرة لا تتصالح مع التربة. لأنهما لم تنفصلا عنها يوما. المطلوب ليس مصالحة بقدر ما هو تذكّر. تذكّر أننا لسنا مالكي الأرض. بل عابرو سبيل فوقها. أن الاقتصاد ليس أهم من الهواء. وأن النمو ليس أهم من الماء. وأن التكنولوجيا مهما بلغت عظمتها لا تستطيع أن تصنع كوكبا بديلا. ربما كانت البشرية تبحث طويلا عن نهاية العالم في النيازك والحروب والكوارث المفاجئة. لكن التحدي الحقيقي جاء أكثر هدوءا. درجة حرارة ترتفع قليلا. جليد يذوب ببطء. محيطات تتمدد بصمت. غابات تختفي شجرة بعد أخرى. إنها ليست نهاية العالم. بل إنذار من العالم. رسالة من الأم الكبرى التي حملتنا ملايين السنين. رسالة تقول إن الطبيعة لا تحتاج إلى الإنسان كي تستمر. أما الإنسان، فبحاجة إلى الطبيعة في كل نفس يتنفسه.
📲 Partager sur WhatsApp